• - خصائص الخطبة والخطيب

 

 
إلى الصوت الذي أيقظ النفوس من سُباتها،وأحيا الضمائر بعد موتها.
إلى الصوت الذي نبَّه العقول فثابت إلى رشدها، وهزّ القلوب من أعماقها،فآبت صالحةً إلى ربّها.
إلى الصوت الذي حرَّك المشاعر،ولقَّح الخواطر، وطهَّر السرائر.
إلى الصوت الذي جَلْجَل في آفاق الحياة،فأوْقََد في صميمها شُعلةَ الإيمان متأجَََََََّجةََ السنا.
إلى الصوت الذي تدفَّقت منه الخيرات،وانسابت مع أصدائه الصالحات.
إلى صوت الحق والعدل والنور والهداية.
إلى صوت النبوة الهادر في شرايين الزمان،الراسخ كالطود في أعماق الوجود،الباعث للخير في كلَّ آن.
إلى صوتك أنت يا سيدي يا رسول الله.  


والحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمُّ التسليم على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيًّدنا ومولانا رسول الله محمد وعلى أهله وصحبه أجمعين.
أما بعد،فإنَّ الخطابة من أهمَّ وسائل تبليغ الأفكار للآخرين وأسرعها سبيلاً إلى أسماعهم وعقولهم عَبْرَ تجُّمعاتهم في المحافل والمنتديات ومناسبات اللّقاء الجماعيَّ المختلفة.
ونظراً لتعرُّض هذا الفنِّ اللِّسانيِّ والنَّمط القوليَّ ـ في أيّامنا هذه ـ لاضطرابات وخلل،وتصدى غير أهله له، وممارسته بصيغ ملتوية ومظاهر هشّة، وبات من الضرورة
بمكان أن يوضع بين أيدي سالكيه ما يدلُّهم على طريقته الصحيحة،وصيغته الأدائيَّة الحسنة،وخصائصه الهامَّة التي تُمكَّن مَنْ فَقهِها والتَزَامها من أن يرتقي ذِروته، ويبلغ فيه غايتَه ويصبح من الخطباء الناجحين،والمتحدِّثين المؤثِّرين، والمبلِّغين اللِّامعين.
وكتابنا هذا الموسوم" بخصائص الخطبة والخطيب" بيانُ موجز لأهمَّ الخصائص والصفات التي يجب أن تتوفَّر في الخُطبة، والخطيب،ابتغينا أن يكون منارةً في مضمار هذا المظهر الكلاميِّ العظيم،يهتدي بنورها كلُّ من سلك طريقه، وقصد غايته،وطلب ثمرته.وهذه هي الطبعة الثانية للكتاب قد أبرزتها دار البشائر الإسلاميَّة في حُلَّة جديدة، لتقع في أيديّ القّرّاء،وقد برئت من أخطاء وهَنات كانت قد أصابت طبعته الأولى.وبهذا الإخراج الجديد الموشَّح بالتنقيح والتصحيح تصبح فائدة الكتاب أكثر ومنفعتُه أشمل، وتسلم عبارتُه من التشويش،ويكلأ فكرتَه الإشراقُ والتوضيح.
أسأل الله أن يجعل فيه النفع والخير،والقبولَ والآجر لكاتبه وناشره وقارئه:إنه مجيب السائلين. وآخر دعوانا:أن الحمد لله ربِّ العالمين.
          

--------------------------------------------------------------------------------
 
 
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبيِّ الكريم سيِّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه وأجمعين. أما بعد:
 فلقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:
} وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(
اعلم أيٌّها القارئ العزيز أنَّ الخطابة لم تكن ظاهرة كلاميَّة حديثة العهد في حياة الإنسان، ولكنَّها أصيلة عميقة الجذور تضرب في أعماق الماضي السحيق حتى تصل إلى ذلك الخطاب الإلهي الجليل الذي وجَّهه الله عز وجل على ملائكته حيث قال: ) َإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً( والذي وجَّهه إلى البشر وهم في عالم الذرِّ حيث قال:
} وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ( ولما تسلَّم رسل الله مهمّاتهم في تبليغ دعواتهم، كانت الخطابة الوسيلة الرئيسة التي اتخذوها مطيَّة لإعلام الناس ما نُزِّل إليهم وتوضيح معالم أديانهم وشرائع ربٍّهم.
ولقد كشف القرآن الكريم عن هذه الناحية عندما حدَّثنا عن الأنبياء والمرسلين كيف بلَّغوا رسالات ربِّهم ونشروا أنوار هديها في الناس، فحدَّثنا عن سيِّدنا نوح عليه السلام في قوله تعالى:)قال يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ{2} أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ{3} يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{4} قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً{5} فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً{6} وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً{7} ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً{8} ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً{9}(
وحدثنا عن سيِّدنا نوح موسى عليه السلام حين سأل الله سبحانه أن يطلق لسانه لكي يحسن خطاب فرعون وقومه، فقال سبحانه على لسان موسى عليه السلام:
}قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي{25} وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي{26} وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي{27} يَفْقَهُوا قَوْلِي( وحدَّثنا عن سيِّدنا إبراهيم عليه السلام من قبل كيف آتاه الله الحجَّة في الخطاب والحكمة في الجواب، فقال سبحانه:
}وَنِلْكَ حُجّتَُّّنا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ{كما حدثنا عن سائر الأنبياء من قبل ومن بعد كصالح وشُعيب وهود ويونس وسليمان وداود وعيسى عليهم السلام، الذين واجهوا أقوامهم في معتركات الدعوة إلى الله،فخاطبوهم بكلمة الله، وجادلهم بقوا رع الحجة والبرهان،فقال سبحانه:
}وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوَمِ اعْبُدُوا ا للهَ مَا لَكُم مّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتّقُونَ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذْروهُا تَأْكُلْ فيِ أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمّسوهُا بِسْوءٍ فَيَأْخُذكُمْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ{
}وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيّنَةُُ مِّن رّبَّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيَزانَ وَلَا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسدُوا فيِ الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرُ لَّكُمْ إِن كُنُتم مُّؤْمِنِينَ{
ثم حدثنا أخيرا عن رسولنا محمد rلم كيف أمره الله تعالى بأن يصدع بدعوته، ويجهر بهاعلى الملأ،فقال جلَّ ذكره:
}فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ{
}قُلْ يَأَيُّهَا الَّناس إِنّيِ رَسُولُ اللهِ إِليْكُمْ جَمِيعًا...{
فاتخذ رسول الله r الخطابة وسيلة الصّدع بدعوته،حيث جمع الناس إليه عندما صعد جبل الصفا ونادى:"واصباحاه"، فقام الناس إلى حيث رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى اجتمعوا إليه فخاطبهم قائلاً:
"أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلاَ بالوادي تُريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدِّقي؟".
قالوا:نعم ،ما جربنا عليك كذباً.
قال:"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
ثم نزلت آيات القرآن بعد ذلك تحض الرسول rعلى الدعوة عبر الكلمة الصادقة، والصوت الهادر المؤثر الذي يُوقظ العقل، وينبه الضمير، ويلهب المشاعر ،فقال سبحانه:
}ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتيِ هِيَ أَحْسَنُ{
وهكذا كانت الخطابة الأداة الفعّالة التي استخدمها أنبياء الله ورسله في تبليغ دعواتهم ونشر رسالاتهم، وهذا يوضّح لنا مدى أهمِّيتَّها وضرورتها كوسيلةٍ إعلاميَّة خطيرة لاغنى عنها لأيّ مصلحٍ أومرشدٍ . واستمرَّت الخطابة عبر الحياة الإنسانيَّة في مختلف أزمانها متمتِّعة بالحيويّة والنشاط إلى أن عُني بها الإسلام عناية كبيرةً، فشَرع الخُطَب أيّام الجُمع والأعياد ليقومَ فيها الخطيب بإرشادٍ يراعي فيه حال الأُمَّة ،فيقرع أسماعها بالموعظة الحسنة، ويستنهضها للأعمال الكفيلة بعزِّها في الدنيا وسعادتها في الآخرة. وانطلاقاً من هذه الأهميَّة والمكانة العظيمة التي احتلتها الخطابة قي حياة الإنسان شرعتُ في كتابة هذا الفصول،أتحدَّث فيها عن خصائص الخطبة والخطيب متَّجهاً في طريق الخطابة الإسلاميَّة، متناولاً أهمَّ الملاحظات وأبرز النواحي التي يجدر بالخطباء مراعاتها وفهمها فهماً دقيقا، وهم يحتلُّون منصب توجيه الأجيال وإرشاد الناس. وإني لاأدَّعي لنفسي السبق في هذا الميدان، ولكنِّي سرتُ على هدى من كتبوا في مجاله، ونهلتُ من معين معارفهم، وأخذت صفوة آرائهم وجمعت ذلك كلََّه، ورتّبته، وزِدت عليه ما لا بدَّ منه ،ثم أخرجته هذا الإخراج راجياً المولى سبحانه أن ينفعني به، وينفع به غيري. والله من وراء القصد إنّه عليم بذات الصدور.
والحمد لله رب العالمين  نذير محمد مكتبي[1]


لمحة تاريخية
لا نريد هنا أن نستغرق في استعراض تاريخ الخطابة والوقوف على مراحل نشوئها وتطوُّرها بصورة مفصلة،لأنَّ ذلك سوف يجعلنا نتحوَّل عن الغاية التي ابتغيناها من كتابة هذا الموضوع، وهي شرح أُصول الفنِّ الخطابيِّ.
لذلك سوف نكتفي بلمحة موجزة عن تاريخ الخطابة مقتصرين فيه على الخطابة العربيَّة.
الخطابة في العصر الجاهلي
لم تكن الخطابة حديثة العهد في حياة العرب، بل كانت أصيلة فيهم كغيرهم من الجماعات الإنسانيَّة التي تلاحقت على سُكنى الأرض،وانتشرت في ربوعها.
إلاّ أنّ الخطابة لم تحتلَّ عند العرب منزلة تساوي منزلة الشعر في حياتهم ،لهذا لم تصل إلينا نصوص موثوقة تُقدِّم لنا صورةً واضحة عن تطور الخطابة العربيَّة قبل الإسلام.
ولكن رغم هذا فقد بلغَنا عن فنِّ الخطابة العربيَّة في العصر الجاهليِّ مبلغ لا بأس به في التعرُّف إلى الفنِّ الخطابيِّ عند العرب وإدراك بعض مظاهره. وقبل أن نتحدث عن أنواع فنّ الخطابة العربيَّة قبل الإسلام علينا أن نتكلَّم عن مكانة الخطيب وأثره في حياة قومه .
مكانة الخطيب عند العرب والجاهليين:
لمّا كان الشِّعر ذا أثر فعّال وكبير في الدِّفاع عن القبيلة ونشر مآثرها وتفنيد دعوى أعدائها، وتحقير شأن خصومها، ورفع مكانتها بين القبائل فقد كانت حاجة القبيلة إلى الشعراء أكثر من حاجتها إلى الخُطباء،لهذا فقد احتلَّ الشاعر في قومه مكانة هامَّة، ونزل عندهم منزلة الفارس الذي ينافح عن قبيلته ويحمى ذمارها ،وربَّما فاق الشاعر في نظر قومه الفرسان الشجعان،حتى ذكر أنَّهم كانوا إذا نبغ شاعر في إحدى قبائلهم جاءتها سائر القبائل تهنِّئها به.فكانت القبيلة تفتخر بكثرة عدد شعرائها كما تفتخر بزيادة عدد فرسانها. إلاَّ أنّ الخطابةـ رغم ضآلة افتقار القبيلة إليها بالنِّسبة إلى الشعر- لم تكن مَرْكباً مستباحا لكلِّ من يهواها مهما كانت منزلته في قومه،وإنما كانت مورد زعماء القبيلة وسادتها ورؤساء القوم وكبارهم وأرباب الفصاحة والبيان فيهم،خلافاً للشّعر الذي كان يرِد مواردَه كلُّ من ملك موهبتَه،وتمّتع بالقدرة على نظمه، أيّاً كان شانه: زعيماً في قبيلته كامرئ القَيْس أوعبداً مملوكاً كعنترة بن شدَّاد. فيتحصَّل لنا بهذا أنّ الخطيب من حيث شخصيته أعلى منزلةً من الشاعر، وأنَّ الشاعر من حيث قوَّة تأثيره في حياة قومه أكثر أهميّة من الخطيب،فالشاعر لسان الدعاية لقبيلته بذكر مآثرها ونشر أخبارها وتمجيد وقائع حياتها،والخطيب لسانها الهادر في المحافل والمناسبات والمجامع،لهذا كانت القبيلة تنتخب للمناسبات المختلفة أكرم رجالها وأنضجهم عقولاً وأشرفهم منزلة فيها ،نحو الخطبة التي ألقاها عبدالمطلب جدُّ النبي عليه الصلاة والسلام أمام سيف بن ذي يزن مهنئاً إيًّاه بتولية مُلك اليَمْنْ، ولا تخفى علينا مكانة عبد المطلب في قومه وحكمته الرائدة في وعظهم وإرشادهم.هذا وإنَّ ما يُؤكد سمو كعب الخطيب في قومه ورفيع قدره في قبيلته إشادة الشُّعراء بالخطباء وجعل مدحهم والثناء عليهم سبيلاً إلى مدح القبيلة والإشادة بمآثرها نحو قول عامر ألمحاربي في مديح قومه(1)
وهم[2] يدعمون القول في كل موطنٍ  بكل خطيبٍ يترك القوم كُظَّما(2)
يقوم فلا يعيا الكلام خطيبن إذا الكرب انسي الجِبس أن يتكلما(3)
أنواع الخطابة العربية قبل الإسلام:
لا نريد هنا استقصاء أنواع الخطابة العربية بالبحث العميق والتفصيل الدقيق،لأننا بصدد دراسة نقدية لأنواع الخطابية التي سادت في ذلك العصر.
وينبغي لناأن ندرك أولا أنّ أنواع الخطابة العربية المختلفة كانت وليدة البيئة الجاهلية وظروفها الحيوية، فهي تعكس في ملامحها وخصائصها واقع نشأتها.
ونذكر فيما يلي أهم هذه الأنواع الخطابية :
1-خطب القتال والحضَّ على الأخذ بالثأر:
كخطبة هانئ بن قبيصة الشَّيبانيّ الشهيرة التي حثّ فيها قومه على قتال الفرس يوم(ذي قار)، والتي قال فيها:
"يا معشر بكرٍ، هالِكُ معذور خيرُ من ناجٍ فَرور،إنَّ الحذر لاُينجي من القدر ، وإنَّ الصبر من أسباب الظفر ،المنيَّة ولا الدنيَّة،استقبال الموت خيرُ من استدباره، الطَّعن في ثغر النُحور أكرم منه في الأعجاز والظُّهور، يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بدِّ".
[3]اهـ .(1)
2-خُطب الصلاح:
وهي التي يلقيها ذوو الحكمة وأصحاب الرأي والمنزلة في القوم لإصلاح ذات البين ورأب الصدع بين القبائل المتناحرة،نحو الخطبة التي ألقاها قيس بن خارجه في الإصلاح بين عبس وذبيان إثر حرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين عاماًَ.
وجاء أنّهم قالوا له:ماعندك؟
فقال :عندي قِرى كلِّ نازل، ورضا كلِّ ساخط ،وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع.
قالوا:فخطب يوماً إلى اللَّيْل ،فما أعاد فيها كلمةً ولا معنىً.(2)
3- خُطب الوعظ والإرشاد:
ويلقي هذا الضرب من الخُطب عقلاء القوم وأرباب الحكمة فيهم وذوو البصيرة والعلم والصلاح من رجالهم.
ومن أشهر خطبائهم في ذلك قُسّ بن ساعدِة الأياديّ.كان يخطب في المواسم يعظ الناس ويرشدهم، ومن خطبه الشهيرة تلك الخطبة التي رُوى عن النبي rأنّه سمعها من قُسّ يُلقيها على الناس في الموسم في سوق (عُكاظ)حيث جاء في الحديث"رأيته بسوق عُكاظ على جمل أورق ،وهو يقول:
(أيُّها الناس اجتمِعوا واسمَعُوا وعُوا،إنَّه [4]
وجاء في نص خطبة:
أيُّها الناس، اجتمعوا،واسمعوا وعُوا، إنّه من عاش مات،ومن مات فات،وكل ما هو آتٍ آت،ليل داجٍ(1)،ونهار ساجٍ(2)، وسماء ذات أبراج (3) ونجوم تزهر(4)،وبحار تزخر(5) وجبال مُرساة(6)،وأرض مُدحاة(7)، وأنهار مجراة.
إنّ في السماء لخبراً،وإنّ في الأرض لعِبرا،ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟أرضوا فأقاموا؟أم تركوا فناموا؟ يا معشر إيادٍ،أين الآباء والأجداد، وأين الفراعنة الشّداد؟
ألم يكونوا أكثر منكم مالاً وأطول آجالاً؟طحنهم الدهر بكلكله(8)،ومزقهم بتطاوله:
في الذاهبين الأولين    مـن القـرون لنا بصائر
  لما رأيت موارد  للموت ليس لها مصادر(9)
 ورأيت قومي نحوه   يسعى الأصاغـر والأكابر
لا يرجع الماضي إلىّ  ولا مـن الباقين غابـر
أيقنت أنيّ لا محالة   حيث صار القـوم صائر
-خُطب الوفــــود:
وهي التي تُلقى في مجالس الملوك والأمراء تهنئةً لهم أو تعزيةًَ أو تعبيرا ًعن ولائهم أو دعاء لتحقيق بعض مقاصدهم .
منها في التهنئة:خطبة عبد المطِلب أمام سيف بن ذي يَزَن حين استردَّ ملكه من الحبشة بعد انتصاره عليهم ،قال فيها(1):
إنَّ الله تعالى- أيُّها الملك- أحلّك محلاً رفيعاً، صعباً منيعاً،باذِخاً(2)شامخاً، وأَنْبَتَك منبتاًً طابت أَرومته(3)، وعزَّت جٌُرثومته(4)،ونُبل أصله،وبسَقَ(5) فرعه، في أكرم معدِن وأطيب موطن. فأنتَ ـ أبيت اللَّعن ـ رأسُ العرب وربيعُها الذي تُخصِب، وملكُها الذي تنقاد ،وعَمُودُها الذي عليه العماد، ومعقِلُُها الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خيرُ سَلَف، وأنت لنا بعدهم خيرُ خَلَفُ،ولن يهلك من أنت خلفه ولن يخمل من أنت سلفه. نحن أيّها الملك أهل حرَمِ الله وذمَّته،وسَدَنه(6)بيته،أشخصنا(7)إليك الذي أنهجك لكشفك الكرب الذي فدحنا،فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة(8)
ومنها في التعزية:خطبة أكثم بن صيفي في تعزية عمرو بن هند ملك العرب بأخيه جاء فيها:
إنّ أهل هذه الدار سَفْر(9) لايَحلُّون عُقد الرَّحال إلاَّ في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك وارتحل عنك ما ليس براجع إليك،وأقام معك من سيظعن(10) عنك ويدعك .واعلم أنّ الدنيا ثلاثة أيّام، فأمس عظة وشاهد عدل، فجعك بنفسه،وأبقى لك وعليك حكمته، واليوم غنيمة، وغداً لاتدري من هو أهله ،وسيأتيك إن وجدك، فما أحسن الشكر للمنعم[5]
والتسليم للقادر، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها ،فما بقاء الفروع بعد أصولها ،واعلم أنّ أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخير من الخير معطية، وشر من الشر فاعله. ومنها في الإشادة بين أيدي الملوك: خطبة عمرو بن معد يكرب الزبيدي التي ألقاها .
أمام كسرى ملك الفرس وجاء فيها:
"إنمّا المرء بأصغَرَيْه: قلبه ولسانِه، فبلاغ المنطق الصَّواب، ومِلاك النُّجْعة(1) الارتياد، وعَفُو الرأي خَيْر من استِكْراه الفِكْرة،وتوقُّفُ الخِبْرة خير من اعتساف(2) الحَيْرَة ، فاجتبِذْ(3) طاعتنا بلفظك،واكتظم (4)بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يَسْلُسْ لك قيادُنا، فإنّا أنُاس لم يُوقَّس(5)صفاتنا قراع مناقير(6) من أراد لنا قضماً،(7)،ولكن منعنا حمانا من كلّ من رام لنا هضماً.
5-خُطب النكاح: كانت العادة عند العرب إذا أراد الرجل الزواج بامرأة تقدّم عنه رجل من عشيرته إلى أهل المرأة يطلب يدها في خُطبة يلقيها أمامهم يعدّد فيها صفات الرجل الراغب بابنتهم وخصاله التي يتمتع بها ومكانته في قومه،ويبيّن رغبته في الزواج بتلك المرأة.
وبعد أن ينهى خطبته يقوم رجل من أهل الفتاة ،فيخطب خطبة قصيرة يجيبه فيها قبولا أو رفضاً.ومن هذا النوع خطبة أبي طالب عم النبيَّ rالتي ألقاها أمام قوم السيدة خديجة الكبرى رضى الله عنه طالبا يدها لسيدنا الرسول محمدr، حيث قال فيها(8):
الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء(9) معدِّ وعنصر مُضر، وحرماً آمناً،وسّواس(10) حرمه وجعلنا حُكام الناس ، ثمَّ إنّ ابن أخي هذا ،محمد بن عبدالله،لايوازن به رجل شرفاً ونُبلاً وفضلاً،وإنْ كان في المال قُلٌّ، فإنّ المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مستردَّة،وهو-والله-بعد هذا نبأ عظيم، وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبةً في كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصَّداق(كذا)...اهـ.
 فلمّا أتمَّ أبو طالب خطبته تكلّم ورقة بن نوفل ابن عمَّ خديجة يجيبه، فقال:
الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها،وأنتم أهل ذلك كلَّه، لا تنكر العشيرة فضلكم،ولا يردُّ أحد من الناس فخركم وشرفكم،فاشهدوا علىّ معاشر قريش بأنيّ قد زوّجت خديجة بنت خُويلد من محمد بن عبد الله على كذا ا ه.
-------------------------------------------------
-النّجْعة:القصد والطلب.وقولهم:انتجع المكان،أي:قصد هو تحوّل إليه
2-الاعتساف:سار على غير هدى
3-اجتبذ:بمعنى اجتذب
4-اكتظم: المبالغة من كظم،أي:حبس نفسه ومنعها من الغضب
5-وقَّس: الوقس:انتشار الجرب بالبدن،والمعنى هنا:لم يخدش ولم يعب
6-قراع المناقير:المنقارحديدة كالفأس يُنقر بها . والصفاة الصخر الملساء.
7-القضم:أكل الشيء اليابس،وكسر الشيء بأطراف الأسنان.
8-سيرة ابن هشام 
9- العنصر والأصل   (10)سوّاس:ج سائس وهو هنا القائد ومدبر الأمر
الخطابة في العصر الإسلامي:
تقدَّم معنا أنّ الخطابة العربيّة خضعت لمعطيات البيئة ومؤثِّراتها، ذلك لأنّ الخطيب يستمدُّ لغته وأفكاره وتصوُّراته من واقع البيئة التي يعيش فيها. وهذه الظاهرة نلمسها واضحة في مختلف فنون الأدب العربيّ بل هي سِمة ظاهرة في كل فنَّ من فنون الأدب العالميّ. وذهب كثير من نُقّاد الأدب إلى أنّه مرآة صادقة، تنعكس فيها مختلف جوانب البيئة وتطوُّراتها ،فأيُّ تغيير يطرأ على بيئة الأدب يتجلَّى واضحاً فيه. والخطابة أحد فنون اللِّسان ومظاهر البيان، فهي جزء من الأدب والثقافة الإنسّانية فخضوعها للمؤثِّرات البيئيَّة ظاهرة طبيعية وقضيَّة مسلَّم بها لا تخضع للنقاش. وقد أفاض علماء الأدب الإنسانيِّ ونُقّاده في هذا الجانب خلال دراستهم لنشأة الأدب وتطوّره،وأسهبوا فيه، ونحن نكتفي هنا بمجرَّد الِإشارة إلى ذلك لكي لا نخرج عن مسار موضوع هذا الكتاب.لا يختلف اثنان في أنّ الإِسلام أحدث تغييراً شاملاً في واقع البيئة الجاهليَّة فقد نقل إلى العرب أفكاراً ومفاهيم جديدة ومعتقدات وتصوُّرات خالف بها معظم عقائد الجاهليَّة وتصوُّراتها، فأرسى في نفوسهم مفهومَ الإيمان بالله وحده لا شريك له، ورسّخ في قلوبهم عقيدة البعث والنُّشور، واستأصل المفاهيم الباطلة التي امتلأت بها أذهان الناس قبل الإسلام ، وقضى على العادات والأعراف الفاسدة التي سادت حياتهم، وانطبعت عليها نفوسهم. وهذا التغيير الشامل الذي أحدثه الإسلام في البيئة العربيّة انعكس بصورة واضحة على مختلف فنون الأدب العربيّ شعره ونثره. وكانت الخطابة أكثر هذه الفنون اللِّسانيَّة تأثُّراً بذلك التغيير، وذلك نظراً لعناية الإسلام واهتمامه البالغ بها، إذِ اقتضت طبيعة دعوته ونشر كلمته اتخاذَها وسيلةً لتوصيل معارف الإسلام وعقائده وتصوُّراته إلى قلوب الناس وعقولهم،كان ذلك في اللَّحظة الأولى التي صدع فيها رسول الله r بدعوته، وأنّ الله سبحانه أرسله إليهم برسالة التوحيد. وأصبحت الخطابة أحد شعائر الإسلام عندما فُرضت صلاة الجمعة التي باتت الخُطبة فيها احد أركانها،فلا تنعقد الجمعة صحيحة إلا بها.فهي تؤدّى في الأسبوع مرّة واحدة في يوم معيّن- هو يوم الجمعة- وفي وقت محدد، حيث يقوم إمام المسلمين قبل صلاة الجمعة، فيخطب بالناس خطبتها،يعظهم فيها ويذكِّرهم ثم يصلِّي عقبها ركعتين إماماً بمن خطب فيهم. ولم تنحصر الخطابة الإسلاميَّة في خُطبة الجُمعة فقط، بل كانت المنّصة التي ارتقاها الرسول عليه الصلاة والسلام لتوضيح مبادئ الإسلام وإرشاداته للناس، والأداة التي استخدمها قُوّاد المجاهدين لحثّ جنودهم على القتال وبعث الحماسة في نفوسهم وتأجيج عزائمهم ضدّ عدوِّهم، كما كانت الوسيلة التي استعملها الخلفاء المسلمون وعُمّالهم في الأمصار ليبّنِّوا للناس عَبْرها خطَّة حكمهم وطريقة سياستهم وليتَّصلوا بهم كلَّما جدّ جديد أو طرأ طارىءمن خيرِِ أو شرِِّ،ما ينبغي للمسلمين أن يولوه اهتماماً واستعداداً. كخطب أبي بكر الصدِّيق وعمر بن الخطاب وعثمان وعليّ ومن جاء بعدهم من خلفاء المسلمين رضى الله عنهم أجمعين.
أنواع الخُطب في هذا العصر:
أبقى الإسلام على بعض أنواع الخُطب في الجاهليَّة بعد أنّ هذّبها ونقّاها من شوائب الصفات والمعتقدات، وصبغها بصبغته، وأضاف إليها أنواعاً جديدة، فتكوَّنت منها مجموعة من الخطب تنوّعت إلى ما يأتي:
1-الخُطَب الدينيّة:
وهي من أهمِّ أنواع الخطب وأوسعها شهرة، لأنَّها تدور في فلك الإسلام دعوةً إليه ونشراً لقيمه ومبادئه، ويرتادها خلفاء المسلمين وعلماؤهم ودعاتهم ،فهي كثيرة المنابر، عديدة المحافل، تلتقي الناس ويلتقونها في مناسبات شتّى وفي أوقات عدّة محدّدة، فكلّما دعت الحاجة إليها انتصَب منبرها ليقف خطيبها على عواده واعظاً ومرشداً ومعلِّماً. ولقد كانت ديْدَن الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام وأهل الدعوة والإرشاد من بعدهم.فإذا فترتْ همَّة الناس في طلب الآخرة، وخلدوا قليلاً إلى دعة العيش ونعيمه، جاءتهم تلك الخُطب منبِّهة واعظة،ليثوبوا إلى رشدهم، ويؤوبوا إلى ربِّهم، ويستعيدوا همتَّهم في طلب الآخرة، ويأخذوا حذرهم من مكر الدنيا وزينتها. وفي ذلك كان يقول الصحابة رضي الله عنهم:"كان رسول اللهr يتخوَّلنا بالموعظة".وحسبنا من الأمثلة العمليَّة على هذه الظاهرة الخطابيَّة ما جاء في رواية في الصحيحين:
بلغ رسول الله r عن أصحابه شيءُ، فخطب،فقال"عُرضت علىّ الجنَّة والنَّار، فلم أر كاليوم في الخير والشرِّ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتُم قليلاً ولبكَيْتُم كثيراً"فما أتى على أصحاب رسول اللهr يوم أشدّ منه غطَّوا رؤوسَهم لهم خنين(رواه البخاري ومسلم). وعند ما أتى رسولَ الله rخبر الثلاثة الذين اخذوا على أنفسهم عهوداً أن يقوم أحدهم الليل ولا يرقد، ويصوم الآخر النهار ولا يفطر،ولا يتزوَّج الثالث أبداً ، قام فركب المنبر وخطب الناس قائلاً:
"أما والله إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأُفطر، وأُصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النِّساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني"(أخرجه البخاري)
وجاء في الصحيحين: استعمل النبيُّr رجلاً من الأَزْدِ يُقال له :ابن اللٌّتبِْيّة على الصدقة، فلمّا قدِم قال :هذا لكم، وهذا أٌهدي إلىَّ.فقام رسول اللهr على المِنْبَر، فحمد الله وأثنى عليه،ثمَّ قال:"أمّا بَعْدُ،فإنيّ استعمل الرَّجُل منكم على العمل ممّا ولاّني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هديّةُ أُهديتْ إلىَّ،أفلا جلس في بيت أبيه أو أُمِّه حتى تأتيه هديَّتُه إن كان صادقاً،والله لا يأخذ أحدُ منكم شيئاً بغير حقّه إلاَّ لقيَ الله تعالى، يحملُهُ يومَ القيامة،فلا أعرفن أحداً منكم لقَي الله يحملُ بعيراً له رُغاءُ،أوبقرةً لها خُوار،أوشاةً تَيْعَر"، ثم رفع يديه حتى رُوْي بياض إبْطَيْه،فقال: "اللَّّهمَّ هَلْ بلَّغتُ". ثلاثاً. (1).
فهذه الأمثلة وغيرها في سيرة رسول الله r ودعوته يترجم بصورة عمليّة حقيقة استشراء الخُطبة الدينيَّة في حياة المسلمين الأوائل، وهيمنتها على سائر أنواع الخطب.
وتنقسم الخطبة الدينيّة إلى قسمين:
أولاً- خطب دينيَّة تتحدّد بأوقات معيَّنة أو ظروف طارئة، وهي ما يأتي:
خطبة الجمعة:
وهي أعلاها وذروة سنامها، وتُلقى في كلِّ يوم جمعة عندما تزول الشمس عن خطّ الاستواء ويتمُّ فيها وعظ المسلمين وحملهم على شرع الله، وردُّهم إلى دينه القويم، وسيأتي تفصيل الحديث عنه[6]


خطبة العيد:
وهي خطبة شُرِعت عقب صلاة عيد الفطر في صبيحة اليوم الأوّل من شوّال بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح من شروقها، وعقب صلاة عيد الأضحى كذلك، وسيأتي تفصيل الحديث عنها في حينه عن شاء الله.
خُطبة يوم عرفة:
ويؤدِّيها إمام المسلمين في الحج وموعدها بعد زوال الشمس عن خطّ الاستواء يوم عرفة، وسيأتي الحديث عنها مفصّلا في موطنه من هذا الكتاب بعون الله.
خطبة الكسوف والخسوف:
وقد شُرِعت عند كسوف الشمس وخسوف القمر طلباً لتجليتهما بعد صلاة ركعتين تعرفان باسمهما، وسيأتي تفصيل الحديث عنها أيضاً في موطنه من هذا الكتاب بإذن الله.
خُطبة الاستسقاء:
وقد شُرعت عند انحباس الأمطار وشحِّ المياه طلباً للسّقْيَا بعد صلاة ركعتين، وسوف نذكر تفصيل الحديث عنها في موطن آخر من هذا الكتاب بإذن الله.
ثانياًـ خُطَب دينيَّة لا ترتبط بوقت معَّين ولا بظروف محدَّدة، وإنمّا تخضع لحاجة الناس في وعظهم وإرشادهم على اختلاف الأحوال وتفاوت الظروف والدواعي، فغرضها إيقاظ الهمم وتقوية العزائم، وحثًّ العباد على خدمة الله تعالى والقيام بأمر دينه وحسن عبادته على هدي منهجه الحقِّ وصراطه المستقيم.
ويُسمّى القسم من الخُطب الدينية:خُطب الوعظ والإرشاد
ومن أمهر فرسانه بعد الصحابة سيِّد التابعين في البصرة الإمام الحسن البصريّ رحمه الله.[7]
وسوف نأتي في فصل مستقلٍّ على ذكر نماذج من هذه الخُطب


 
2-خُطَب الجهاد والحضِّ على القتال في سبيل الله سبحانه:
وهذا الضَّرْب من الخُطَب عرفه الجاهليّون – كما تقدَّم معنا – إلاّ أنّ الإسلام صبغة بصبغته، فبعد أن كان الباعث عليه تحريضَ المقاتلين على الأخذ بالثأر واستجابةً للعصبَّية الجاهليّة أصبح في الإسلام حثَّ المسلمين على ردع الكافرين إعلاءً لكلمة الدّين وابتغاء ً لإحدى الحسنين :
إمّا النصر على أعداء الله وإعزاز لدينه وإمّا الشهادة في سبيله والفوز بالجنَّة .
وكان رسول الله r أوّل من بدأ خُطب القتال في المسلمين وذلك عند ما قام يومَ بدر يحرّض المؤمنين على القتال يقول لهم :
"قوموا إلى جنَّة عرضها السماوات والأرض والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مُّقبلاً غير مدبر إلاَّّ أدخله الله الجنّة (1)سيرة ابن هشام.
وتابع الخلفاء الراشدون والقوّاد والولاة سيرة رسول الله r في خٌطب الجهاد، فنذكر من ذلك خطبة أبي بكر الصدَّيق رضي الله عنه التي ألقاها يوم ندب الناس لفتح الشام فقال فيها: " ألا وإنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، لما ينبغي للمسلم أن يحب ّأن يُخَصَّ به، هي التجارة التي دلَّ الله عليها ونجّي بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة" (2) تاريخ الطبري2/588.
ونذكر منها أيضاً خطبة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه التي ألقاها يوم ندب الناس لفتح بلاد فارس، فقال فيها :
 "إنّ الحجازَ ليس لكم بدار إلاّ على النُّجْعة(1) ،ولا يقوى عليه إلاَّ بذلك أين الطُّرّاء(2) المهاجرون عن موعد الله؟ سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها فإنّه، قال :} لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ{ (3) والله مُظهِرُ دينه ومعِزّ ناصرَه ومُولٍ أهَله مواريث الأُمم..." (4).
ويدخل تحت عنوان هذه الخطب وصايا الحرب والقتال التي كان يشيّع بها الرسول وخلفاؤه وأمراء المسلمين جندهم وهم يخرجون إلى القتال ومثال ذلك ما رواه البيهقيّ والقاضي عبدالجبّار بن احمد في أماليه عن صفوان بن عسّال قال رسول الله " سيروا بسم الله واغزوا في سبيل الله وقاتلوا أعداء الله ولا تغُلٌّوا ولا تغدروا ولا تُنفِّروا ولا تمثّلوا ولا تُقتِّلوا وليداً وليمسح أحدكم إذا كان مسافراً على خُفيِّة إذا أدخلهما طاهرتين ثلاثةََ أيّام ولياليهنَّ و إن كان مقيماً فيوماً وليلةً" (1).رواه البيهقيّ.
ومارواه مالك عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنّه قال :
 " ستجدون قوماً زعموا أنَّهم حَبَسُوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسُوا أنفسهم له ولاتقتُلُنّ امرأةً ولا صبيّاً ولا كبيراً هَرِماً" (2)
ما رواه مالك كذلك عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنّه قال :
"لا تقتُلوا هَرِماً ولا امرأةً ولا وليداً وتوقَّوا قَتْلَهم إذا التقى الزَّحْفان، وعند شَنِّ الغارات"
(3)خُطَب المحافل والوفود
 وهذا الضرب من الخطب أيضاً قد عرفه الجاهليُّون ومارسه كبارهم وذوو الحكمة والشأن منهم، وتقدَّمت الإشارة إليه ولكنّه اتخذ في الإسلام مظهراً دينيّاً واصطبغ بقيم الدّين الجديد ومعانيه السامية حيث كانت وفود القبائل تأتي رسول الله r تعلن بين يديه دخولها في الإسلام، فكان يقوم أحد رجال الوفد خطيباً بلسان قومه يعلن خلال كلمته مبايعته رسولَ الله r وكانوا يأخذون لأنفسهم فيقف منهم في غضون ذلك خطيب بلسانهم سائلاً ومجيباً .
ومثاله وفد بني فِزارة الذين جاؤوا رسول الله r مسلمين فسألهم عليه الصلاة والسلام عن بلادهم فقال رجل منهم :
يا رسولُ الله أسنَتتْ بلادنا وهلكت مواشينا وأَجْدب جنابُنا وجاعت عيالنا فادع لنا ربّك يُغِثْنا واشفع لنا إلى ربّك وليشفع لنا ربُّك إليك.
فقال عليه الصلاة والسلام :
" سبحان الله ويلك هذا أنا أشفع إلى ربيّ فمن ذا الذي يشفع ربنّا إليه ! لا إله إلاّ هو العليُّ العظيم وسع كرسيُّه السماوات والأرض فهي تئطُّ من عظمته وجلاله كما يئطُّ الرَّحْل الحديث "
----------------------------------------------
(1) نور اليقين.
(2) النُّجعة: القصد والطلب. (3) الطُّرّاء:الغرباء.   (4) التوبة آية 33، آية 28، الصف: آية9.
(5) تاريخ الطبري2/588. (6) رواه البيهقيّ.  7) رواه مالك.


 
ثمّ صعد عليه الصلاة والسلام المنبر ودعا الله عزّ وجلّ حتى أغاث بلاد هذا الوفد بالمطر الغزير والرحمة التامّة.
ثمّ أخذ هذا اللّون من الخُطَب فيما بعد صفةً رسميَّة حيث كانت وفود القبائل والأقوام تأتي خلفاء المسلمين فيقوم منها خطباء بألسنتها يعلنون في خطبهم بين أولئك الخلفاء ولاء أقوامهم وتأييدَهم لهم.
4- خُطَب المنافرات والمفاخرات:
كان هذا الضرب من الخُطَب معروف قبل الإسلام ولكنّه كان مصطبغاً بصبغة الجاهليَّّة الأولى روحاً وفكراً وعاطفة ورُبّما كانت الضغائن والأحقاد بعض حوافزه وكذلك العصبيّة والاعتداد بالأنساب والمنزلة الاجتماعية والسياسيّة فلمّا جاء الإسلام غيّر اتجاهه عمّا كان عليه فجعله يجري في مضمار قيم الإسلام وأخلاقه واتجاهاته وقلّص من حجم دائرته وضيّق نطاقه وأذابه في بُوتقة خُطب الوفود.
ومن أوضح أمثلته قدومُ وفد بني تميم على رسول الله rوجاء في تفصيل قصّته:
لمّا دخل وفد بني تميم المسجد نادوا رسول الله r من وراء حُجراته( أن اخرج إلينا يا محمد ) فآذى ذلك رسول الله rمن صياحهم فخرج إليهم فقالوا : يا محمد،جئناك نفاخرك فأذنْ لشاعرنا وخطيبنا قال : " قد أذنت لخطيبكم فليقل" فقام عطارد بن حاجب فقال:
" الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنّ وهو أهله الذي جعلتا اعزّ أهل المشرق وأكثره عدداً وأيسره عدّةً فمن مثلنا في الناس ؟ وإنّا نعرف بذلك أقول هذه لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا " . (1) نور اليقين.
ثمّ جلس فقال رسول الله rلثابت بن قيس بن الشمّاس أخي بني الحارث بن الخزرج: " قم فأجب الرًّجل في خطبته" فقام ثابت ، فقال :
 " الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه قضى فيهنّ أمره ووسع كرسيّه علمه ولم يك شيء قطّ إلاّ من فضله ثمّ كان من قدراته أن جعلنا ملوكاً واصطفى من خير خلقه رسولاً أكرمه نسباً وأصدقه حديثاً وأفضله حسباً فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثمّ دعا النّاس إلى الإيمان به فأمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس حسباً وأحسن النّاس وجوهاً وخير الناس فَعَالاً . ثمً كان أوّل الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبداً ، وكان قتله علينا يسيراً. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات . والسلام عليكم " (1) تهذيب سيرة ابن هشام 238.الخُطَب السياسية.
بدأ هذا الضَّرْب من الخُطب إِثْر وفاة النبيّ rوقيام الخلافة الإسلامية ويمكننا عدٌّ الخطب التي أُلقيت في سقيفة بني ساعده باكورة الخُطَب السياسيّة لتناولها موضوع الحكم والخلافة وولاية أمر المسلمين .
ثمّ بدأت صفتُه الرسميّة من حين تولِّي سيِّدنا أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه منصب الخلافة حيث قام فركب المنبر ثمّ خطب الناسَ يبيّن لهم سيرته في الحكم وخطتّه في سياستهم فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
 "أيّها الناس قد وُلّيّت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فقوّموني الصِّدْق أمانة والكذب خيانة، والضّعيف فيكم قويُّ عندي حتى آخذ له حقّه والقويُّ عندي ضعيف حتى آخذ منه الحقّ إن شاء الله تعالى ،لا يدع احد منكم الجهاد فإنّه لا يدعه قوم إلاّ ضربهم الله بالذلِّ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله " (1) الكامل لابن الأثير ج 2.
ثمّ توالت الخُطَب السيّاسية يٌلقيها خلفاء المسلمين، يبيِّنون للناس طرائق حكمهم ومسار سياستهم وكان الخليفة يلتقي رعيّته عبر الخطبة السياسيّة يُبلِّغهم فيها مقرَّرات حكومته وأسلوبه في معالجة المستجدّات والأمور الطارئة.
وكانت الخطبة السياسية بعمومٍ مطبوعة – في ذلك العصر- بالطابع الدينيِّ حيث كانت المعانيّ الدينيّة وروح الإسلام العظيم تجري في أنفاسها. ثمّ تشعَّبت اتجاهات الخطبة السياسية منذ مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وازدادت حدّة هذا التشعًّب عند ما قتل عثمان رضي الله عنه وظهرت فرقة الخوارج ودبّ التناحر بينها وبين الاتجاهات الأخرى عندها اخذ الطابع السياسيّ يغلب على هذا الضرب الخطابيّ ويتباعد عنه الطابع الدينيّ تدريجياً تبعاً لاشتداد حدّة الصراع وتزايد عدد الاتجاهات وتفاقم النزاع على الخلافة.
6- خطبة النكاح :
تقدَّم معنا في فصل سابق أنَّ العرب قبل الإسلام مارسوا هذا الضَّرْب من الخُطب فكان يتقدَّم من طرف الرجل الخاطب واحد من أهله فيلقي خطبة يطلب فيها يد المرأة ثم يقوم من جانب أهل المرأة مجيب له قَبُولاً أو ردّاً. ولم يَطْرأ أيُّ تغيير على نمط خطبة النكاح في الإسلام عمّا كانت عليه في الجاهليّة إلاّ أنَّ الإسلام أضفى عليها من هدية في الذكر والدعاء وروحه الطاهرة. وبقيت كما كانت من قبل يؤدّيها الخطباء وهم قعود ويطيل الخاطب الطالب ويقصر المجيب ،وتذكر فيها صفات الرجل الخطيب والفتاة المخطوب وخصال قَوْمَيهما. وسوف يأتي تفصيل الحديث عنها في فصل " أنواع الخُطب الإسلامية"
أشهر خطباء الإسلام في الصدر الأول بعدد كبير من الخطباء المفوَّهين وكان على رأسهم بلا منازع سيّدهم وإمامهم صاحب اللِّسان الساطع ،والبيان اللامع واللّّهجة الصادقة ، والحجّة القاطعة والصوت المؤثّر والفصاحة السامية والبلاغة العالية أفصح العرب وأبلغ من خطب أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد r الذي وصفه الله تعالى بقوله:
}وإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ { البيان في لسان الإنسان من القيم الأخلاقيَّة التي يتمتَّع بها في حياته، فإذا كان فصيحاً بليغاً متكلّماً مؤثِّراً، حاز صفة أخلاقيَّة كريمة يكون له بها فخر واعتزاز، ويستحقّ عليه المدح والثناء .
وإذا كان رسول الله r بشهادة القرآن والواقع :} لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ{(1) فيعني ذلك أنّ جميع المعاني الأخلاقيَّة السّامية تجمّعت في ذات رسول الله عليه الصلاة والسلام وكانت صفاتٍ بارزةً في سلوكه فيبنى على ذلك أنّ خلق البيان عنده في أرفع مستوياته وهذه حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش. لهذا قال عن نفسه : " أنا أفصح العرب بيد لأني من قريش " (2)
 وقال : " أوتيت جوامع الكلِم " (3)
ويكفينا أن نعلم أنّ قومه وهم أرباب الفصاحة والبيان كانوا يتطامنون أمام كلماته ويخضعون لها أسماعهم ويحسّون بما اتصف به رسول الله r من قوَّة اللسان وروعة البيان فكان أصحابه الكرام يقولون عنه إذا خطب:"كان إذا خطب الناسَ ، احمّرت عيناه ورفع صوته واشتّد غضبه كأنَّه منذر جيش ". ويقولون عن تأثير مواعظه الشريفة: " وعظنا رسول الله rموعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون...... " .
ويأتي بعد رسول الله rالخلفاء الأربعة فقد حازوا قصب السبق في قوّة خطابتهم وروعة بلاغتهم وذكروا أنَّ عليَّ بن أبي طالب كان أخطبهم. وكان ثابت بن قيس بن الشمَّاس الأنصاري خطيب رسول الله الذي لا يُجارى، وقد تقدّم معنا ردّه على عُطارِد بن زُرارة التميميّ . ومن خطباء الصحابة أيضاً : عبدالرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وعبدالله ابن مسعود وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن الربيع، وسعد بن عبادة والحُباب بن المنذر وأبو عمرة الخطيب. ومن خطباء القوّاد : خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقّاص والمغيرة بن شعبة ورِبْعيّ بن عامر. هناك عدد كبير من الخطباء الذين أفرزتهم الدعوة الِإسلامية، قد تضيق صفحات هذا الكتاب عن حصرهم والحديث عن خطابتهم .
ويجب ألاّ ننسى انّه ظهر في نساء المسلمين عدد من الخطيبات اللّواتي لانت لهنّ قناة الكلام وبرعن في الخطبة المؤثِّرة والكلمة المعبِّرة وعلى رأسهن الصدّيقة بنت الصدّيق أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنه.
الخطابة بعد عصر الخلافة الراشدة وإلى مشارف العصر الحديث:
إذا تجاورنا عصر الخلافة الراشدة، وعبرنا رحاب العصر الأموي فالعباسيّ فما بعدهما من العهود حتى وصلنا إلى مشارف العصر الحديث، فسوف نجد أنّ الفن الخطابيِّ قد مرِّ بأطوار عديدة، وخضع لكثير من المؤثرات الفكريّة والسياسية والاتجاهات الدنية والثقافية التي ظهرت عبر تلك العهود .فبعد مقتل عثمان بن عفّان رضي الله عنه، اشتد النزاع بين
--------------------------------------------------
1) القلم : آية 4. 
2) ذكره القاضي عياض في " الشفاء" وذكره السيوطيّ" في " اللآليء المصنوعة.....)   وقال معناه صحيح ولا أصل له .ط
3) رواه احمد


 
المسلمين، ومرج أمرهم، وبدأ ظهور الفرق السياسية كالخوارج والشيعة ، ودبّ الصراع حول الخلافة بين هذه الفرق،وقامت في غضون ذلك الثورات ضدّ الأمويين كثورة ابن الزبير في الحجاز، وثورة الشيعة في الكوفة، وثورة الخوارج في العراق وخاصّة الأزارفة الذين كانوا من أعنف فرقهم.
وثورة ابن الأشعث، وثورة ابن المهلب. وجرت عمليّات إخماد تلك الثورات والقضاء عليها عبر معارك طاحنة ذهب ضحيّتها عدد كبير من الناس.وفي أتون هذه الصراعات والاضطرابات السياسيّة نشطت الخطبة السياسية نشاطاً كبيراً، واتسع نطاقها على صعيد
 
-----------------------------------------------------
-النّجْعة:القصد والطلب.وقولهم:انتجع المكان،أي:قصد هو تحوّل إليه
2-الاعتساف:سار على غير هدى
3-اجتبذ:بمعنى اجتذب
4-اكتظم: المبالغة من كظم،أي:حبس نفسه ومنعها من الغضب
5-وقَّس: الوقس:انتشار الجرب بالبدن،والمعنى هنا:لم يخدش ولم يعب
6-قراع المناقير:المنقارحديدة كالفأس يُنقر بها . والصفاة الصخر الملساء.
7-القضم:أكل الشيء اليابس،وكسر الشيء بأطر
 


 الخلفاء وقُوادّ الثورات وخطباء الفرق المتناحرة، وبرز من هؤلاء خطباء مفوّهون أثرت خطبهم الرائعة معين التراث الخطابيّ. نذكر منها على سبيل المثال أبا حمزة الشاريّ الخارجيّ في خطبته التي ألقاها على الناس بالمدينة المنورة،فقال فيها:
(أوصيكم بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتابه وسنِّة نبيه rوصلة الرحم، وتعظيم ما صغت الجبابرة من حقّ الله، وتصغير ما عظّمت من الباطل ، وإماتة ما أحيوا من الجور وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله ويعصى العباد في طاعته، فالطاعة لله ولأهل طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه والقسم بالسوية والعدل في الرعية ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها. وإنّا والله، ما خرجنا أشراً ولا بطراً ولا لهواً ولا لعباً، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأرٍ قد نيل منّا، ولكن لمّا رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجور قد ظهرت، وكثر الإدّعاء في الدِّين، وعمل بالهوى وعُطلت الأحكام ، وقتل القائم بالقسط وعُنّف القائل بالحقّ، وسمعنا منادياً ينادي إلى الحقِّ وإلى طريق مستقيم ،فأجبنا داعي الله، فأقبلنا من قبائل شتيّ قليلين مستضعفين في الأرض،فآوانا الله وأيّدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخواناً، وعلى الدِّين أعواناً)(1).
ونذكر منهم الحجّاج بن يوسف الثقفيّ في خُطبة التي خطبها في أهل العراق، ومنها خطبته التي ألقاها في مسجد الكوفة عند ما دخل العراق والياً عليه فصعد المنبر وهو ملثّم بعمامة حمراء، ثمّ كشف عن وجهه، فألقى على الناس خطبة سياسية بليغة، قال فيها:
أمّا والله إنّي لأحمل الشرّ بحمله، وأخذوه بنعله، وأجزيه بمثله،وإنّي لأرى رؤوساَ قد أينعت وحان قطافها، وإنّي لصاحبها، وإنيّ لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللّحى تترقرق:
 قد شمرت عن ساقها فشمري. ثم قال:


"إنيّ والله يا أهل العراق ، ومعدن الشّقاق والنّفاق، ومساوي الأخلاق، لايغمز جانبي كتغماز التيّن(1)، ولا يقعقع لي بالشِّنان(2)، ولقد فٌررت(3) عن ذكاء، وفُتّشت عن تجربة، وأجريت إلى الغاية القصوى، وإنّ أمير المؤمنين نثر كنانته بين يديه، ثمّ عجم(4) عيدانها فوجدني أمرَّها عوداً وأشدها مكسراً، فوجّهني إليكم، ورماكم بي.فإنّه قد طالما أوضعتم في الفتن، وسننتم سنن الغيّ، وايم الله لألحونكم لحو(5) العصا، ولأفرعنّكم قرع المروءة(6) ولأعصبنّكم عصب السليمة(7) ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. أما والله لاأعد إلاّ وفّيت، ولا أخلق إلاّ فريت(9).......)
 
(1)العقد الفريد 4/144-145
(1)غمز التين: جسّه ليعرف أناضج هو أم فِجُّ
(2)لايقعقع لي بالشّنان:أي : لاأخدع ولا أروع.
(3)فٌرّ فلان: جُرّب واختبر.
(4)عجم عيدانها:اختبرها ليعلم صلابتها
(5)لحا العصا لحْواً: قشرها.
(6) قرعه قرع المروءة: أنزل به البلاء.
(7)أي:لأجمعنكم ثمّ أضربكم ضرب الحجارة.
 (8)غرائب الإبل:جمع غريبة: النائية عن وطنها غير المأنوسة.
(9)أخلق:أقدر.أفري: أقطع.  
 (10)العقد الفريد4/120-121  
 


وعبرت الخطبة السياسيّة عهود بني أمية حيث خاضت غمار الصّراعات حول الخلافة، ودخلت آفاق العباسين الذين أقبل عليها خلفاؤهم يتوعدون بها المخالفين، ويتهدّدون المناوئين.ونذكر هنا مثلاً على ذلك خطبة المنصور التي ألقاها بعد قتل أبي مسلم، فقال فيها:
( أيُّها الناس:لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحش المعصية، ولاتُسرُّوا غِش الأئمة،فإنّه لم يسرّ أحد قطُّ منكره إلاّ ظهرت في آثار يده، أو فلتات لسانه، وأبدها الله لإمامه، لإعزاز دينه وإعلاء حقّه.إنّا لن نبخسكم حقوقكم، ولن نبخس الدّين حقّه.إنّ من نازعنا عروة هذا القميص أجززناه خبئ هذا الغمد. وإنّ أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لنا على أنّ من نكث فقد أباح دمه ثمّ نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره، ولم تمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحقّ عليه....)
وظلّت الخطبة السياسيّة وسيلة ناجحة بألسنة سلاطين المسلمين وخلفائهم لتوطيد ملكهم، وتحميس جندهم، وردع خصومهم، وإرجاف أعدائهم. كما ظلّت وسيلة الفرق السياسية دعاية لها وبثاً لآرائها وتهديداً لأعدائها.ومع ظهور الفرق الدينّية وصراعاتها كالشيعة والخوارج والفرق الكلامية كالمرجئة والقدرية والجهمية والمعتزلة ازدهرت خطب المنافرات والمناظرات، حيث كانت تدور صراعات فكرية ومحاورات جدليّة بين تلك الفرق فينهض من هذه خطباء ومن تلك خطباء ينتصرون لآرائهم، ويردُّون على خصومهم. وقد احتفظ لنا تراثنا الخطابيّ بنماذج رائعة من تلك الخطب. وأما الخُطب الدينية بأنواعها المختلفة وخاصّة الوعظيّة منها، فبقيت على نشاطها وقوّتها حيث كان الخلفاء والعلماء ودعاة الفرق الدينية يمارسونها ويستكثرون منها في المساجد والمحافل ولقد حفظ لنا تراثنا الخطابيّ طائفة كبيرة من غُرر الخُطب الوعظية كخطبة قطريّ بن الفجاءة في ذمّ الدنيا، وخطب الحسن البصري، وخُطب عمر بن عبد العزيز، وخطب سائر خلفاء بني أمية وبني العباس وخطب شبيب بن شيبة والفضل بن عيسى وخالد بن صفوان والربيع بن خُثيم وغيرهم.


 ومن خطب أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في ذلك قوله:
(إنَّ لكل سفر زاداً لا محالة ، فتزودوا من دنياكم لآخرتكم التّقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه وعقابه، فترهبوا وترغبوا، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم وتنقادوا لعدوكم،فإنّه، والله ، ما بسط أمل من لايدري لعلَه لايصبح بعد إمسائه،أو يمسي بعد إصباحه وربمّا كانت بين ذلك خطوات المنايا وإنّما يطمئن إلى الدنيا من أمن عواقبها، فإنّ من يداوي من الدنيا كلما أصابت جراحه من ناحية أُخرى ، فكيف يطمئن إليها ، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفتي، وتظهر عليتي وتبدو مسكنتي في يومٍ لا ينفع فيه إلاّ الحقُّ والصدق) ثمّ بكى وبكى الناس معه(1) العقد الفريد4/92
وفي ظلّ الفتوح وخوض الحروب ضدّ مواجهة الجيوش الغازية التي اقتحمت على المسلمين أسوار بلادهم ازدهرت خطب الجهاد التي اهتزت بها حناجر الخلفاء والقوّاد وأئمّة المسلمين وعلمائهم في المساجد والمشاهد ومواطن البأس، وفي تراثنا الخطابيّ عدد وفير من هذه الخطب التي كانت تلقى على الناس إثارة لحماستهم ضدّ الأعداء وحضّهم على مواجهتهم بقلوب لاتهاب الموت وعزائم صادقة لا تعرف الضعف ونفوس أبيّة ترفض الذلّ والهزيمة.وقد ذكر عن صلاح الدين الأيوبيّ رحمه الله تعالى ، أنّه كان يصطحب معه في حروبه منبراً متنقلاً، يخطب عليه يحضّ جنوده على القتال والثبات في ميادين الجهاد في سبيل الله عزّ وجل.وأمّا
عن خطب الجمعة والأعياد فقد استمرّ خلفاء المسلمين يعتلون منابرها ويؤمون الناس بصلاتها إلى عهد الخليفة الراضي، حيث عهد بالخطبة والإمامة بعد ذلك إلى كبار علماء المسلمين وأئمة دينهم فاشتهر بعضهم بالخطابة، ولّقبوا بها كالخطيب التبريزي. وذكر لنا التاريخ عبر تلك العهود ظهور أٌسر عرفت بخطبائها النابعين الذين امتطوا صهوات البيان، وجاءوا بأطيب ثمار اللّسان.
 


واشتهر من تلك الأسر:
1-آل رقبة: وكان من أخطبهم مصقلة بن كرب بن رقبة بل كان أخطب الناس زمن الحجاج.
2-آل الأهتم: وفي ذروة خطبائهم خالد بن صفوان، وشبيب بن شيبة.
3-آل العاص: ومن أشهر خطبائهم عمرو بن سعيد الأشدق، وابنه سعيد بن عمرو
4-الرّقاشيّون: ومن كبار خطبائهم يزيد بن أبان الرقاشيّ، وابن أخيه الفضل بن عيسى
 ومن الأسر التي توارثت منصب الخطابة في أواخر تلك العهود أسرة ابن دقيق العيد.
ونذكر أنّه ظهر في تلك الحقبة الزمنية المديدة من نوابغ الخطباء المبدعين من استطاع أن يجمع بين نوعين من الخطب في خطبة واحدة كالجمع بين التعزية والتهنئة، ومن هؤلاء الخطباء عبدالله بن همام السلوليّ الذي عزّى يزيد بن معاوية في أبيه وهنّأه بالخلافة في خطبة واحدة قال فيها:
(يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزيّة وبارك لك في العطيّة وأعانك على الرعية فلقد رزئت عظيماً وأعطيت جسيماً فاشكر الله على ما أعطيت واصبر على ما رزئت، فقد فقدت خليفة الله ومنحت خلافة الله ففارقت جليلاً ووهبت جزيلا إذْ قضى معاوية نحبه فغفر الله ذنبه ووُليت الرياسة فأعطيت السياسة فأوردك الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور.......)(1) زهر الآداب1/91.
وتابعت الخطابة العربيّة سيرها في مدارج القوّة والازدهار إلى أن ضعفت ألسنة الناس بالعربية ، وأصاب العيُّ ألسنة خلفائهم، وضعف مركز الخليفة ، وأخذ الوهن ينتاب سائر الأنواع الخطابيّة لفظاً ومضموناً، وصار خطباء المساجد يجترون خُطب أسلافهم، وقام بعضهم بجمع خطب تضمنت معاني خطب السابقين بتسجيع متكلف كابن نباته المصريّ. وظلّت الخطبة أسيرة الضّعف والتكلف إلى أن بلغت مشارف العصر الحديث.
ولا ريب في أن الخطبة العربية خضعت خلال هذه الحقبة التاريخية لتطوّر ظاهر في أسلوبها ومضمونها وخصائصها الفنية. وقد قام علماء اللُّغة ونقاد الأدب العربي بدراسة مظاهر هذا التطور ومن الكتب البارزة في هذا الموضوع كتاب"الخطابة العربيّة في عصرها الذهبيّ" تأليف الدكتور إحسان النصّ.وليس كتابنا هذا دراسة أخرى لمظاهر هذا التطور وإنّما هو شرح لخصائص الخطبة الدينية من الناحية العمليّة وتوجيه للخطيب إلى ما ينبغي أن يتحلى به من صفات ويتجمّل به من خصال تضمن لخطبته التوفيق والنجاح.
لهذا نكتفي بهذه الجولة الخاطفة في التعرف على مراحل تطور الخطبة العربية وازدهارها من عهدها ما بعد الخلافة الراشدة إلى العصر الحديث. 
الخطابة في العصر الحديث.
إذا رجعنا رحاب العصر الحديث ، فسوف نجد الخطابة قد خضعت لمؤثرات هذا العصر، واستجابت لعوامل التطور فيه وحدث فيها نقلة نوعية عمّا كانت عليه من قبل ويمكننا إجمال القول في ذلك بما يأتي:
طرأ تغيير واضح على الأنواع الخطابية في ظل مؤثرات العصر الحديث، فانتاب الاضمحلال والذبول بعض هذه الأنواع وتجرّد بعض آخر من صبغته التي كان عليها قبل ذلك وتجلّت مظاهر التطوير في قسم ثالث بصورة واضحة.
فقد تضاءل حجم خطب الجهاد والحضّ على القتال وذابت في جوف الخطب السياسية وقامت القرارات العسكرية البلاغات القتالية مقامها، ولم يعد لها وجود على نحو ما كانت عليه في العصور الماضية.
وحدث في الخطب السياسيّة تحويلُ شبهُ جذريِّ من حيث أٌسلوبها ومضمونها واتجاهاتها وصبغتها : فقد سادتها المصطلحات السياسيَّة المعاصرة، ووهنت لغتها، وانحسرت عنها الصبغة الدينيَّة كما انحسرت عن خُطَب القتال ومالت إلى التطويل.
وأما خُطب المنافرات والمفاخرات، فقد اقتصرت على الأحزاب السياسيَّة وبعض الاتجاهات الفكريَّة، فراجت سوقها في أوساط أهل الفكر والسياسة عبر معتركات الدفاع والدعاية ، ولم تتجاوز حدودها الضيَّقة خلافاً لما كانت عليه في العصور السابقة.
وكذلك خُطَب التهنئة والتعزية، فإنّها بقيت في مسالكها المعروفة من حيث اتجاهها وخطوطها العريضة، إلاً أنَّها اكتسبت إلى جانب ذلك صفات جديدة منها الصفة الجماهيريَّة ،فقد كان الخطيب في الماضي يتوجّه بتهنئته أو تعزيته لصاحب الشأن في ذلك أكان ملكاً من الملوك أم عظيماً من العظماء وأمّا في هذا العصر فقد أقيمت لها المنابر واجتمع لها الناس وحشد لها الخطباء،وخاصّةً خُطَبَ التعزية فإذا مات عظيم من عظماء الناس أو عالم من عالم من علمائهم،أُقيم له حَفْل تأبين في مجتمع كبير وراح الخطباء يتعاورون اعتلاء منصَّة الخطابة، كلُ يتناول جانباً من خصال تلك الشخصَّية الراحلة، فيتحدَّث عنها ، ويذكر بعض آثارها وأعمالها، ويقدّم خلال كلمته عزاءه لذوي تلك الشخصيَّة الراحلة وللناس جميعاً، ويخلِّل خطبته الموعظة والإرشاد حسب ما يستدعيه المقام.
وأمّا خطبة النكاح فلم تبقَ على صورتها المعهودة، وهي أن ينهض من جانب أهل الرجل خطيب طالب ومن جانب أهل المرأة خطيب مجيب بالقبول أو الرفض، وإنِّما أصبحت تلقى بعد القبول في حشد من المحتفلين آخذة صفة التهنئة للأُسرتَيْن المتصاهرتين. ويتعرَّض الخطيب أثناء خطبته لذكر صفات العروسين ومناقبهما وخصال أسرتيهما ، ويجعل خطبته تدور حول موضوع معين يختاره لتلك المناسبة كحقوق الزوجين، وضرورة الزواج، وتربية الأولاد، والكسب الحلال، وغير ذلك من المواضيع المناسب طرحها في هذا المقام.
وأمّا الخُطب الدينَّية، فلقد غدت المجال الرّحْب الذي انساب فيه الفنّ الخطَابيُّ وتجلَّت فيه مظاهر الِإبداع والابتكار والتطوُّر والازدهار أكثر من غيره في حَقْل الأنواع الخطابيَّة ويرجع ذلك إلى عدَّة عوامل ومن أهمِّها:
أولاً:احتلالها مركزاًُ مقدساً في الدِّين الإِسلاميِّ الحنيف حيث بات احدَ مشاعره العباديَّة في أيَّام الجُمَع والأعياد والحجِّ فأكسبَها ذلك قوَّةً ونشاطاً واستمراراً وذيوعاً نظراً لاصطباغ الِإسلام بهذه الظواهر، حيث غدا أوسع الأديان انتشاراً وأكثرها أتباعاً، إذ بلغ عدد المسلمين في هذا العصرـ كما يذكر أحدث الإحصائيّات السًّكانيَّة- ملياراً وأربعمائة مليون مسلم،أيّ أكثر من خُمس سُكَّان الكرة الأرضيَّة.
ثانياً: نشاط حركة تبليغ الإسلام، وانتشار أداته في مختلف بلاد العالم، حيث باتت الخطابة وسيلة التبليغ الواسعة التي استعملها أولئك الدعاة لتوضيح حقائق الإسلام وتبيين معالمه الفذّة للناس عبر محافلهم وتجمّعاتهم ومراكز الدعوة الإسلامية المبثوثة في بلاد الشرق والغرب التي لا تفتر فيها الخطبة الإسلاميَّة عن الصدع في آفاق المستمعين إليها تذكيراً وتعليماً.
ثالثاً:المناسبات الدينيّة وذكريات الإسلام التي تنعقد لها احتفالات كبيرة في المساجد والمراكز الإسلامية والمحافل العامَّة والخاصَّة كذكرى المولد الشريف، والإسراء والمعراج، والهجرة النبويَّة الشريفة واللَّيالي المباركات كلَيْلَتَي النِّصف من شعبان والقَدْر حيث تنشط فيها الخطبة الدينَّية نشاطاً ملحوظاً ، فيتعاور اعتلاءَ منبرها في الاحتفال الواحد عدد من الخُطباء الإسلاميِّين، وتبرز خلال ذلك براعتهم الخطابيّة ويستمع الجمهور المحتفل إلى روائع الخُطب ذات الفكر المتوقِّد والعاطفة المتأجِّجة والتأثير العميق. ولقد قدّمت منابر الدعوة الإسلاميَّة في زماننا هذا نماذج فريدة من الخطباء الدعاة الذين ذاع سيطهُم في الآفاق، وأضحَوا منارات تضيء في عالم الفنّ الخطابيّ،فيهتدي بها السائرون في هذا المجال، ويجدونها مثلاً يُحتذى. وتمتّع هؤلاء الخطباء الأفذاذ بصفات متنوِّعة ميَّزت بعضهم من بعض، فمنهم من امتاز بفصاحة اللِّّسان وروعة البيان وجمال اللُّغة وعنايته الفائقة بآدابها واهتمامه الكبير بنكتها ولطائفها حتى أصبح قبلة عُشَّاق العربية ومقصد رُوَّاد الفصاحة اللُّغويَّة.
 ومنهم من امتاز بعمق الأفكار وغزارة المعاني وقُوَّة الحُجَّة والبرهان والقدرة على الإقناع فمالت إليه عقول الناس واستجابت لخطبته أذهانهم ومنهم من أُوتي قُدرة على تأجيج العواطف وتحريك المشاعر وإزكاء الحماسة والتأثير في القلوب، فأقبلت عليه العامّة وتأثرت به الخاصة.
 وفي الجملة نقول:
لقد ازدهرت الخطبة الإسلامية في هذا العصر الحديث، وتألقت في سماء الفنِّ الخطابيّ،واحتلت منزلة مرموقة في حقل الخطابة الإنسانيّة.
مقدِّمة لغويَّة[8]
قبل الشروع في الحديث عن( الخُطبة والخطيب) نودُّ أن نتعرَّف المعنى اللُّغوي لمادّة(خَطََبَ) ومشتقّاتها.
إذا رجعنا إلى معاجم اللُّغة العربيَّة وقواميسها فسنجد أنَّ مادّة (خَطَبَ) تدلّ على معنَييْن أصليين هما: الطََّلَب، والمواجهة بالكلام.
 فأمّا دلالتها على الطلب:
 فقد جاء في " أساس البلاغة"للزمخشريّ:من المجاز:فلان يخطُب عمل كذا: يطلُبه.


وأمَّا دلالتها على المواجهة بالكلام:
فقد جاء في"أساس البلاغة"أيضاً: خاطبَه أحسن الخطاب، وهو المواجهة بالكلام.
وجاء في "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهانيّ: الخَطْب والمخاطبة والتخاطُب: المراجعة في الكلام.
والخَطْب الأمر العظيم الذي يكثُر فيه التخاطب،قال تعالي:
"قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ"(1) وقال}قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّّهَا الْمُرْسَلُونَ(
ومن خلال هذين المعنيَيْن اللِّذين دّلّت عليهما مادّة (خَطَبَ)نفهم ما يلي:
أنَّ (الخَطابة): مصدر على وزن(فَعًالة)نحو: كَرامة ونَباهة: معناه القيام بفعل المواجهة بالكلام مع طلب الإصغاء. وأنّ(الخُطْْبَة): اسم للكلام الذي يتكلَّم به الخطيب، فهي الألفاظ المنثورة التي يواجه بها المتكلّم جمهوراً من الناس. وتُسمّى أيضاً (خِطاباً) فنقول :ألقى فلانُ خُطْبةً وخِطاباُ.
وأنَّ( الخطيب) : هو الذي يقوم بفعل الخطابة ، ويُحسن الخُطبة فقد جاء في "القاموس المحيط": ورجل خطيب: حسن الخُطبة.
وجاء في "المفردات" للراغب الأصفهانيّ:ويُقال من الخُطبة خاطب وخطيب.
هذا العلم
من خلال المقدِّمة اللُّغويَّة السابقة نستطيع أن نجعل كلمة (خَطابة) عَلَماً على عِلْمٍ فنقول:
الخطابة: هي علم معرفةِ طُرُق أداء الكلام ونقلِ الأفكار إلى عقول السامعين وأحاسيسهم بصورة مخصوصة وصفات معينة مع قصد التأثير والإقناع.
وينقسم هذا العلم إلى قسمين، هما الخطبة والخطيب.
ونودّ في الفصول الآتية أن نتحدث عن هذين القسمين بصورة مفصّلة مع بيان خصائص كلِّ منهما.
الخطبة
ننطلق في الحديث عن الخطبة من تعريفها، وهو أسلوب تقليدي عهدناه في دراسة كل علم، لأنّه باب الدخول إلى رحابه وبداية الانطلاق إلى أصوله وفروعه ومسائله وشعبه. وإذا كان التعريف يقتضي ذكر الشيء بخواصه الميزة وصفاته المحدّدة بحيث لا يدخل معه غيره يمكننا أن نعرف الخطبة بما يلي:
هي كلام منثور يمتاز بوقدة العاطفة، ورجاحة الفكر وسموّ المعاني، وحسن السّبك، وروعة البيان، وصدق اللّهجة، وجمال النطق وعمق التأثير وقوّة الحجة يتوجه به المتكلم إلى الجمهور المستمع له قاصداً إقناعه بقوله واستمالته إليه. 
أقسام الخطبة
تنقسم الخطبة من حيث هيكلها إلى ثلاثة أقسام مرتبةِ كما يأتي:
المقدّمة— الموضوع ـ الخاتمة.
ولابدّ من الاستفاضة في الحديث عن هذه الأقسام ليتحصّل منها إدراك كامل لهيكل الخطبة بتفاصيله.
(أ) المقدّمة
تعريفــــها
هي مدخل يمهد فيه الخطيب للأفكار التي سيعرضها في خطبته والمسائل التي سيعالجها خلال كلمته، ويتوخّى بها جلب انتباه السامعين إلى ما سيلقيه إليهم من تلك الأفكار والمعاني.
أثرها في نجاح الخطبة :
للمقدّمة دور فعال في تأمين النجاح المناسب لخطبة الخطيب. فإذا كانت محكمة النسج سامية المعنى قوية الإلقاء، كان أثرها كبيراً في تنبيه الجمهور والسيطرة على أذهان الناس ومشاعرهم، وإثارة اهتمامهم بالإصغاء إلى الموضوع المطروح عليهم.فلبراعة الاستهلال أثرها في تدعيم موقف الخطيب، وغرس الثقة في نفسه ليتابع طرح موضوع خطبته بكامل القوَّة والثبات، كما لها الأثر البالغ في تهيئة السامعين للإصغاء إليه وحسن إقبالهم عليه.وأما إذا أخفق الخطيب في استهلاله وكانت مقدّمة خطبته ضعيفة البيان فقيرة التأثير، فسوف يؤدّي به ذلك إلى اضطرابه وانصراف الأذهان عنه وضعف الإقبال عليه.
أنواعها
قد يستهل الخطيب خطبته بآية قرآنية مناسبة للموضوع تحرّك المشاعر وتؤثر في نفوس المستمعين، أو بحديث نبوي شريف ستميل القلوب ويستقطب العقول أو بحكمة مأثورة يتخذها الخطيب مطيّة للدخول في موضوعه،أو يذكر الفكرة التي يدور حولها موضوع خطبته، ويأتي بها موجزة مثيرة منبهة للعقول محركة للنفوس،أو يستهل خطبته بقصة قصيرة يدخل منها على فكرة موضوعة أو يذكر المناسبة التي أعد لها خطبته.
فيتّحصل لنا من ذلك أنّ المقدّمة تتنوّع إلى الأنواع الآتية:
1-نص قرآني ـ آية أو أكثر.
2-حديث نبويّ شريف.
3-حكمة مأثورة.
4- فكرة الموضوع بصورة موجزة.
5- قصة قصيرة مثيرة.
6- المناسبة.
(ب) الموضوع
    تعريفه
هو المادَّة التي يبني عليها المتكلِّم حديثه والأفكار التي يعالجها الخطيب في خطبته.
وسوف نُجمِل الحديث عنه في أربع نقاطٍ هي:
1- الاختبار:
يجب على الخطيب أن يُراعي عند اختيار موضوع خطبته أموراً ثلاثة هي:
(أ) المناسبة: للمناسبة أثر كبير في تحديد المنطلق الرئيسيّ لموضوع الخُطبة، لذا يجب على الخطيب أن يختار موضوع خطبته متّفقاً بفكرته مع المناسبة التي أعدَّ خطبته من أجلها. وهذا أدعى إلى تفاعل الجمهور المستمع مع تلك الخطبة وإقباله على الأفكار والمعاني التي تتضمَّنها، فيستجيب لها عقله ويتأثَّر بها شعوره.
وأمّا إذا تناول الخطيب موضوعاً لا يلتقي المناسبة التي اجتمع الناس لها، وينأى بفكرته عن أجوائها، فإنّه لا يترك التأثير المناسب في نفوس المستمعين إليه، ولا يفي الجمهور حاجته حيث أعدّ نفسه لسماع خطبة تجعله يعيش معاني المناسبة التي اجتمع من أجلها ولكنّه فُؤجىء بخُطبة أُخرى يدور موضوعها في غير فلك تلك المناسبة، وخاصّةً إذا كان الموضوع يقف من تلك المناسبة، على طرف نقيض، كأن يتحدّث الخطيب عن الموت في مناسبة نكاح. وكم من خطيب خالف في خطبته سبيل المناسبة التي اجتمع لها الناس، فعاد مادحه ذامّاً، ونفرت منه النُّفوس، وأعرضت عنه الأذهان، فلم يُرزَق مستمعاً ولم يحقّق منتفعاًُ .
(ب)الجمهور المستمع: ينبغي للخطيب حال انتخابه فكرة موضوع خطبته مراعاةُ الناس المستمعين إليه، فلا يصحُّ منه أن يطرُق موضوعاً لايناسب ثقافتهم، ولايتنا سب مع ظروف أحوالهم. فإذا خطب في جمهورٍ من عامّة الناس وبسطائهم، فليس من الحكمة أنْ يحدِّثهم عن النظريَّات العلميَّّة والقواعد الفلسفيَّة. وإذا مازج موضوع خطبته تلك الأفكار الفلسفيَّة والآراء التي تستعلي على عقول أولئك الناس، ويستعصى على أذهانهم فهمُ معانيها وإدراكُ مراميها، فسوف يُخفق في تحقيق النفع المناسب لهم وتأمين الفائدة المطلوبة لأمثالهم، بل تجدهم يتمنَّون انتهاء خطبته سريعاً لكي يريحوا عقولهم من عناء تفكيرٍ غير مجدٍ ويوفّر على أذهانهم تعبَها في فهم ما يصعب فهمه على أمثالهم .
والخطيب الناجح هو الذي يخاطب الناس بما يعقلونه، ويُحدّثهم بما يفهمونه ويسوق إليهم من الأفكار والمعاني ما يناسب تفكيرهم، ويلتقي مستوى ثقافتهم ومزاجاتهم وأحاسيسَهم وانفعالاتِهم.
(ج) الوقت: يجب على الخطيب أن يراعي الوقت المحدَّد لخطبته والمناسب لموضوعه، وخاصّة في المناسبة التي يتعاور فيها الصعودَ إلى منصَّة الخطابة خُطباء عدَّة،ّ إذْ ينبغي للخطيب حينئذٍ أن يراعي الوقت بدقَّة لكي يفسح المجال لغيره من الخطباء المعينّين، فيتجنَّب اختيار موضوع يفرض عليه التطويل، ولا يطرُق بحثاً لا يستطيع أن يؤدِّيه بتمامه في المدَّة المحددة له، وإنّما يختار موضوعاً يتناسب مع الوقت المخصَّص له لكي يؤديّه تامًّاً، وبذلك يتحققّ النفع للجمهور المستمع إليه. وأما إذا لم يختر الخطيب موضوعاً ينحصر إلقاؤه في الوقت المحدَّد له فسوف يقع في أحد أمرين : إمّا أن يهجم على وقت غيره ليتمكّن من إلقاء موضوعه تامّاً دون نقصان ،وإمّا أن يتقيَّد بالوقت المخصَّص له، فيضطرَّه ذلك إلى ترك بعض فِقَر موضوعه خطبته فيخرج ناقصاً مبتوراً لا يُؤتي أٌُكلَه في نفوس المستمعين ولا يُحققّ مقصوده في قلوبهم وعقولهم.


2- التحضير:
جدير بالخطيب أن يُعِدَّ موضوعه إعداداً كاملاً، ويُحضّر جميع أفكاره تحضيراً جيداً وذلك بالرجوع إلى بعض الكتب والتأليف التي تتحدَّث عن فكرة موضوعه وقراءة ما بحثه أهل العلم والفكر في ذلك لكي تُصبح لديه حصيلة جيّدة من الأفكار والمعلومات فيُمكنَّه ذلك من إلقاء موضوع خطبته بثقة تامة واطمئنان كامل. لأنّ الخطيب الذي يرتكز على قاعدة جيّدة من العلم والمعرفة والثقافة يتمكَّن من الوقوف على منصَّة الخطابة بقوَّة وثبات ويساعده ذلك على طول نفسه في خطبته مع اتزان عباراته وسداد فكرته.
 وأما إذا اقتصر على معارفه الذاتيّة فلم يستزد من المعارف والعلوم والأفكار ولم يرجع في تحضير موضوعه إلى مصادر ثرّة وموارد صافية، فسيخرج موضوعه ضئيل الفائدة هزيل المردود، لا يترك في نفوس السامعين أثراً حسناً ونفعاً مقصوداً.
يُضاف إلى ذلك أنّ تحضير الموضوع ينعكس أثره إيجابياً على نفوس السامعين الذين يشعرون بانَّ ثمَّة جُهداً بذله الخطيب في موضوعه، فيؤدّي ذلك إلى زيادة ثقتهم به واحترامهم له.
وسوف تأتي الاستفاضة في الحديث عن هذه الناحية إن شاء الله في بحث إعداد الخُطَب
3- التقسيم:
المراد بالتقسيم أن يقسم الخطيب موضوعه إلى عناصر أساسيّة شاملة لجميع جوانبه:
وهذا الأمر مهمُّ لا في موضوع الخطبة فحسب بل في كلِّ موضوع يتناوله المرء بالبحث والمعالجة كخطبة يلقيها، أو محاضرة يؤدّيها أو كتاب يؤلِّفه أو رسالة يكتبها أو مقالة يدبجّها.
فالتقسيم مسألة ضروريَّة لِحَبْك الموضوع وضبطه وتمطين السامعين من إدراك فكرته الرئيسيّة واستيعاب عناصره الأساسيَّة فيصبح في جملته واضحاً في أذهان السامعين حيّاً في نفوسهم وعقولهم ولو فاتهم شيء من التفصيلات التي عُرِضت خلاله.
وبناءً على ذلك يشترط في التقسيم ما يلي:
شمول التقسيم جميع جوانب الموضوع، واستيفاؤه أطرافه كافّة.
ترتيب فقرات التقسيم ترتيباً متوازاناً مناسباً، بحيث لا تدخل فِقْرة في أخرى ولا يتقدّم قسْم على آخر وإِلاّ أدّت عشوائيَّة التقسيم واختلال نظام فقراته واضطراب ترتيبها إلى التشويش المضلِّ والتكرار المملِّ.
أن يذكر الخطيب في صدر خطبته أقسام موضوعه مرتِّبة بصورةٍ موجزةٍ كأن يقول:
(سنتحدث اليوم في أربع مسائل أولاها كذا وثانيتُها كذا......)
 أو يقول:
(يرتكز موضوع الخطبة على ثلاث نقاطٍ هي: كذا وكذا......)
حسن الربط بين فقرات الموضوع عند ما ينتقل الخطيب من فِقْرة إلى أُخرى خشية أن ينتقل انتقالاً مفاجئاً، فيؤدّي ذلك إلى تمزُّق بناء الموضوع وتفرُّق وحدته، لذا وجب على الخطيب أن يمهِّد للانتقال من الموضوع فِقْرةٍ إلى أُخرى ليبقى محافظاً على وحدة موضوعه وتماسك بناء خطبته.
4-التوضيح:
إنّ من أهمَّ ما يجب أن يتَّصف به موضوع خطبة الخطيب الوضوح، فهو السبيل إلى فهم السامعين أفكارَه وإدراكهم معانيَه .وإذا خلا موضوع الخطبة من صفة الوضوح، فجاءت أفكاره معقّدة ومعانيه غامضة يستعصي فهمها على أذهان المستمعين ويصعب عليهم إدراك مضمونها، أدّى ذلك إلى نفور أولئك المستمعين من الخطبة وانصرافهم عن خطيبها وانتظارهم لحظة انتهائه من خطبته بفارغ الصبر.
فالوضوح ضرورة ملحَّة في كلِّ موضوع يخوض فيه خطيبُ أو كاتب لكي يُؤتي ثمرته في أوساط المستمعين والقُرََاء إدراكاً وفهماً وهو في الوقت نفسه عاملُ رئيسيًّ على انفعال الجمهور بالخُطبة وتأثُّر القُرَّاء بالكتاب.
ومردُّ التوضيح والتبيين إلى وضوح الألفاظ وسهولة التراكيب وإشراق العبارات التي تحتضن الأفكار والمعاني، وبكلمة موجزة يرجع إلى سهولة الأُسلوب الذي يستعمله المتكلِّم في مخاطبة الناس. فإذا استخدم الألفاظ الغريبة التراكيب المعقَّدة، لم ينجح في توصيل معاني خطبته إلى عقول الناس وقلوبهم.
(ج) الخاتمة
* تعريفها
هي ما يُنهي به الخطيب خطبته، ويختم كلامه، ويتحقَّق بها تمام الموضوع، فهي بمنزلة الختام للشيء إذا بلغ غايته.
 أثرها وأهميِّتـَّها:
وللخاتمة أهميَّة كبيرة في المحافظة على قوّة موضوع الخُطبة ورسوخه في أذهان السامعين لأنَّها آخر أجزاء الخُطبة وهي بذلك أقرب شيء منها على ذهن السامع وذاكرته وآخر ما ينساه منها. والخُطبة التي تخلو من الخاتمة يجيء موضوعها مبتوراً ،فلا يحقِّق الفائدة المطلوبة، ولا يصل بالجمهور إلى النفع المقصود.
سماتها
لمّا كانت الخاتمة آخر فقرة في الخُطبة، وتكوِّن مرحلتَها النهائية، اقتضى ذلك أن تكون في منتهى الدّقة والوضوح والقوَّة والتأثير ، وحسن الأداء وجمال التعبير.
وينبغي أن تكون قصيرة بالنسبة إلى موضوع الخُطبة.
أنواعها
إنّ أهمّ أنواع الخاتمة وأبرزها أن تكون موجَزاً تتلخَّص فيه أفكار الموضوع، فتتحصّل بذلك فائدة كبيرة للسامع الذي يشتدُّ تركيزه وانتباهه في مقدِّمة الخطبة وخاتمتها ، بينما يكون ذهنه عرضةً للشرود وضعف التركيز أثناء الموضوع الذي يحتلُّ المساحة الكبيرة من وقت الخطبة.
لهذا إذا أجمل الخطيب في خاتمة خطبته ذِكْرَ مجموع الأفكار التي بحثها في موضوعه مفصَّلة، أدَّى ذلك إلى تدارك السامع ما فاته من أفكارٍ رئيسةٍ خلال الخطبة، وبهذا لا تضيع عليه الفائدة المقصودة من موضوعها .
ومثال ذلك أن يقول :
( وخلاصة القول : إنَّ بحثنا يرجع على ثلاث نقط ، هي ...كذا وكذا...) .
أو يقول:
( وهكذا نجد أنَّ القضيَّة ترجع إلى أربعة أصول ، هي كذا....، وكذا...).
وهناك أنواع أخرى للخاتمة ، منها :
1 ـ أن يختم الخطيب موضوعه بتأكيد الفكرة الرئيسة التي ناقشها في خطبته.
2- أن يؤكِّد للجمهور ضرورة الالتزام والعمل بما بحثه في موضوعه أو يأخذ عليهم العهد بالتزام ما حدَّثهم به والعمل على تطبيقه.
3-أن يختم موضوعه بنصٍّ قرآنيٍّ أو حديث نبويٍّ شريف، أو قول احد العلماء المفكِّرين .
مثال ذلك آن يقول : ( وأخيراً أختم حديثي بقول الله سبحانه....)
أو يقول:( وأخيراً أختم كلامي بحديث رسول الله  $ الذي يقول فيه......)
أو يقول : ( وأختم كلمتي هذه بقول العالم الجليل والمفكّر الإسلاميّ الكبير....) 
أسلوب الخطبة
تعريفه
هو طريقة أداء المعاني وعرض الأفكار التي تتضمَّنها الخُطبة.
أو هو مجموع الوسائل التعبيريَّة التي يطرح الخطيب عَبْرها أفكار خطبته ومعانيها
وعلى هذا نجد أنّ الأُسلوب يشتمل على : الألفاظ والتراكيب التي صُبَّت فيها المعاني والأفكار
أثره وأهميَّته
تتّضح أهميَّة الأُسلوب من زاوية افتقار كلِّ متكلِِّّم وكاتِِبٍ إليه، إذ هو القالب الذي تُصَبّ فيه الأفكار والمعاني لتصل عبره إلى أذهان الناس وقلوبهم . ولولا الأُسلوب لما تمكَّن أيُّ إنسانٍ من نقل ما يدور في خاطره من الأفكار إلى الآخرين .
فلاغنى للمتكّلم عن الألفاظ والتراكيب التي ينقل عَبْرها أفكاره وآراءه وعواطفه إلى الجمهور المستمع إليه إنْ كان خطيباً أو مدرِّساً واعظاً أو محاضراً معلِّماً. وكذلك الكاتب، أيّاً كان شأنه في مضمار الكتابة ،أأديباً كان أم مؤرّخاً أو مؤلِّف علم ما أو كاتب مقالة أو مدبِّجَ رسالة أو غير ذلك،هو بحاجة إلى الأُسلوب الذي يصبّ في قنواته آراءه وأفكاره ومشاعره لتصل إلى قُرّائه. وبقدر ما يكون أُسلوب الخطبة قويّاً وجميلاً وواضحاً بقدر ما يكون تأثيره في النفوس عميقاً واستيلاؤه على الأذهان والقلوب بليغاً وتحريكه للمشاعر والأحاسيس قويّاً .
فإذا خلا أُسلوب الخُطبة قويّاً من القوَّة والجمال والوضوح فَقَد شدَّة تأثيره قي النفوس وسلطانَه على القلوب والمشاعر، وأدّى بذلك على نُفْرة السامعين وسآمة نفوسهم.
خصائصه
يختلف الأُسلوب الخطابيُّ عن بقيّة أساليب الكلام، فهو يمتاز بكثرة الجمل الإنشائيَّة والألفاظ التَّأثيريَّة والكلمات الإيحائية التي يستثير إيقاعها المشاعر ويؤجّج معناها العواطف ويهزّ جرسها أعماق النفوس . كما تكثر فيه الجمل القصيرة والعبارات الخاطفة التي تتناسب مع نفس الخطيب وقوّة صوته وتساعد على تأمين جوّ التفاعل بين المتكلم والجمهور المستمع إليه.
وسائل الأُسلوب
هما وسيلتان فقط: الألفاظ، والتراكيب.
(أ‌)الألفاظ :
 تعتبر الكلمة أساس التعبير عن المعنى إذ إنَّ كلام الإنسان بجميع تراكيبه ما هو إلاّ مجموعة ألفاظ ، فنأخذ من ذلك أنّ المعنى العام للجملة يتكوَّن من مجموع المعاني التي تدلُّ عليها ألفاظ تلك الجُملة وأنّ المعنى الكلِّي للّفظة الواحدة يتكوَّن من المعاني الإيحائيّة التي تدلُُّ عليها أحرف تلك اللّفظة، وهذا باب واسع في فقه اللُّغة تقوم عليه دراسات وتجري فيه أبحاث ونحن نكتفي هنا بمجرَّد الإشارة إليه.
ونفهم من ذلك أنّ كلّ لفظة عربيَّة تدّلُّ على معنى معيّن، وهذا الظاهر لا ينفيها وجود المترادفات،لأننّا لو دقَّقنا في تلك المشتركات المعنويَّة لوجدنا أنّ كلّ لفظة منها تحوي زيادةً على المعنى العام الذي تشترك فيه مع غيرها معنىً آخر تنفرد به دون سواها.ويمكننا التعرُّف على هذه الخاصّيَّة الدقيقة واضحةً في القرآن الكريم ونكتفي منه بمثالين فقط يقومان دليلاً عليها:
الأول: قال تعالى )سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ( ولم يقل: سنُعلِّمه،لأنَّ هناك فرقاً بين العلامة والسِّمة، إذ السِّمة ضَرْبُ من العلامة مخصوص،وهو ما يكون بالنَّار والأصل فيه التأثير في الشيء بخلاف العلامة التي هي أعمُّ من السّمة دلالةً.
الثاني: قال تعالى : )هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الحرام(ولم يقل: يمنعون لأنّ الصدَّ هو المنع عن قصد الشيء خاصّة بخلاف المنع الذي يصدُق على القصد وغيره.
 ونصل من خلال ذلك إلى عدَّّة ملاحظات تجب مراعاتها عند اختيار ألفاظ الخطبة وهي:
1-اختيار اللّفظ المناسب للمعنى، وهذا الضّرب من الاختيار يزيد في جمال الكلام وحُسْن البيان.
2-البعد عن الكلمات الغريبة وإيثارُ الألفاظ الواضحة المأنوسة،لأنّ الكلمات الغريبة لا تكون كفيلةً بنقل معاني الخطب إلى أذهان السامعين بيُسر وسهولة وإنّما تجعلهم يحسّون عند سماعها أنَّهم يعيشون في متاهة تخرجهم من دائرة فهم معظم معاني الخطبة وأفكار موضوعها هذا عن لم تُبْعدهم عن فهم الخُطبة برُمتَّها .
والإِكثار من استعمال الكلمات الغريبة يُعَدُّ عيباً من عيوب الألفاظ وعورةً في الأُسلوب، ينأى بموضوع الخطبة عن الوضوح ويدخلها في دهاليز الغموض. لهذا وجب على الخطيب أن يختار الألفاظ الواضحة السهلة المألوفة.
فبدلاً من أن يقول: ( يعروري) ليقل : (يركب) .
وبدلاً من أن يقول : ( عردّ) ليقل: ( فرّ أو هرب).
وبدلاً من أن يقول: ( اطلخمّ) ليقل: ( اسودَّ).
3- انتقاء الكلمات المأنوسة ذات الجرس الموسيقيّ المعبّر والإيقاع الموحِي والوقع الجميل في السمع والنفس وتجنًّب الكلمات الشائكة ذات النطق الثقيل الذي تكرهه الأسماع وتنفر منه النفوس كلفظة ( الجرشّى) في قول المتنبيّ:
مبارك الاسم أغرُّ اللّقب    كريم الجِرِشّي شريف النّسَب
و( الجرشّى) معناها :( النَّفْس) ولا ريب في أنَّك تشعر بالفَرْق بين الكلمتين في سمعك حال النطق بهما فينفر السمع من الأولى ويأنس بالثانية.
والجرس الموسيقيّ قضيَّة هامّة في الكلمة، لأنّ لكلِّ حرف من حروف اللّفظة موسيقىّ خاصّة ونغمة معيَّنة تزيد في التعبير عن المعنى العام لتلك اللّفظة. فمثلاً في قوله سبحانه: } وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ. َالصُّبْحِ إِذَا تَنْفَسَ(
نحسُّ بوقع موسيقيٍّ مُوحٍ لكلمتي ( عَسْعَسَ ، وتنفَّس) إذ يُوحي الجرس الموسيقيُّ لأحرف لفظة (عَسْعَس) بحركة الليل الهادئ وهو ينساب في أرجاء الكون ليلفّ الكائنات بظلامه الذي لا يلبث بعد اشتداده وتماديه أن ينحسر شيئاً فشيئاً، وينزاح عن صدر الوجود فيتنفَّس أنفاس الحياة من جديد وتعود إليه الحيويَّة والنشاط بعد سكون حركته تحت وطأة ظلام اللَّيل ، ويُشعرك بهذه الإشرافات التعبيريّة الرائعة جرس كلِّ حرف من أحرف كلمة ( تنفّس) .
وفي قوله تعالى ) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ(.
يوحي ذلك الإيقاع الموسيقيُّ لكلِّ حرف من أحرف لفظة (فكُبكبوا) بالمعنى الذي تدلُّ عليه، وهو السقوط على الوجه بصورة قبيحة ومهينة مرّة بعد مرّة.
وبناء على ذلك وجب على الخطيب أن يختار لمعاني خطبته وأفكارها الألفاظ ذات الجرس الموسيقيّ المعبِّر عن تلك المعاني والمضامين. فهوَ إذا تحدَّث عن الجهاد عليه أن يختار الألفاظ القويَّة الحماسيّة ذات الإيقاع الموسيقيِّ المعبّر مثال:
( الجهاد- البأس- العنف – العزيمة- القراع الاقتحام .......).
وإذا تحَّدث عن الإيمان اختار الألفاظ المعبِّرة بإيحائها الموسيقيّ عن طمأنينة القلب وسموِّ الروح وإشراق الأعماق واستقامة الجوارح ، مثال:
( الهداية- النور- الرشاد- الاستقامة- الإيمان.............)
وإذا تحدّث عن مناسبة حزن اختار الألفاظ الموحية بجرسها الموسيقيّ بمعاني الحزن والتحسّرُ وألم الفراق،مثال:
( الأسى –المصاب- الأتراح- العويل- البين -الفاجعة )
4-البعد عن الكلمات المبتذلة والركيكة والألفاظ العامِّيِّة:
 فاستعمال مثل هذه الكلمات يورث أُسلوب الخطبة ضعفاً ويفقده الرونق والجمال وقوّة التأثير في نفوس المستمعين الذين لا تستهويهم تلك الألفاظ،وإنما يألفون لغة القرآن لأنّها أوقع في النفوس وأبلغ في تأثيراً في الشعور. والخطيب الذي يستخدم ألفاظ اللُّغة الدارجة، ويتعاطى في خطبته الكلمات المبتذلة والعبارات الركيكة لا يكون صادق الوفاء في الحفاظ على سموّ أُسلوب خطبته ونقائه من شوائب العامِّيّة وأخلاط الركاكة والابتذال وفي الوقت نفسه لا يتمكَّن من النهوض بجمهوره إلى مستوىً يليق بلغة القرآن وثقافة الإسلام لأَنّ اللُّغة من أهم وسائل الثقافة الإنسانيَّة ومنجزات الفكر البشريِّ  في حياة الأُمَم .
فلا يليق بالخطيب أن يقول: ( كَمَش) بدلاً من: (أمسك) .
ولا يليق به أن يقول: (لَحَش) بدلاً من : (ألقى).
ولا أن يقول:) شو أو ليش) بدلاً من :( ماذا أو لماذا؟).
----------------------------------------------
1)التكوير: الآيتان17-18
2) الشعراء: آية94.
3)القلم : آية 16.
 4)الأنفال: آية:34.
4-تجنُّب تكرار اللَّفظ الواحد في الخطبة لغير حاجة، لأنّ ذلك يؤدِّي إلى سآمة السامع وملله ويُعدُّ التكرار من عيوب الكلام كما جاء في علم البلاغة العربية فكرهوا قول الشاعر:
إنِّي وأسطار ٍ سُطِرْن سَطْر لقائل يا نَصْرُ نَصْرُ نصْرا
و قول الآخر :
مكثنا بها يوماً ويوماً وثالث  ويوماً له يوم الترحُّلِ خامس
 وقول الثالث :
وقـد وقـد وقـد وقـد  وقــد مـلأنا الكُتُبـا
فإذا قال الخطيب:
( يجب أن نأمر بالمعروف ،لأنَّ الأمر بالمعروف أَمْرُ أمرنا الله به ، ولا نأتمر بأمر أمرنا الله به ونأمر غيرنا بذلك إلاّ كان أمرُنا خيراً ، وينتهي بنا ذلك الأَمْر إلى الجنَّة...) فهذا الكلام الذي تكرَّرت فيه كلمة (أمر) يتنافى مع فصاحة البيان العربي ولا يمنح أُُسلوب الخطبة قوّةً وجمالاً . بينما تلاحظ أنَّ في استعمال الألفاظ المترادفة تجديداً لنشاط السامع في انتباهه واستمرار إصغائه لأنَّ اللّفظة الجديدة تؤدِّي إلى انتباه جديد أما تكرار الكلمة أكثر من مرَّة فيُوهِن ذلك الانتباه، ويجلب الشرودَ وانصرافَ السامع عن المتكلِّم.
ولا يعني ذلك أن يُمجّ التكرار في جميع الحالات، فهناك تكرار محمود إذا كانت الحاجة داعيةً إليه كتقرير المعنى وتأكيده وتثبيته في النفوس ولفت النظر إلى أهميَّته وضرورته. ومثل هذا في القرآن الكريم كثير كتكرار قوله تعالى:
) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(. في سورة الرحمن وتكرار قوله تعالى:}وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرآَنَ لِلِّذكْرِ فَهَلْ مِن مُُّدّكِرٍ(.
وكذلك في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام كتكرار قوله الشريف: " التقوى هاهنا. التقوى هاهنا. التقوى ها هنا. " وأشار إلى صدره ، وكقوله: " ألا وشهادة الزورألا وقول الزور" وما زال يكررها – يقول الصحابيّ- حتى قلنا ليته سكت(3) وكقوله: " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، الذي لا يأمن جاره بوائقه" (1)
فهذا التكرار له غرضه وفائدته كالتأكيد والتحذير والتهويل فلا يعد عيباً من عيوب الكلام.ونضيف على جانب ما ذكرناه الإعراضَ عن الألفاظ ذات الأحرف المتنافرة كلفظـة
( استشزر) و( بَعاع) والألفاظ الخارجة عن قياسات اللغة وقواعد صرفها ونحوها كلفظـة
( الأجلل) بدل ( الأَجْلّ) وكلمة (مقوول) بدل كلمة (مَقول) فهذه عيوب مخلّة بفصاحة الكلمة مسيئة إلى أساليب الكلام.
(ب‌)التراكيب :
نقصد بالتراكيب: العبارات والجمل التي تتألف من عدة ألفاظ بمجموعها معنىً معيناً . وإذا كانت التراكيب سهلةً حسنة السَّبك جارية على سَنَن العربية وطرائق تعبيرها ، خاليةً من التعقيد وتنافر الكلمات مؤتلفة مع جوّ الخطبة العام متناسبةً من حيث طولُها وقصرُها مع المعاني المقصودة كانت الخطبة قويَّة التأثير جميلةَ العَرْض محمودةَ الذكر بالغة النفع . وعلى هذا ا تجب ملاحظة الأمور التالية:
أولا ًـ أن تكون التراكيب قويّة متماسكة محقّقة للمعنىِّ المقصود في أجمل صورة لفظيّة سليمةً من الضعف والتفكُّك : وتفسير ذلك : أن تكون ألفاظ التراكيب متناسبة في اجتماعها لتحقيق المعنى المراد،متآلفةً في تعانق حروفها وتناغم حركاتها وإيحاء لفظها وجرسها الموسيقيّ . وهذه الخصلة الرائعة نجدها واضحة في تراكيب القرآن الكريم وجمل الرسول عليه الصلاة والسلام في خطبه ومواعظه.
أمّا في القرآن الكريم فنقرأ مثالاً على ذلك قوله تعالى:
}إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاْسْتَكْبَرَ. فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ.ِإنْ هَذَآ إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ(.
فنلاحظ في هذا النصّ القرآنيِّ الكريم التصويرَ الدقيق للحالة النفسيّة الباطنة والظاهرة التي كان عليها الوليد بن المغيرة في موقفه من القرآن الكريم بعد أن سمعه من رسول الله $فجاءت الألفاظ موحية والتراكيب معبّرة تعبيرا دقيقا عن التقلّب الذي اعترى الوليد أثناء تفكيره وتقديره ومصوِّرة تصويراً رائعاً لحالته النفسيّة في إدباره واستكباره ثمّ افترائه الكذب وادعائه الباطل  فاستطاع هذا النصّ القرآنيّ المجيد بجمله القصيرة الخاطفة ، وأفعاله الكثيرة المتتابعة ، وإيقاع حركات حروفه المتناغمة والتّواؤم البديع بين أنفاس ألفاظه وتراكيبه أن يرسم ملامح تلك الشخصية المهزوزة المضطربة ، ويعرضها أمام خيالنا بصورة ساخرة ، وهي تصل على قرارها الجائر.
ثانياً – أن تكون التراكيب متوازنة في ترتيب ألفاظها: بحيث تنزل كلُّ لفظة منها في مكانها المناسب ويأخذ بعضها بيد بعض في نظام محكم وترابط دقيق، فتتجنّب بذلك عيب التعقيد اللَّفظيِّ الذي يورث الكلام غموضاً يجعل السامع يستصعب فهم المراد منه . فإذا لم تقع اللّفظة في موقعها المناسب من التركيب فأُخَّرت عن مكانها وقُدّمت عليها أخرى بلا سبب بلاغيٍّ أو لغويٍّ يجوِّز ذلك التقديم أو التأخير أو فصل بين اللَّفظتين المتجاورتين بفاصل لا تسوِّغه قواعد التعبير اللغويّ الفصيح أدى ذلك إلى فقد الكلام صفةَ الوضوح، وعناءِ السامع في فهم المعنى المقصود . وإذا لم يتمكَّن المستمع من فهم ما يلقى عليه من الكلام لم تتحقّق له فائدته ولم تصل إليه غايته
ولقد جاء في قواعد البلاغة العربيّة أنَّ من عيوب الكلام وأسباب خروجه عن مسار فصاحة اللَّغة العربيَّة وسننها التعقيدَ اللَّفظيِّ ومن صوره التقديم والتأخير المضلُّ عن المعنى المراد، وعود الضمير على متأخِّر لفظاً ورتبة. ومثَّلوا للأول قول المتنبيّ :
أنّى يكون أبا البرايا آدم    وأبوك والثقلان أنت محمدُ
نلاحظ في هذا البيت أن الشاعر فصل بين المبتدأ ( أبوك ) وخبره (محمد) بفاصل يستدعي حيرة السامع في فهم المراد، وكذلك قدَّم الخبر على المبتدأ تقديماً يدعو إلى اللَّبْس في قوله و(الثقلان أنت) . و بناء على ذلك يصبح معنى البيت هكذا: كيف يكون آدم أبا البرايا وأبوك محمد وأنت الثقلان .
ومثّلوا للثاني قول حسان بن ثابت رضي الله عنه :
ولوانّ مجداً اخلد الدهرَ واحد  من الناس أبقى مجدُه الدهرَ مُطِعما
ومعنى البيت : لو كان مجد الإنسان سبباً لخلوده وبقائه لكان مطعم بن عدي أولى الناس بالخلود.
ولكنّ هذا المعنى لم نستوضحه من البيت إلاَّ بعد عناء ، لأنّ الشاعر اخلَّ في استعمال الضمير في قوله (مجدُه) فأعاده إلى (مطعماً) وهو متأخِّر لفظاً ورتبةً ، وهذا خروج عن قواعد النحو وسنن العرب في كلامها.
وإذا شئنا مثالاً من كلام الخطباء نذكر ما يلي :
تحدّث أحد الخطباء عن الأخلاق، فقال في بعض كلامه:
( إنّ في حقيقة الأمر الأخلاقَ أساسُ بقاءِ واستقرارها الأُمَّة).
نجد حال قراءة هذه العبارة أو سماعها صعوبة في فهم المعنى المراد منها وهذا يرجع إلى ما اشتملت عليه من تقديم وتأخير في ألفاظها ووجود الفواصل بين كلماتها حيث نلاحظ ما يلي :
أولاً : أنّه فصل بين إنّ واسمها بفاصل هو قوله ) في حقيقة الأمر ) ، وكان الأولى تأخير عن كلمة ( الأخلاق) .
وثانياً : أنّه فصل بين المضاف ( بقاءِ) والمضاف إليه ( الأُمّة) بفاصل مع تقديم ضمير ( الأُمة) عليها.
وهذا عيب في الكلام يورث التراكيب قُبحاً والجمل تعقيداً والمعنى غموضاً فيستعصى على سامعه فهم مضمونه وإدراك مقصوده.
وإذا أردنا أن نصوغ تلك العبارة صياغة صحيحة، وجب علينا أن نقول:
( إنَّ الأخلاق في حقيقة الأمر أساس بقاء الأُمة واستقرارها).
ويدخل في هذا الباب استعمال كلمات للدلالة على معانٍ لا تصلح لها، فيؤدِّي ذلك إلى التباس المعنى المقصود على السامع، ويقع هذا كثيراً في المجازات الخاطئة كقولنا :
( فلانُ سيفُ في العلم) ،والصواب أن نقول : (بحر في العلم) أو (جبل في العلم) ونحوه قول أحدهم : (فتواثب الصائمون في رمضان إلى المساجد ،وتشابكوا على تلاوة القرآن الكريم.....)، ولا ريب في أنَّ فِعْلي(تواثب وتشابك) لم يستعملا هنا مكانهما المناسب وأراد المتكلِّم الدلالة بهما على غيره ما يصلحان له.
ويذكّرنا هذا النوع من الخلل في التعبير بالتعقيد المعنويِّ الذي عدّه البلاغيُّون من العيوب المُخِلّة بفصاحة الكلام ومثّلوا له بقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بُعَد الدارِ عنكم لتقربو   وتسكب الدموع عيناي لتجمدا
وقالوا: لقد أصاب الشاعر حين جعل الدموع دليلاً على الحزن والألم بسبب الفراق وأخطأ حين جعل جمود العين دليلاً على السرور لأنّ العرب لم تستعمل جمود العين كناية عن السرور وإنّما استعملته كناية عن البخل بالدموع في وقت البكاء كما نجده في شعر الخنساء حين رثت أخاها صخر فقالت:
أعينيّ جودا ولا تجمد  ألا تبكيان لصخر الندى
ومثل ذلك قولهم:
بثّ الملك آذانه في صفوف أعدائه
والعرب لا تستعمل الآذان كنايةً عن الجواسيس وإنّما تستعمل العيون كناية عن ذلك نحو قول الشاعر:
كم بعثنا الجيش جـرّار   وأرسلنا العيـونا
ونلحق بقائمة هذا الضرب من التعقيد استعمال بعض الخُطباء المحدَثين الرمزيّة في كلامهم
إلى حدِّ يضيع فيه على السامع فهم المراد ويُرهق الأذهان في إدراك المقصود.
مثال ذلك قول احدهم في خطبته:
( لقد فاحت رائحة الشمس، فعطَّرت وجنات القلوب، وتركت قطرات من الندى الإيمانيّ الأبيض على شفاة الخفقات الدافئة في الصدور).
أقول : إنَّ من خصائص الخطبة الناجحة وضوح مضمونها للمستمعين وسرعة وصول أفكارها ومعانيها إلى أذهان المخاطبين، والرمزيّة لا تحقّق شيئاً من ذلك فيجب تجنُّبها في العمل الخطابيِّ وإن كان يحسُن استخدامها في بعض الشعر،لأنّ العملين مختلفان من حيث اتجاههما وجمهورهما . فالشعر يخاطب الخيال والمشاعر وأعماق الفِكْر ويسمو بسامعه إلى آفاق التأمُّل البعيدة فيحتاج إلى طبقة معينة من المستمعين تتمتّع بثقافة فكريّة وشعوريّة تليق به، وأمّا الخطبة فهي تخاطب العقول والعواطف وتتّجه على طبقات متنوِّعة من المستمعين تتفاوت مستوياتها الثقافيَّة والإدراكيَّة فجدير بخطيبها أن يجافي فيها الرمزيّة والغموض، ويلازم التبيين والوضوح مراعاةً لحاجة جمهوره ومستوى مخاطبيه.
ثالثاً- خلوُّ التراكيب من ظاهرة التكلّف اللفظيّ وسلطان السجع:
وتفسيره عند البلاغيين أن تتوافق الفاصلتان في الحرف الأخير ولا يكون إلاّ في النثر. وهو ممجوج غير مستحَبّ إذا كثُر وشاع في الخطبة أو أيّ نصّ نثريّ ، لأنّه يؤدّي إلى انشغال السامع بإيقاعاته وبريق الصنعة في ألفاظه عن مضمون الخطبة ومعنى النصّ اللَّذين استشرى فيهما. وأمّا إذا جاء عفويّاً في عبارات الخطبة وكلماتها فهو مقبول مستحسَن لأنَّه يزيد من جمال الكلام ويضفي على ألفاظه وتراكيبه رونقاً وبهاءً فيعذب في الأذان سماعه ويؤثَّر في النفوس إيقاعه. ومن أمثلته في كلام الأوائل حال كثرته وسيطرته خطبة قُسّ بن ساعدة الأياديّ التي ألقاها على الناس في سوق عكاظ فقال منها(1):
(نهارُ ساجُ(2) وسماءُ ذات أبراج (3) ونجوم تزهر(4) وبحار تزخر(5)وجبال مرساة(6) وأرض مٌدْحاة و أنهار مُجراة، إنّ في السماء لخبراً ، وإنّ في الأرض لعبراً.....)
ومن أمثلته في حال استحسانه وعفويّته قول رسول الله $ :
" إنّكم تقلُّون عند الطمع وتكثرون عند الفزع....."
وقول أحد الخطباء :
 (أيّها الإخوة المؤمنون ، اعملوا بهدي القرآن الكريم واستقيموا على سنّة النبيّ العدنان واعرضوا عن الهوى، والزموا سبيل التقوى ، تفلحوا وتنجحوا وتبلغوا وتنجحوا، وتبلغوا منازل السعداء ومقام الأتقياء في الدنيا والآخرة........).
ولا ننسى في نهاية هذه الفقرة أنّ نؤكَّد أنّ أرباب اللغة والفصاحة لم يستحسنوا كثرة السجع في الكلام ، ولم يستسيغوا استخدامه الواسع في الخطب والنصوص النثريّة ، ولو كانت كثرته من مظاهر جمال البيان وقوّة اللّسان وفصاحة المنطق لكان أولى الناس باستخدامه رسول الله محمد ومن أمثلته في كلام الأوائل حال كثرته وسيطرته خطبة قُسّ بن ساعدة الأياديّ التي ألقاها على الناس في سوق عكاظ فقال منها(1):
(نهار ساج(2) وسماء ذات أبراج (3) ونجوم تزهر(4) وبحار تزخر(5)وجبال مرساة(6) وأرض مٌدْحاة و أنهار مُجراة، إنّ في السماء لخبراً ، وإنّ في الأرض لعبراً.....)
ومن أمثلته في حال استحسانه وعفويّته قول رسول الله $:
" إنّكم تقلُّون عند الطمع وتكثرون عند الفزع....."
وقول أحد الخطباء : وأصحابه الكرام ولكنّ الذي يقرأ خطبهم ويسمع مواعظهم يجدها أبعد ما تكون عن تكلّف الصنعة والخضوع السجع وأقرب ما تكون إلى تغذية العقول بالمعاني النافعة والفوائد الرائعة.
--------------------------------
(1)    البيان والتبيين ج1.
(2)    ساج : ساكن هادئ.
(3)    أبراج: أركان
(4)    تزهر: تضيء.
(5)    تزخر: تمتلئ. (6) مدحاة: مبسوطة (7) مرساة:ثابتة
 
رابعاً- خلوُّ التراكيب من التكرار غير المناسب: تقدَّم معنا في الحديث عن الألفاظ أنّ من محاسنها في الخطبة عدمَ تكرار اللفظ الواحد منها لغير حاجة داعية إليه، ونذكر هذه الملاحظة أيضاً في التراكيب،فتكرار التركيب الواحد أكثر من مرَّة في الخطبة يُعدُّ من العيوب المخلَّة بتماسك الأسلوب ودليلاً على ضعف قدرة الخطيب على تحصيل المعاني التي يريدها بتراكيب تفي بالمقصود،وتجعل السامع في حالة تنبُّه دائمة من بداية الخطبة إلى نهايتها، فيتمكن بذلك من استيعاب معظم أفكار الخطبة وأكثر معانيها . فإذا كرّر الخطيب الجملة أكثر من مرّة بلا داعٍ مناسب، وأورث سامعيه السآمة والضجر، وجعلهم ينصرفون عن متابعة تحصيل الفائدة المطلوبة من خطبته .وأمّا إذا دعت الحاجة إلى تكرير الجملة أكثر من مرّة فهذا لا يسيء إلى قوّة أُسلوب الخطبة ولا يشتّت ذهن السامع عن إدراك مضمونها وفهم معانيها وإنّما يزيد من قوّة تأثيرها في نفوس المستمعين ، ويُضفي على أسلوبها سِحْراً وجمالاً وجاذبيّة.
ونلاحظ هذه الظاهرة واضحة في القرآن الكريم وفي كلام إمام المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام.
أمّا في القرآن الكريم فقّد تقدّمت معنا الإشارة إليه خلال حديثنا عن تكرار اللفّظ الواحد فوجدنا مثاله في سورة ( الرَّحمان) التي تكرّر فيها قوله تعالى :
)فَبِأيّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ( فأعطى تكرار هذا التركيب القرآنيِّ تأثيراً ساحراً في نفس القارئ وأضفى رونقاً وبهاءً على سياق تلك السورة الكريمة التي لا يملُّ تاليها ، بل يحسّ بأعماقه ومشاعره تزداد انجذاباً نحوها كلّما أكثر من تلاوتها.
ومثال أيضاً في سورة (القمر) التي تكرّر فيها قوله تعالى:" وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّ كرٍ).
وفي سورة المرسلات التي تكرَّر فيها قوله تعالى: }وَيْلُ يَوْمَئذٍ لِلْمكَذِّبِين( .
فمن قرأ هذه السور أحسَّ بتآلف ألفاظها وترابط آياتها وتناسق تراكيبها ووحدة سياقها وشعر أثناء تلاوتها إلى جانب ذلك بأنَّ تكرار أحد تراكيبها حيث جاء فيها مكرَّراً كان عاملاً فعّالاً في تحقيق ذلك التآلف والترابط والتناسق بحيث لو انعدم أو قلَّ عدده عما هو عليه لأدَّى ذلك إلى تفكُّك وحدة السياق. وهذه الظاهرة الأسلوبيَّة الرائعة اختصَّ بها القرآن الكريم دون غيرها من الكلام ،لأنَّه كلام الله الذي يعلو ولا يُعلى عليه.
ولقد اهتمَّ علماء العربيَّة بدراسة هذه الظاهرة القرآنيَّة الباهرة ، وخصَّصوا لها أبحاثا مستقلّة أصدروها في رسائل وكتب نذكر منها رسالةً قيَّمة صدرت حديثاً بعنوان "التقرير في التكرير" من تأليف السيد محمد أبي الخير أفندي الشهير بابن عابدين المتوفى سنة ( 1343ه-1925م)، وقد أودع فيها خلاصة ما جاء في كتب المتقدّمين من آراء وأقوال.
وأما في كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، فنذكر مثالاً على ظاهرة تكرير التركيب الواحد ما جاء في خطبته الشريفة التي خطبها في حجَّة الوادع حيث كرّر قوله : " ألا هل بلغت؟! اللّهمّ اشهد " في مواضع متعدِّدة من خطبته، فكان ذلك التركيب ينزل في موضعه المناسب في سياق
الخطبة فيزيدها تناسُقاً وقوّة وتأثيراً في نفوس المخاطبين الذين يُحِسّون بأهميّة ما يُلقى عليهم وضرورة وَعْي ألفاظه وفهم معانيه بلا تفويت ولا تفريط.
ونلحق بهذه الملاحظة الرابعة ظاهرة التزام الخطيب بعبارات معينَّة يردّدها في خطبته تنبيهاً للناس أثناء كلامه وتجديداً لنشاط إقبالهم عليه قلوباً وعقولاً وعاطفةً كقوله: ( نعم أيّها المسلمون).وقوله: ( وهكذا أيّها الناس).
وقوله: (أجل معشر المؤمنين).
إنّ التزام تكرير هذه العبارات أثناء الخطبة لا يُعدُّ عيباً في أسلوبها إذا حدث التكرير في مكانه المناسب وحسب الحاجة الداعية إليه ، ولنا في خطب رسول الله$ شواهد على هذه الظاهرة كخطبته في حجة الوادع التي كان يكرّر فيها في مطلع أجزائها قوله: " أمَّا بعد أيُّها الناس ". وأمّا إذا كررت هذه العبارات في الخطبة الواحدة في غير موطنها المناسب فسوف يؤدّي تكريرها إلى تقطع تسلسل الألفاظ والتراكيب في سوق المعاني فيتشَّتت نظام الأفكار، وينتاب ذهنَ المستمع الشرودُ عن متابعة إدراك المعاني الخُطبة، ويفوته الحظُّ الوافر من فائدتها . ومثال ذلك قول أحد الخطباء :
( إنّ المعاصيَ بريدُ الكفر ومطيَّة الهلاك في النار ، اجلْ معشر المؤمنين ، فمن اعرض عن المعصية وراقب ربَّه، أجلْ معشر المؤمنين ، فقد ربح في الدنيا والآخرة ، أجل معشر
---------------------------------------------ً
(1) الرحمن.  (2)سورة القمر.  (3)سورة المرسلات.


المؤمنين أما في الدنيا فيكون مطمئناً في حياته لا يعرق القلق ولا الشّّقاء اجل معشر المؤمنين وأمّا في الآخرة فيكون من السعداء الفائزين بنعيم جنّة الرحمن ).
نلاحظ في هذا المقطع الخطابيّ أنَّ تكرار عبارة: ( أجلْ معشرَ المؤمنين ) لم يقع في موطنه المناسبة، بل جاء ذلك التكرار فاصلاً بين أجزاء الفكرة الواحدة فترتَّب عليه تشتُّت ذهن السامع عن فهمها حيث كان ينبغي أن تُساق إليه عبر ألفاظها وتراكيبها دونما فاصل أجنبيّ. إلى جانب كونه سبباً في ضعف الأسلوب وتردَّية عن المستوى اللائق بالخطبة المؤثَّرة.
خامساً – طول التراكيب وقِصَرها:
تحتلُّ التراكيب القصيرة مركز الأهميّة في سياق الخطبة التي تعتمد اعتماداً كلّياً على صوت الخطيب ولهجته، وكلاهما يرتبط ارتباطاً لا انفكاك له بنَفَس الخطيب . والجملة الطويلة يحتاج إلقاؤها إلى نَفَس طويل، وهذا ما لا يستطيعه إلاّ النّزْر اليسير من الخطباء، بل إنَّ الخطيب مهما طال نفسه لا يتمكَّن من النطق بالجمل الطويلة متتالية مع محافظته على قوّة صوته ونشاط لهجته من بداية نطقه بتلك الجُمَل الطويلة بمآزق ، منها :
أ‌-أن يختلَّ توازن صوته ولهجته، وينتقل من النشاط إلى الفتور إن استمرَّ في إلقاء التركيب الطويل إلى نهايته، فيترتَّب على ذلك اضطراب طريقة الإلقاء وفَقْدِ الإِيقاع المؤثِّر في أُذن السامع .
ب‌-أن ينقطع نَفَس الخطيب أثناء نطقه بالتركيب الطويل قبل أن يبلغ نهايته فيُضطرُّ للسكوت، فيترتَََّب على ذلك انقطاع تمام معنى الكلام عن المستمع وعدمُ تحقيق فائدته المرجوَّة في نفسه. ونضيف إلى هذا أيضاً أنَّ الخطبة التي تغِلب عليها صبغة إثارة العواطف وتحريك المشاعر تحتاج في التعبير عن معانيها إلى العبارات الخاطفة والجمل القصيرة التي تتناسب مع جوِّ العاطفة الثائرة، ويبقى فيها صوت الخطيب مدويّاً ولهجته قويّة ونَفَسُه نشيطاً.
وأمّا إذا طالت العبارات وكثرت ألفاظ التركيب الواحد منها، فسينشأ عن ذلك فتور الإلقاء في مواطن الحماسة وضعف الصوت في موضع القوّة فتفقد الخطبة بهذا سلطان تأثيرها في النفوس واستيلاءَها على المشاعر.
ويحسن بنا بعد هذا البيان أن نستشهد على ما ذكرناه بمقطع من إحدى خُطب الرسول$ نتعرّف منه مدى أهميّة قِصَر التراكيب في الخُطبة.
خَطَبَ رسول الله$ وكان مما قال (1) : " يا أيُّها الناس: كأنَّ الموت على غيرنا كُتب وكانّ الحقّ على غيرنا وَجَب وكأنّ الذي نشيّع من الأموات سَفْرُ(2) عمّا قليل إلينا راجعون، نؤدَّيهم أجداثَهم ونأكل تُراثَهم(3) كأنّا مخلّدون . قد نسينا كلَّ موعظةٍ، وأمنّا كلّ جائحةٍ(4) طُوبى لمن شغله عيبُه عن عُيوب الناس . طُوبى لمن طاب كَسْبُه ، وصَلُحتْ سريرتُه ، وحَسُنت علانيتُه، واستقامت طريقتُه"
نلاحظ في ها المقطع الخطابيِّ البليغ كيف جاءت فيه العبارات والجملة قصيرة موجزة بليغة معبِّرة فأضْفَت على الخُطبة بهاءً ورونقاً وجمالاً، وروعة ومنحتها دقَّة وإحكاماً ومكَّنتها من الاستيلاء على الأسماع والتأثير العميق في النفوس.
أنواع الأسلوب:
إنَّ من سمات الخُطبة الناجحة أن يتلوَّن أُسلوب عرضها ،وتتغيَّر ضروب التعبير فيها من أمر إلى استفهام إلى نهيٍ إلى تعجُّب إلى إِخْبارٍ وإلى غير ذلك . حيث يمكِّنها ذلك التلوُّن من تنبيه الأذهان ، واستقطاب الأسماع والأخذ بمجامع القلوب، والتأثير في التأثير في النفوس.وأمّا إذا التزم الخطيب في خُطبته ضَرْباً من ضروب التعبير لا يبرحه إلى غيره، كأن يلتزم صيغة الأمر أو النهي أو التقرير ، فسيجعل السأم يتطرَّق إلى نفوس سامعيه، فتضجر منه أسماعهم ، وينصرفون عن متابعة خطبته، وخّاصة إذا كرَّر عرض الفكرة الواحدة بصيغة واحدة ولون واحد من ألوان التعبير. وهذا - بلا شك ـ يدلُّ على قلة زاد بيان الخطيب وضعف مقدرته الخطابيَّة وأمّا الخطيب القويُّ المتمكِّن فلا يستعصى عليه عرض الفكرة الواحدة في أساليب متعّدِدة وأثواب مختلفة بل يختار من ضروب التعبير ما شاء ثم يسكب فكرته الواحدة فيما اختاره من الأساليب ليُخرجها إلى الناس بأثواب قشيبة وقوالب متنوِّعة، فيتمتَّعون بسماعها ويتلذَّذون بفهمها كما تخرج العروس ليلة زفافها إلى صويحباتها بأثوابها وأشكالها
وزينتها فلا تملها العيون ولا تسأم منها النفوس.
وبهذا تتثبَّت الفكرة في الأذهان لأنّها توجّهت إلى أسماع الناس في تلك الأشكال المختلفة والألوان المتعدَّدة. ولا نزاع في أنَّ النفس البشريَّة ترفض بطبيعتها الاستمرار على حال واحدة في مختلف شؤون حياتها ،وتنزع دوماً إلى التغيير فراراً من السآمة وخلاصاً من الضجر وهذا ما أشار إليه الشاعر أبو تمّام بقوله:
 وطول مقام المرءِ في الأرض مُخلِقُ    لديباجتَيْه فاغتربّ تتجدّدِ
 فإنِّي رأيت الشمس زيدت محبَّةً إلى النّاس أَنْ ليست عليهم بسَرْمدِ.
آن لنا بعد هذا الِإيضاح أن نستعرض أبرز أنواع التعبير وأهمَّ أضرُب الأُسلوب ونستشهد على كلٍّ منها بما يناسبه.
تتنوَّعّ أساليب الكلام وتعابير الخطاب إلى عدّة أنواع من أهمِّها:
1-الإِخْبار: مثال قول سيّدنا علىّ رضي الله عنه في إحدى خُطَبه:
(أمّا بعدُ، فإنَّ الدنيا قد أَدْبَرتْ وآذَنت بوَادع، وإنَّ الآخرة قد أقْبَلتْ وأشرفت باطِّلاع وإنَّ المضمار اليوم والسّباق غداً....)
2-الأَمْر: مثال قول سيِّدنا عليّ رضي الله عنه في إحدى خُطَبه...
( فلتكُن الدنيا في أعينكم أصغرَ من حُثَالة(1) القَرَظ(2) وقُراضة الجَلَم(3) واتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتَّعِظ بكم من بعدكم، وارفُضُوها ذميمةً فإنها رفضت من كان أشغف بها منكم).
3-النهي: مثال سيِّدنا أبي بكرٍ رضي الله عنه في خطبته بعد وفاة الرسول $:
(ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيِّكم ولا يفتننَّكم عن دينكم، فعالجوه بالذي تُعجِزونه، ولاتستنظِروه فيلحقَ بكم).
4-القَسَم: مثال سيِّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في إحدى خُطَبه:
(وايم الله، إنِّي لأقولُ لكم هذه المقالَة، وما اعلم عند أحدٍ منكم من الذُّنوب أكثر ممّا عندي)
5-الاستفهام: مثال قول سيِّدنا عليّ رضي الله عنه في خطبته له:
( أينَ مَنْ سعى واجْتَهد، وجَمَع وعدّد، وبني وشيَّد وزَخْرف ونجَّد وبالقليل لم يقنعْ وبالكثير لم يُمتَّع؟ أين مَنْ قاد الجنود، ونشر البُنُود؟ أضحَوا رُفاتاً تحت الثرى أمواتاً، وأنتم بكأسهم
----------------------------------- 
(1)    رواه أبو نعيم عن علي رضي الله عنه .
(2)    سفر جمع سافرٍ : وهو المرتحل.
(3)    تراثهم : أصلها وراثهم ، وهو : الإرث. (4) جائحة: آفة.


 شاربون،ولسَبيلهم سالِكُون.عبادَ الله، فاتَّقوا الله وراقِبُوا، واعملوا لليومِ الذي تُسَيّر فيه الجبال، وتُشَقَّق السماءُ بالغمام، وتَطَايَر الكُتُب عن الإيمان والشمائل، فأيُّ رجلٍ يومئٍذ تُراك؟ أقائل: هاؤم اقرؤوا كتابيَه؟ أم : يا ليتني لم أوت كتابيَهْ؟)
6-الاستنكار: مثال قول داود بن عليٍّ في خُطبة له بالمدينة المنوَّرة:
( أيُّها الناسُ حتّام يهتِف بكم صريخُكم؟ أما آن لراقدكم أن يهُبَّ من نومه؟" }كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ( أغرَّكُم الإِمْهال حتى حسبتموه الإِهْمال...)
7-التعجُّب:مثال قول أحد الخطباء في خطبة له:
( ما أجلَّ القلوبَ حينَ تَسْتضيء بنور الإيمان! وما أعظمَ الُّنفوسَ حين تستقيم على هَدْي القرآن! فليس كالِإيمان نور يُضيء فيكشف ظُلُماتِ الغَيِّ والضَّلال، وليس كالقرآنِ منهاجُ يَنْجو به العبدُ من التواءِ مسالك الحياة).
 التشويق:مثال قول الرسول $ :
( ألا أدلُكم عل شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
ومثال قول سيِّدنا عليِّ رضي الله عنه في خُطبه له:
( ألا أُنبِّئكم بالعالمِ كلِّ العالم؟ من لم يُزيِّن لعباد الله معاصي الله، ولم يؤمنهم مكره، ولم يؤْيِسْهم من رَوْحه).
وهناك ألوان أخرى للأُسلوب:
كالعرض ـ والحضّ ـ والتهكم ـ والاستهوال ـ والتوبيخ ـ والنداء ـ والتمني ـ والدعاء ـ والترجيّ...
ويحسن بنا في نهاية المطاف أن نذكر شاهداً خطابيّاً واحداً يشتمل على أساليب متنوِّعة.
خَطَب سيِّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال:
(إنّ لكلِّ سَفَرٍ زاداً لا محالة، فتزوَّدوا من دنياكم لآخرتكم التقوى، وكونوا كمن عاين ما اعدّ اللهُ له من ثوابه وعقابه، فترْهَبُوا وتَرْغبوا، ولا يطولَنَّ عليكم الأمد فتقسوَ قلوبُكم، وتنقادِّوا لعدوِّكم فإنَّه ـ والله ـ ما بُسِط أملُ من لايدري لعلَّه لا يصبح بعد إمسائه أو يمسي بعد إصباحه، وربَّما كانت بين ذلك خطرات المنايا، وإنَّما يطمئنُّ إلى الدنيا من أمن عواقبها، فإنّ من يداوي من الدنيا كَلْماً أصابت جراحةً من ناحية أُخرى، فكيف يطمئنُّ إليها؟
 أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي، وتظهر عَلْيتي وتبدو مسكنتي في يومٍ لا ينفع فيه ألاّ الحقُّ والصِّدْق).
نلاحظ في هذه الخُطْبة البليغة عدّة ألوانٍ للأُسلوب الذي انتظم معانيها، هي:
1-الإِخبار: في قوله :( إنّ لكلِّ سَفرٍ زاداً لا محالة، وإنَّما يطمئنُّ إلى الدنيا من أمن عواقبها).
2-الأمر: في قوله تعالى) فتزوَّدوا من دنياكم لآخرتكم التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدَّ الله له من ثوابه وعقابه).
3-النَّهْي: في قوله( ولا يطولَنّ عليكم الأمد...).
4-القسم: في قوله تعالى( فإنّه ـوالله ـ ما بُسِط أملُ من لا يدري لعلَّه....)
5-الاستفهام الإنكاريّ: في قوله ) فكيف يطمئنُّ إليها؟).
سُبل تقوية الأسلوب الخطابي
ذكرنا مسبقاً أن الأسلوب يتألَّف من الألفاظ والتراكيب التي يسوق المتكلِّم أو الكاتب عبرها أفكاره ومعانيه. وبقدر ما يكون اختيار الألفاظ مناسباَ، وصياغة التراكيب محكمةً، يكون الأسلوب قويّاً متيناً.
ونقصد بالألفاظ والتراكيب ـ هنـا ـ الألفاظَ والتراكيبَ العربيَّة الأصلية البريئة من الغريب والدخيل والعاميِّ المرذول.
فاللغة العربية الفصحى(1) هي أُسُّ الأسلوب وعماده وبها تكون قوته وعزته فإذا تسللت إليه لغة غيرُ الفصحى، كانت سبباً في هدم بنائه وتقويض أركانه.
فقُوَّة الأُسلوب الخطابيِّ تستند إلى مدى اصطباغه بصبغة العربية الأصلية وتحليه بخصالها الكريمة في أداء المعاني والتعبير عن الأفكار.
فوجب على الخطيب في سبيل تقوية أسلوبه أن يرجع على مصادره.
= العربية الفصحى غيرها من لغات العالم.
تُعَدّ اللُّغة العربية من أفضل لغات العالم وأدقِّها في التعبير عن المعاني التي تجول في الخواطر، وتتمخََّض عنها الأحاسيس والمشاعر إذ ربّما تعجز لغة أخرى عن الإفصاح عن كلِّ ما يثور في خاطر الإنسان من المعاني ويجيش في أعماقه من المشاعر وهذا ما نجده في كثير من نصوص الأدب الغربيِّ أو الشرقيِّ بخلاف العربيّة الفصحى، فإنهّا تستوعب كلِّ المعاني والأفكار والعواطف التي تفيض بها القلوب وتغدقها قرائح العقول . فيستطيع الناطق بالعربيَّة  أن يتخيَّر منها اللفظ المناسب والتركيب الملائم للفكرة التي يريد التعبير عنها بلا مشقَّة أوعناء. فهي لغة مرنة سَلسِة بقدر ما هي جليلة عظيمة وهي لغة دقيقة محكمة بقدر ما هي جميلة رائعة. وإنّ من أبرز دلائل جلال قَدْرها ومحكم بنائها ودقَّة تعبيرها وروعة سبكها وجمال بيانها أنَّ الله سبحانه وتعالى اختارها من بين لغات خلقه لتكون لغة كتابه المنزَّل وبيانه المحكم الذي قال عنه جلَّ ذكره:
) إنّآ أَنَزَلْنَاهُ قُرءَاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُم تَعَقِلُون( (يوسف:2)
} وَكَذِلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبيّاً(( الرعد :37)
) كِتَابُُ فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(( فصلت:3)
} وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الروُّحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِيِنَ. بِلِسَانٍ عَرَِبيّ   مُّبِينٍ.(( الشعراء:192:195)
كما أنَّ من دلائل ذلك أن جعلها الله لسانَ أفضل الناطقين وخير المتكلِّمين مَنْ وَصَفَ نَفْسه بقوله" أوتيت جوامع الكلم" ( رواه أحمد)، إنّه محمد رسول الله  $ الذي خضعت له الكلمات وذلِّت بين يديه العبارات فهو يقودها كما يشاء ويستعملها كيفما يريد.
ولو اطلع أحد على التراث اللُّغويّ الهائل الذي بلغنا عن العرب منذ مولد اللُّغة العربيَّة وإلى يومنا هذا، لوجد من خلال نثر الأُدباء وشعر الشعراء وبيان الخُطباء = أنّه ليس ثمَّةَ لغة تفوق العربيَّة في روعة البيان ودقَّة التعبير والسَّعة والشمول لمختلف حاجات الناس البيانيَّة في شتّى العصور والأحوال فحدا ذلك بالكثيرين من غير العرب إلى الِإعراب عن إجلالهم للعربيَّة الفصحى بأوضح الكلمات وأصدق العبارات كالبيرونيِّ الفارسيِّ الذي قال :( لأن أُهجى بالعربية أحب إليّ من أمدح بالفارسية).( من كتاب" نحو وعي لغويّ" د. مازن مبارك.)
 وأمّا ما تمتَّعت به العربيَّة الفصحى من حيويَّة وعطاءٍ متجدّد في عالم الألفاظ والمعاني اندفع الشاعر العربيُّ الكبير حافظ إبراهيم إلى نظم قصيدة رائعة أجراها على لسان اللغة العربية قال فيها:
وسعتُ كتابَ الله لفظاً وغايةً    وما ضِقْتُ عن آي به وعظاتِ
فكيف أضيق اليوم عن وصفِ آلةٍوتنسيق أسماءٍ لّمخترعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامنُ       فهل ساءلوا الغوّاص عن صدفاتي.
وإذا حازت اللغة العربيَّة هذا المنصبَ الكريمَ والمقام الجليل، وأصبحت خير لغات العالم على الإطلاق فقد وجب على كُتّاب العربيَّة ومتكلِّميها إزاء ذلك أن يُعنَوا بها عنايةً لا يُعدَل عنها، ولا يُدرك شأؤها وألاّ يدعوا مجالاً للدخيل مهما كان شأنه أن يندس فيما يكتبون أو يتكلِّمون ولا عذر لهم إن قالوا:( حاجة العصر تقتضي تناوله على ما هو عليه) .
أمّا إنَّ لغتنا العربيَّة قادرة بما تمتَّعت به من خصائص على أن تُمدَّنا بكلِّ ما نحتاج إليه من الألفاظ والتراكيب للتعبير عن كلِّ شيء جديد يظهر في حياتنا.
اللغة العربيَّة ومنابعها الصافية ليستمدَّ منها زاده اللُّغويّ ويأخذ حاجته من الألفاظ والتراكيب.
أهم مصادر العربيَّة الفُصحى
والقرآن الكريم هو من أهم مصادر اللغة العربيّة وأعلاها وذروة سنامها، فمن عُني بتلاوته وأكثر منها وحرَص على أن يحفظ كثيراً من آياته وسوره فيستقيم لسانه ويحسن بيانُه، ويجمُل منطقه، ويُسدّد قولُه وتغزُر لغتُه وتُشرق فكرتُه، ويجزُل رأيُه وينصع فهمُه وخاصَّة إذا أحسن تلاوة القرآن، فأدّاها كاملة الخصائص والصفات، لأنّ القرآن الكريم بلغ في الفصاحة والبلاغة الدرجة العليا والغاية القصوى، فهو يعلو ولا يُعلى عليه، وكلُّ كلام سواه مهما سما فصاحةً وبياناً ينحطٌّ عن رتبته ويقصّر عن بلوغ درجته، ولقد أثنى الله تعالى عليه بقوله:
}للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً(بقوله:)وَإنّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍ مُّبِيِنٍ(
 وتكفينا آية من كتاب الله تكشف النقاب عن هذه الحقيقة الجليلة التي تمتَّع بها القرآن دون سائر الكلام، إنَّها قوله تعالى:) إِنَّ هَذَا الْقٌرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتيِ هِيَ أَقْوَمُ( (1)
 فلقد أطلق الله الهداية في القرآن، ولم يجعلها في مسار معيَّن ولا في اتجاه محدَّد وإنمّا هي هداية شاملة لجميع مناحي الحياة، وهي ليست هداية عاديَّة ذات أُفق محدد وبُعْد معيَّن وإنّما هي هداية ترتقي إلى أعلى مستوياتها، وتبلغ أسمى معانيها. واللّسان هو أحد منطلقات هداية القرآن، فمن قرأه وحفظه وفهمه بلغ به الأقوام في الفصاحة والبيان.
وهناك مصادر أخرى نذكرها في ما يلي
1-الحديث النبويُّ الشريف:
لقد أختصّ الله تعالى رسوله النبيَّ الأًُميَّ محمداً عليه الصلاة والسلام دون سائر المتكلِّمين من خلقه ببلوغه ذروة الفصاحة وأعلى درجات البلاغة، فانطلق لسانه الشريف بالبيان الرائع والكلام المعجز فكان حقّاً كما قال عن نفسه " أوتيت جوامع الكِلم"(1 رواه احمد)
لذا تُعتَبر الأحاديث النبويَّة الشريفة التي تتكوَّن من كلامه عليه الصلاة والسلام المصدرَ الثانيَ بعد القرآن الكريم للُّغة العربية الأصيلة.
فمن أراد أن يُسدِّد لسانه، ويُحسِّن بيانه، ويُجمّل منطقه، ويُطلِق حديثه في المسالك اللُّغويَّة المتوازنة المؤثِّرة، فعليه أن يعكُف على أحاديث الرسول$ فيقرأَها قراءةَ المتدبِّر الواعي، ويحفظ منها الكثير حتى يصطبغ منطقُه بصبغتها السامية الرفيعة ويتحلّى بخصالها الكريمة، ويستقيم لسانه على نسقها المحكَم المبين وبيانها الرائع المنير. وخاصَّة خُطَبَ الرسول عليه الصلاة والسلام، فهي أعظم زادٍٍ بيانيٍّ وأنفع غذاءٍ فِكريّ لكلِّ خطيب أراد الصعود إلى أعلى مراتب القدرة الخطابيَّة وأرفع درجات الروعة البلاغيّة.
 -كلام الصحابة رضي الله عنهم:
فهم أقرب الناس إلى عظمة البيان النبويّ إذ أصغَوا بقلوبهم وعقولهم ومشاعرهم إلى حديث الرسول$ ونقلوه إلى الجيل من بعدهم فاكتسبوا إلى جانب ما رُزِقوا من فصاحة اللّسان وجمال البيان قوةّ في التأثير ودقّةً في التعبير وسعة في الخيال وسموّاً في المقال فأضحوا مصدراً موثوقاً من مصادر اللُّغة العربيَّة الفصيحة، ومورداً من أصفى مواردها ونخصّ بالذِّكْر من كلامهم الخُطَبَ التي ألقاها كبار الصحابة الكرام في مختلف المناسبات فهي زاد ثمين لكلِّ خطيب ابتغى دعم أسلوبه بقوَّةٍ بيانيَّةٍ عاليةٍ مؤثِّرة فلقد كان من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كلٌّ خطيب مفوًّه ومتحدِّث مِسْقَع، وخاصّةً الخلفاء الأربعة، وحَسْبنا منهم سيّدنا عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه الخليفة الرابع وابن عم ّالرسول $ الذي نشأ في أحضان النبوَّة منذ نعومة أظفاره إلى أن غدا شابّاً يافعاً، وأضحى فارساً شجاعاً لا يُشَقُّ له غُبار، ولا تلين له قناة، ولا تضعف له عزيمة، وخطيباً لامعاً قد آتاه الله من فصاحة الِّلسان وسحر البيان ما تقصِّر عنه فصاحة الفُصَحاء، وتنحطُّ عنه بلاغة البُلَغاء وتتطامن أمامه براعة الأدباء، ويتضاءل عنده منطق الشعراء، فلا يجاريه خطيب في قُوّة التأثير ولا يضاهيه أحد في حسن الأسلوب وجمال التعبير (1)
فخليق بكل من أراد بلوغ أرقى المنازل في حقل الخطابة أن يجعل من خطب الصحابة الكرام وكلامهم رائداً له في هذا الميدان الجليل والمضمار العظيم وهادياً يهديه إلى تحقيق غايته وتحصيل بغيته.
(1)لا يعني كلامنا هذا الغضّ من قدر بقيَّة الصحابة الكرام في قُدرتهم البيانيَّة وقوَّتهم الخطابيَّة وبراعتهم اللِّسانيِّة، ولكننا اقتصرنا على ذكر سيدنا عليٍّ رضي الله عنه لكثرة ما ورد عنه من الخُطَب .
3-كلام التابعين وتابعيهم:
وهم يأتون في درجة قوّة البيان وفصاحة اللِّسان بعد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولقد ظهر فيم كبار الفصحاء وأجلُّ البلغاء وأقوى الخطباء، من طارت بشهرتهم الأخبار وحارت في روائع بيانهم الأفكار، وأغار ذكرهم في الناس وانجد فوصل إلينا من فيض عقولهم وسحر مقالهم وبديع خطبهم ما يُذْكي العقول، ويصقل القرائح، ويطلق الألسنة بأطيب الحديث، وروائع البيان، وجميل الخطاب.
وإذا أردنا أن نعدِّد منهم أُناساً، نذكر أسماءً كان أصحابها مشاعل الهداية وحُداة الركب في مضمار الدعوة إلى الله رب العالمين فنذكر منهم : الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما.
كما لا ننسى في معرض حديثنا هذا خطباءَ ظهروا في ذلك العهد كان لهم شأن عظيم ومنزلة خطيرة وإن خالط حياتهم أموراً لا نزيد فيها على أن نقول بقول الله تعالى:} تِلْكَ أُمَّةُ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسَئُلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( فنذكر منهم : قطريَّ بن الفجاءة، وأبا حمزة الشاريَّ والحجّاج بن يوسف الثقفيَّ.
فلقد خلَّف هؤلاء إرْثا خطابيّاً رائعاً، حريُّ بخطباء زماننا أن يرجعوا إليه ليقتبسوا منه الأساليب الجيّدة والتعابير الجميلة ويحفظوه وينتهجوه.
إنّ ما جاءنا عن العرب قبل الإسلام وبعده من النثر والشِّعر يُعدّ مورداً ثرّيا من موارد الفصاحة والبيان، فالشِّعر يمتاز بروعة التصوير وسعة الخيال وجمال الصياغة والنثر له خصائصه التصويرية الرائعة وأساليبه التعبيرية البديعية، وكلاهما زاد لغويّ وفير يفتقر إليه مريد الخطابة ليستمد منه الألفاظ والتراكيب وألوان الأساليب ويرجع بفائدة ذلك على خطبته حيث تظهر ثمرته في روعة بيانها وجمال أسلوبها ودقة تعبيرها وحسن أدائها.ولقد حفلت كنب الأدب وتأليف اللُّغة العربية الفُصحى برصيد وافر من النصوص النثريَّة والشِّعْريَّة التي تمدُّ الخطباء والأدباء والكُتّاب والشعراء من أهل زماننا، ومن يأتي بعدنا بما يحتاجون إليه من المعاني والألفاظ والأخيلة ومسالك الكلام.
فجدير بالخطيب الذي يحرص على امتلاك قوَّة التأثير والقدرة على حسن التعبير أن يطّلع على تلك ويحفظ اكبر قَدْرٍ ممكن منها
وإليك في ما يلي أهمَّ هذه الكتب قديماً وحديثاً:
1-البيان والتبيين،للجاحظ.
2-العقد الفريد،لابن عبد ربّه.
3-الأمالي، لأبن عليّ القاليّ
4-الكامل للمبرّد
5-زهر الآداب للقيرواني
6-صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندىّ.
7-نهاية الأرب،للنويري
8-عيون الأخبار لابن قتيبة
9-المثل السائر لابن الأثير
10-كشف المعاني والبيان عن معاني بديع الزمان لإبراهيم أحمد أفندي.
11-من وحي القلم،لمصطفى صادق الرافعيّ
 ونضيف إلى جانب ذلك كتب ورسائل المنفلوطيِّ والعقّاد والمازنيِّ والزيّات وغيرهم من كبار أُدباء وكتّاب عصرنا الحاضر.
ولا ننسى عيون الشعر العربيِّ القديم والحديث، كشعر أبي تمّام والبحتريِّ والمتنبيّ وشعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والباروديّ وما أُلّف حديثاً من مختارات الشعر والأدب وما اختصّ بجمع روائع الخطب.
الاستشهاد في الخطبة
تعريفه
هو الإتيان بنصِّ( قرآنٍ أو حديثٍ) أو قولٍ( منثورٍ أو مظلومٍ) أو قصّه يؤيِّد به الخطيب رأيه، ويقوِّي حُجَّته، ويدعم قوله، ليكون أقدر على إقناع السامعين وكسب ثقتهم والتأثير في نفوسهم. أهميَّته ومكانته
إنَّ أيَّة فكرة يودُّ أن يطرحها إنسان ما على جمهور من الناس لا تجد وَقْعاً في نفوسهم وقَبُولاً كاملاً في عقولهم ما لم يدعمها ويعضدْها بالشواهد المناسبة التي تستحوذ على ثقتهم، وتكسب قناعتهم واطمئنان قلوبهم، لأنَّ الشاهد المناسب الذي لا تختلف عليه العقول، ولا تختصم فيه المفاهيم يُعتبر قوَّةَ تَرْسيخٍ وتثبيت للأفكار والمعاني الملقاة على أسماع الناس وأذهانهم فيكونون بها أشدَّ اهتماماً وأكثر اعتداداً، وذلك لأنَّ ثقة الناس تتفاوت بتفاوت منزلة المتكلِّمين فإذا كان المتكلِّم شخصاً عادياً أو ذا منزلة بسيطة في الناس، فإنَّه يُضطرُّ لكسب ثقة السامعين بقوله إلى أن يؤيِّده بكلام من تشتدّ ثقة الناس به. وثقة الناس أيضاً تتدرَّج بتدرُّج منزلة من ينسب إليه القول المستشهد به.فكلام الله سبحانه يحتلُّ المنزلة العُليا في ثقة الناس واعتقادهم، لأنَّه الحقُّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، ويستحيل أن يتطرَّق إليه أدنى تبديل أو تحريف،لأنّ الله سبحانه وتعالى قال:
)إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (1).
وقال :" وَإِنّهُ لَكِتَابُ عَزِيزُ. لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلُ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ."(2). وحيث رسول الله $ ينزل في المحلِّ الثاني بعد القرآن الكريم في ثقة الناس وتصديقهم لقوله تعالى:} وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيُُ يُوحَى.( (3).
 وأمَّا أقوال الصحابة والسلف الصالح وأرباب المذاهب الإسلاميَّة المعتبرة فإنَّ ثقة الناس بها تفوق ثقتهم بأقوال علماء زمانهم ومفكّري عصرهم.
شروط الشاهد
أن يكون مناسباً للفكرة المستشهد عليها به:
فإذا لم تتَّفق فكرة الشاهد مع الفكرة المستشهد به عليها فلا يُعدُّ الاستشهاد به صحيحاً لأنَّ الغرض من سَوق الشاهد ـ كما تقدَّم معنا ـ هو دعم الفكرة التي يعالجها الخطيب وتأييدها به، وهذا لا يتحقَّق إذا جاءت فكرة الشاهد مخالفة لفكرة النصّ الخطابيّ.
وقد نجد بعض الخطباء أو الوعّاظ يقعون في مثل هذا العيب فيستشهدون على كلامهم بنصوص من القرآن أو الحديث أوكلام السلف ولا نجد أيّ ارتباطٍ بين ما يقولون وبين الشاهد الذي يأتون به وأحياناً يستشهد بعضهم على فكرته بما يناقضها ومردُّ ذلك إلى جهله بالمعنى المراد من الشاهد.
ومن أمثلة الخطأ في الاستشهاد:
أنَّ احد الخطباء كان يتحدَّث عن مسؤوليَّة الإِنسان في مجتمعه، فقال أثناء خُطبته:
( إنّ كلَّ فرد من أفراد المجتمع المسلم مسؤول عن نفسه لا علاقة له بغيره إن ضلّ أو اهتدى لأنّ الله تعالى قال في كتابة:" }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (. فاستشهد ذلك الخطيب على حدود مسؤولية الإنسان المسلم في مجتمعه بهذه الآية القرآنيّة التي لا نجد أنّها قد وضعت في مكانها المناسب، إذ لا يعني مضمونها ـ كما ذهب إليه الخطيب ـ أن لا علاقة للمسلم بما يجري في مجتمعه من انحراف المنحرفين وإفساد المفسدين فهو مسؤول عن نفسه فقط بأن يقيمها على منهج الله ولو انحراف الناس من حوله، وتخبَّطوا في ظلمات الشرّ والعصيان. وإنما تحمل هذه الآية الكريمة في كل كلمة من كلماتها توجيهاً للمؤمنين إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنّهم جسد واحد، وأيّ انحراف يقع فيه فرد منهم فسوف يتطرَّق إِلى غيره حتى يعمّ المجتمع كلّه إذا لم يُنه ذلك المنحرف عن انحرافه، ويؤخذ على يده . وهذا هو منهج الإسلام في حراسة المجتمع وصون القاعدة الأخلاقيَّة في حياة أفراده، وحسبنا أن نقرأ تأكيد ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام حين قال:
" من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(1).
 ويمكننا أن نقرأ التفسير الصحيح لهذه الآية تأكيداً لما ذكرناه في ما جاء عن سيّدنا أبي بكر رضي الله عنه حيث قال:
---------------------
 الحجر: آية9. (2)فصلت: آيتان41:42 (3) النجم: الآيتان3-4


( أيّها الناس إنّكم تضعون هذه الآية : " )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ((2) المائدة: آية105
على غيرها موضعها، وإنيّ سمعت رسول الله $ يقول :( إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيّرونه يوشك الله عزّ وجلَّ أن يعمَّهم بعقابه"(3) رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حيان في صحيحه. وعندما سأل أبو ثعلبة الخشني رسول الله $ عن معنى هذه الآية قال له : " يا أبا ثعلبة، مر بالمعروف وانه عن المنكر" (4) رواه البيهقيّ.
فيتّضح لنا بهذا الخطيب قد اخطأ في فهم المراد من هذه الآية وحَملَها على غير معناها الصحيح. فيجب على المتكلِّم حين يذكر شاهداً ما يؤيِّد به فكرته أن يدرك مدى الارتباط بين ذلك الشاهد والفكرة التي يتحدَّث عنها من هو أقوى مكانة وثقة في نفوس أولئك المستمعين من المتكلم بتلك الفكرة. (1)
 (1) ويدخل في هذا الباب أغاليط المفسِّرين وبِدَع التفسير التي تتعارض مع تصوّرات العقيدة الإسلامية وتخالف التشريع الإلهي واتِّجاهات الفكر الإسلاميّ السديد من ذلك ما ورد في تفسيرٍ نسب إلى الشيخ محي الدين بن العربيّ لرحمه الله تعالى أنّ معنى قوله تعالى) إنَّ الََّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُم أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وِعَلَى أَبَصَارِهِمْ غِشَاوَةُ وَلَهُمْ عَذَابُ عَظِيمُ.(
يا محمد إنّ الذين كفروا: ستروا محبتهم فيَّ عنهم فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلت به أم لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك فإنّهم لا يعقلون غيري وأنت تنذرهم بخلقي وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم فلم اجعل فيها متَّسعاً لغيري وعلى سمعهم فلا يسمعون كلاماً في العالم إلاَّ منِّي وعلى أبصارهم غشاوة من بهائي عند مشاهدتي فلا يبصرون سواي، ولهم عذاب عظيم عندي، أردهم   بعد هذا المشهد السنيّ إلى إنذارك، وأحجبهم عني كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قُرْباً، أنزلتك إلى من يكذِّبك ويردّ ما جئت به إليه منِّي، في وجهك وتسمع فيّ ما يضيق له صدرك فانظر كيف أخفى سبحانه أولياؤه في صفة أعدائه، وذلك لما أبدع الأمناء من اسمه اللطيف وتجلّى لهم في اسمه الجميل فأحبوه تعالى والغَيْرة من صفات المحبَّة في المحبوب، والمحبّ بوجهين مختلفين، فستروا محبته غيرةً منهم عليه وسترهم بهذه الغَيْرة عن أن يعرفوا، فقال تعالى) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا(، أي : ستروا ما بدأ لهم في مشاهدتهم من أسرار الوصلة، فقال :لابدَّ أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي فتأهَّبوا لذلك، فما استعدوا فأنذرتهم على ألسنة أنبيائي الرسل في ذلك العالم وكان الحب قد استولى على قلوبهم سلطانه غيره من الحق عليهم في ذلك الوقت فأخبر نبيه روحاً وقراناً بالسبب الذي أصمهم عن إجابة ما دعاهم إليه فقال: )خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوِبِهم( فلم يسعها غيره، )وَعَلىَ سَمْعِهِمْ( فلا يسمعون سوى كلامه على ألسنة العالم فيشهدونه في العالم متكلّماً بلغاتهم )وَعَلَى أَبْصَارِهِم غِشَاوَةٌ( من سناه إذ هو النور وبهاؤه إذ له الجلال والهيبة، فأبقاهم غرقى في بحور اللذّات بمشاهدة الذات، فقال لهم لابدّ لكم من )عَذَابُ عَظِيمُ ( وجاء في بعض التفاسير: أنّ منى قوله تعالى: )كلّم الله موسى( جرَّحه، مأخوذ من الكَلْم بسكون اللام وهو الجرح، ولا شكَّ في بطلان هذا التفسير لمخالفته السياق. ومن أمثلة هذا التخبُّط أيضاً أنّ احد المتكلِّمين في احتفال ضمَّ لفيفاً من التجَّار وأصحاب الأموال استشهد على مضاعفة الأرباح في التجارات والبيوع بقوله تعالى)مَّثَلُ الَّذِينَ يُنِفقُونَ أَمْوَالَهُمْ فيِ سَبِيِل اللهِ كَمَثَل حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبْعَ سَنَابِلَ فيِ كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ واللهُ يُضَاعِفُ لِمنَ يَشَآءُ واللهُ وَاسِعُ عَلِيمُ( .
ولا يخفى على أبسط المسلمين وأقلِّهم ثقافة أنَّ هذه الآية تتحدَّث عن التصدُّق والإنفاق في سبيل الله وما أعدَّ الله لعباده المنفقين والمتصدِّقين في سبيله من مضاعفة الأجر والثواب وليس فيها أدنى إشارة على التجارة والبيع ومضاعفة الأرباح كما ذكر المتكلِّم. ولقد صُنِّفت كتب تحذِّر من تلك التفاسير الباطلة والتأويلات المنكرة، منها كتاب "بِدَع التفاسير" لأبي الفضل عبد الله محمد الصديق الغماريّ، فمن أراد التوسُّع في هذا الباب فليراجع ذلك الكتاب.
--------------------------------------------------
3-ألاّ يكون الشاهد طويلاً حتى لا يصرف السامعين عن الموضوع الأصليّ :
فهناك من الخطباء من يتوسَّع في شواهد خطبته إلى حدِّ طغيان تلك الشواهد على أفكار موضوعه، فتجده يستشهد على فكرته بشاهد قرآنيٍّ أو حديث نبويّ شريف ثمَّ يأخذ في تفسير ذلك الشاهد وبيان المعاني العديدة التي يفيض بها فإذا بالشاهد يجتاح معظم الخُطبة، ثمَّ يصبح غايةً يبحث الخطيب فيها بعد أن كان مجرَّد شاهدٍ سيق تأييداً لفكرة الموضوع، فينجم عن ذلك انصراف السامعين عن فكرة الخطبة الرئيسيَّة واهتمامهم بالشاهد ملتفتين إلى المعاني والِإشرافات التي تدفَّقت منه.
ومن هذا القبيل أن يسوق الخطيب قصّة مستشهداً بها على فكرةٍ معينّة، ثمَّ يأخذ في تفصيل حوادث القِصّة والوقوف على فقراتها مستنبطاً مسترشداً، ثمَّ يستشهد على ما استنبطه من أفكارٍ بشواهد أخرى فيخرج من القصَّة ويدخل في قصَّة أخرى فينشأ عن ذلك ضياع المستمع عن الموضوع الأصلي وربّما يضيع الخطيب نفسه عن فكرة خطبته ويضلُّ طريقها إذا ما استغرق في تفصيل أحداث القصّة وشواهدها فلا يستطيع الرجوع إلى تلك الفكرة فينتُج عن ذلك اضطراب الخطبة وتمزُّقها وحرج الخطيب نفسه وحيرة السامع وفوات الفائدة المقصودة.
4- أن يكون الشاهد صحيح الوقوع، قويَّ الورود عن أصحابه:
فلا يصحّ الاستشهاد بالقصص الخُرافيَّة والمكذوبة، ولا بالأحاديث الموضوعة ولا بالضعيفة في المواضع التي لا يقبل فيها الاستشهاد بالضعيف ،ولا بالأقوال التي لم تثبت نسبتها إلى أصحابها، فيجب على الخطيب أن يتحرَّى الشاهد تماماً، ويتأكَّد من صحَّةِ وروده وصِدْق حدوثه قبل أن يذكره في موطنه من الخُطبة.
وسوف نفصِّل هذا الشرط ونوضِّح معالمه عند ما نتحدث أنواع الشاهد .
1-أن يكون الخطيب متين الحفظ للشاهد دقيقاً في نقله وإلقائه:
لأنّ أيّ تغيير يطرأ على الشاهد أو نسيان لفقرة منه أو كلمة قد يؤدّي إلى عدم تحقّق فائدته ويفقد قوّة تأثير في النفوس وخاصَّةً الشاهد القولي.
ولتفادي الوقوع في مثل هذا الأمر يُسْتَحسن من الخطيب أن يتأكَّد من قوة حفظه للشاهد وقدرته على أن يؤدّيه كاملاً دون أيّ نَقْض أو تغيير يؤثِّر في تحقيق فائدة ذِكْره وإلاّ فللخطيب أن يسجِّل ذلك الشاهد على ورقه فيتمكَّن من ذِكْره بحذافيره دون أي نقص أو تغيير وخاصّة إذا كان نصًّا قرآنياً أو حديثاً نبويّاً أو قولاً مأثوراً أو كلمةً لمفكِّرٍ إسلامي أو عالم كونيّ ولا يتحرَّجنّ من فعل ذلك فهو ليس عيباً في خطبته يستحقُّ عليه النقد أو العتاب.
أنواع الشاهد
للشواهد أنواع عدّة نذكر في ما يأتي أهمّها:
(أ‌)لقرآن الكريم:
يُعتَبر القرآن الكريم من أعظم وأقوى واهم مصادر الاستشهاد على الإِطلاق إذ هو الحُجَّة الكبرى، والحقُّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والدستور الإلهيّ المبين الذي أنزل الله سبحانه على قلب حياله العقل البشريُّ مذهولاً متعجِّباً متسائلاً: كيف تمكَّن القرآن الكريم من كشف تلك الأسرار والدقائق الكونيَّة المعجزة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، بينما نجد العقل البشريّ ما يزال يعاني في زماننا من كثير من العقبات التي تقف في وجهه، فتحُول ما بينه وبين معرفة كثير من أسرار الكون وما يتمكَّن من معرفته من تلك الأسرار لا يتعدَّى أن يكون قطرة من بحر لُجِّيٍّ لا ساحل له أو ذرّة من صحراء مترامية الأطراف.
 فالقرآن الكريم كفيل بان يكون أوثق وأصدق مصدر يُخبرنا عن تلك الحقائق والأسرار التي استصعب العقل البشريُّ اختراقها والنفاذ إلى بواطنها إلاّ بعد جهود فكريّة كبيرة وأبحاث واسعة. بل هو كفيل بأن يكون أوثق مصادر الدقائق والمعارف المتعلّقة بشتى أحوال المخلوقات في مختلف مجالات الحياة. ولقد أشار الله تعالى إلى تلك الحقيقة القرآنية المذهلة بقوله تعالى: )وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (الأنعام38
والاكتشافات الحديثة التي تمخَّضت عنها جهود علماء الكون في عوالم المخلوقات الأرضيّة والسماويّة التي تطامنت أمامها العقول، واهتدت بنورها القلوب رغم تشعُّب مِلَلِها وتعدّد مذاهبها(1) .
--------------------------------------------
(1)ذكر الدكتور عناية الله المشرقيّ الهنديّ واقعة حدثت معه قال فيها:
( كان ذلك يوم الأحد من أيام سنة 1909م ، وكانت السماء تمطر بغزارة، وخرجت من ببيتي لقضاء حاجة ما، فإذا بي أرى الفلكيّ المشهور السير جيمس جينز ـ الأستاذ بجامعة كمبردج ـ ذاهباً إلى الكنيسة والإنجيل والشمسيَّة تحت إبطه فدنوت منه وسلمت عليه فلم يردّ عليّ فسلّمت عليه مرّة أخرى فسألني: (ماذا تريد منيّ )، فقلت له( أمرين يا سيدي! الأوَّل هو أنّ شمسيَّتك تحت إبْطك رغم شدَّة المطر) فابتسم السير جيمس، وفتح شمسيّته على الفور، فقلت له:( وأمّا الأمر الآخر فهو: ما الذي يدفع رجلاً ذائع الصيت في العالم ـ مثلك ـ أن يتوجَّه إلى الكنيسة؟)، وأمام هذا السؤال توّقف السير جيمس لحظة، ثم قال : ( عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي).
 وعند ما وصلت إلى داره في المساء خرجت ( ليدي جيمس) في تمام الساعة الرابعة بالضبط وأخبرتني أنّ السير جيمس ينتظرني.
وعند ما دخلت عليه في غرفته وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوعة عليها أدوات الشاي. وكان البروفسور منهمكاً في أفكاره، وعند ما شعر بوجودي سألني) : ماذا كان سؤالك ؟) ودون أن ينتظر ردّي بدا يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية ونظامها المدهش وأبعادها وفواصلها الّلامتناهية وطرقها ومداراتها وجاذبيتّها وطوفان أنوارها المذهلة حتى إنّني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله وأما ( السر جيمس) فوجدت شعر رأسه قائماً والدموع تنهمر من عينيه ويداه ترتعدان من خشية الله وتوقف فجأة ثم بدأ يقول: يا عناية الله! عند ما أُلقي نظرة على روائع الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهيّ،= وعند ما اركع أمام الله وأقول له (إنك عظيم) أجد أنّ كلّ جزء من كياني يؤيِّدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين، وأحسّ بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرّة، أفهمت يا عناية الله خان، لماذا أذهب إلى الكنيسة؟).
ويضيف العلامة عناية الله قائلاً: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفاناً في عقلي وقلت له:"يا سيّدي لقد تأثرت جدّاً بالتفاصيل العلميّة التي رويتموها لي، وتذكَّرت بهذه المناسبة آية من آي كتابي المقدَّس فلو سمحتم لي، لقرأتها عليكم" فهزّ رأسه قائلاً:( بكل سرور) فقرأت عليه الآية التالية:) وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدُ بِيضٌ وَحُمْرُ مُخْتَلِفُ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودُ. وَمِنَ الْنَّاسِ وَالَّدوَآبِّ وَالْأنَعَامِ مُخْتِلفُ أَلْوَانُهَا كَذَلِكَ إنّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ( (فاطر :الآيتان27-28).
فصرخ السير جيمس قائلاً: ماذا قلت ؟ إنّما يخشى الله من عباده؟! مدهش وغريب وعجيب جدّا!! إنَّ الأمر الذي كشفت عنه بعد دراسة ومشاهدة استمرَّت خمسين سنة من أنبأ محمّداً به ؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟لو كان الأمر كذلك فاكتب شهادة منّي أنّ القرآن كتاب موحى من عند الله.
ويستطرد السير جيمس جينز قائلاً لقد كان محمد أمِّيّاً ولا يمكنه أن يكشف عن هذا السرّ بنفسه ولكنّ الله هو الذي أخبره بهذا لسرّ. مدهش... وغريب .. وعجيب جدّا). آه. من كتاب "الإسلام يتحدّى" لوحيد خان.
----------------------------------------------
فكم من مفكر ملحد أخضعته الحقيقة القرآنية لسلطانها وساقته إلى نور الإيمان بها فبات بعد كفره من المؤمنين وخُدّام رسالة القرآن. فكم من حائر متشكِّك أخرجه القرآن من ظلمات حَيْرته فيه وإرهاق تشكّكه, وهداه إلى صراط أوضح من الشمس لا ترى فيه عوجاً ولا أمتا. فلا حجة بعد حجة القرآن لأنه كلام الله الذي وصفه الله تعالى بقوله: )وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الشورى52.
وإليك في ما يلي طائفة من الأمثلة على الاستشهاد بالقرآن الكريم :
1-الاستشهاد على تكوين الإنسان وأطوار تخلُّقه في رحم أُمّه:
قال تعالى:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنَسانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فيِ قَرَارٍ مَّكِينٍ. ثُمَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنَشأْنَاهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحَسْنُ الْخَالِقِينَ(1:
2-الاستشهاد على قانون التوازن في الأرض:قال الله تعالى: )وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (النحل15
الاستشهاد على أسرار الأفلاك في السماء وأسرار الشمس والقمر والليل والنهار قال تعالى:
)إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( (2)وقال تعالى:) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيُر الْعَزِيز الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَاْلعُرْجُونِِ الْقَدِيمِ. الشَّمْسُ يَنبِغَي لَهَاَ أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اَّليْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُ فيِ فَلَكٍ يَسْبَحُون(. شروط الاستشهاد بالقرآن الكريم
1-الحفظ المتين للنّصِّ القرآنيِّ وعدم الخطأ في الكلمة والحرف والحركات:
إذْ أيُّ خطأ أو تغيير يطرأ على النصِّ القرآنيِّ في الكلمة أو الحرف أو الحركة سيؤدِّي إلى ضعف هيمنة ذلك النصِّ على نفس السامع وفقد قوّة تأثيره في قلبه خاصةً إذا كان المستمع عالماً بذلك النصِّ(1) ،حيث يترتَّب على ذلك اضطرابُ ثقته بالخطيب وضَعْف إقباله عليه، لأنَّه لم يحسن قراءة آية من القرآن، ولا ريب في أنَّ ثقة المستمع بالمتكلِّم أساس لتحقيق الانتفاع وحصول الفائدة حال الاستماع. قد يؤدِّي الخطأ في تلاوة النصِّ القرآنيّ في كلمةٍ منه أو حرفٍ أو حركةٍ إلى إفساد المعنى وقلب المراد منه، ونأخذ على سبيل المثال قوله سبحانه:
)وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ...( قَالُوا بَلَى. فإذا قرأ المتكلّم: قَالُواْ نَعَمْ بدلاً من : قَالُواْ بَلَى فعند ذلك يَفْسُد المعنى، لأنّ (نعم) جواب للإِثبات، ويصبح المعنى بها)نعم لست بربِّنا) وأمّا بلى فجواب للنفي ويكون المعنى بها : بلى أنت ربٌّنا.
 (1)ذكر لي أحدهم أنّه ألقى في احتفال كبير كلمة فقرأ فيها قوله تعالى:) إِنْ كُلُّ مَن فيِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءَاتيِ الرَّحْمَانِ عَبْداً( قرأها بنصب:( الرحمان) فانتقده الناس بعد خطبته قائلين لقد أخطأت في تلاوة هذه الآية والصواب كذا.
قال: فمكث شهراً وأنا أستقبل ملاحظات الناس لخطأي في هذه الآية.
حسن تلاوة النصّ القرآنيِّ والحرص على النطق بكلماته واحرقه نُطْقاً صحيحاً حسب أصول التلاوة وقواعد التجويد:
وإنّ المحافظة على هذين الشرطين أمر يقتضيه أدبُ تلاوة القرآن الكريم ويستوجبه قول الله سبحانه: ) وَرَتّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً(1.
إذ من أقبح ما يقع فيه كثير من الوعّاظ والخُطباء إساءة قراءة النصِّ القرآنيِّ وعدم الاهتمام بأحكام التجويد وآداب الترتيل. فنجد أحدهم يتلو الآية أو الآيتين كأيّ كلامٍ آخر غير القرآن، فلا يُبالي بأيِّ خطأ يعتري قراءتَه، إن رفع أو خفض في غير موطنهما أو غيَّر و بدَّل أو أخرج الحرف من غير مخرجه فتسمعه ينطق الذال زاياً والثاء سيناً والظاء زاياً مفخّمة . وتلك سبة يجب على الخُطباء التخلّص منها لأنّها تتنافى وآداب التلاوة، بل تسوق صاحبها على الوقوع في الإثم. ورحم الله ابن الجزريّ حيث قال:
والأخذ بالتجويد حتْم لازم    من لم يجوّد القران آثم
ولا ضيرَ على الخطيب إذا لم يستوثق من متانة حفظه للشاهد القرآنيّ أن يكتبه على ورقه ويقرأه منها على الناس فذلك أدعى إلى تحقيق الغاية وتجنّب الوقوع في المحذور الذي أسلفنا ذكره ولا يُّعدُّ عدم استظهار الخطيب الآيات في خطبته عيباً من عيوبها.
 
----------------------------------------
(1) المؤمنون آيات 12-14.
(2)الأعراف54   (3)يسن: الآيات 38- 40.
(4)   الأعراف: آية172
 
(ب‌)الحديث النبويّ الشريف:
ويُعتبر الحديث الشريف أعظم شاهدٍ منزلةً بعد القرءان الكريم الحُجَّة التي تبلّج فيها الحقُّ ناصعاً مشرقاً، واستبانت في أرجائها الحقائق لالبس فيها ولا غموض لأنّ الله سبحانه اختصّ رسولَه محمداً$ بمقام لا ينبغي لمخلوق سواه فأطلق لسانه حقّاً لا تعتريه شائبة هوىً ) وَمَا يَنِطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيُ يُوحَى(.
وآتاه من العلم والمعرفة ما لم يؤته أحداً من المرسلين ولا من الملائكة المقرَّبين واطلع على حقائق وأسرار لم يحظ بمعرفتها مخلوق من قبله ولامن بعده فقال سبحانه) وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً(1.
فكان عليه الصلاة والسلام أعظم حُجَّة وأصدق بيان بعد كتاب الله عزَّ وجلَّ وهذه حقيقة أقرَّت بها أعداؤه فَضْلاً عن أصحابه وأتباعه، فهو الصادق الأمين الذي ما جرَّب عليه قومه الجاهليُّون كذباً قطُّ فكان قولُه لديهم قبل بعثته لا نزاع فيه، وكانوا يقولون معترفين:( ما جربنّا عليك كذباً) ،ولقد أشار ربنا سبحانه إلى هذا بقوله:
) فَإِنّهُمْ لَا يُكَذِبُونك(
ولم يكن ذلك شأن قومه فحسب، بل كان شأن الكثير من عقلاء العالم الذين لم يمنعهم اختلاف أديانهم وتعدد مذاهبهم من أن يحنوا رؤوسهم إجلالاً لسلطان نبوّة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام (3).
ومن أمثلة الاستشهاد بالحديث النبويّ الشريف:
1-أطوار خلق الإنسان :
عن أبي عبدالرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:حدَّثنا رسول الله$ وهو الصَّادق المصدوق، قال:
(1) ا" إنّ أحدكم يُجْمَع خلْقُه في بطن أُمِّه أربعين يوماً نُطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك ثمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويُؤمَر بأربع كلمات بِكْتب رِزْقه وأجله وعمله وشقيّ أو سعيد، فوا لله الذي لا إله غيره إنّ
------------------------------------
(1) النجم الآيتان: (3،4). (2)النساء: آية (3)الأنعام: آية 33
أحدكم ليعمل بعمل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (2)( رواه البخاريُّ ومسلم)
(3)قال أميل درمنغهم في كتابه " حياة محمد
جاء محمد بقلبٍ خالٍ من كلِّ كذبٍ ومن كل ثقافةٍ باطلةٍ ومن كلِّ فخفخةٍ فارغة وأمسك بكلتا يديه بالعروة الوثقى، ولا يمنعه هذا من أنّه كان عملياً تام المعرفة بأحوال العالم الماديّ بل كان ذلك التجرُّد الروحيّ أعوان له على إدارة أمور الدنيا وهكذا كان كبار الروحيّين في العالم يتغلّبون على العالم المشهود بالعالم غير المشهود. ا.هـ.
وقال الكولونيل ليبرتيني الإيطالي في كتابة " الإسلام"::
ليتني عرفت محمداً عن كثب لأتعرف إلى هذه الذات العربية التي بزَّت شخصيتها كلِّ نبيٍّ آخر وكلَّ عظيم. اهـ .. 
2-من أنباء المستقبل:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله $قال : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله " (رواه البخاري ومسلم )
2-الرزق مقسوم لكلِّ مخلوق:
قال عليه الصلاة والسلام:
" إنّ رُوح القُدس نفث في رُوعي أنّ نَفْساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتَّقوا الله وأجمِلوا في الطلَّب ،ولا يحملنَّكم استبطاء الرِّزق أن تطلبوه بمعاصي الله فإنّه لا يدرك ما عند الله إلاّ بطاعته" (2)رواه البزّار والحاكم.
شروط الاستشهاد بالحديث الشريف
1- يجب التأكد من صحَّة نسبة الحديث إلى الرسول $ويتم ذلك بالرجوع إلى مصادر الحديث الشريف ومن أهمِّها:
صحيح البخاريّ  صحيح مسلم   سنن الترمذي
سنن أـبي داود  سنن النَّسائيّ   سنن ابن ماجه
وأمّا ما يقع فيه بعض الخُطباء من الاقتصار في استشهادهم بالحديث على ما حفظوه من سماعهم فهو أمر غير محمود، وعليه مآخذ كثيرة، من أخطرها أنّ الخطيب ربَّما يسوق الحديث سَوْقاً غير صحيحٍ، وذلك بأن يسقط منه كلمةً يؤثِّر فقدها في المعنى العام للحديث أو يظنّ أنَّه حديث مرفوع، فيكون موقوفاً على صحابيٍّ أو تابعيٍّ أو يقول: ( رواه البخاريُّ)، وهو مما رواه ( النِّسائيُّ) أو يقول: (حديث صحيح) وهو ( حديث ضعيف) ونحو ذلك من المآخذ التي يجب على الخطيب تجبُّنها والحذرُ من الوقوع فيها.
وفائدته التأكُّد من صِحَّة ورود الحديث بالرجوع إلى كتبه ومصنَّفاته الشهيرة أنَّه يُجَّنب الخطيبَ إيرادَ حديثٍ لا يصحُّ الاستشهاد به كالموضوع وشديد الضَّعف.
ونقول بناءً على ذلك :
إنّ الحديث النبويّ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1-ما يحسن الاستشهاد به : وهو الصحيح و الحسن .
2-مايصح الاستشهاد به في فضائل الأعمال فقط: وهو الضعيف(1).
1- ما لايصح الاستشهاد به ولا تجوز روايته: وهو الموضوع شديد الضعف.
وإنّ من أشنع وأقبح ما يقع فيه بعض الخطباء استشهادَهم بالأحاديث الموضوعة والمنكرة فتجد أحدهم يقرِّر في كلامه الفكرة التي يطوف حولها الحديث الموضوع ويجعلها حقّاً لا يرقى إليه شكُ، ولا يأتيه باطل، فيعتمدها لا لمضمونها بل للحديث الوارد فيها. ونخصّ بالذكر الأحاديث الموضوعة وشديدة الضعف التي اشتهرت على ألسنة الناس حتى وصل بعضهم إلى حد الجزم بيقين ورودها من ذلك مثلاً:
----------------------------------
(2)لا أصل له . انظر"كشف الخفاء".
(3) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن حبّان أنّه باطل وقال الذهبيّ في تلخيص الواهيات: رُوى من عدّة طرق واهية وبعضها صالح. اه. " كشف الخفاء".
(3) قال العراقي: لم أر له أصلاً وقال ابن تيميَّة: هو مذكور في الإسرائيليات وليس له إسناد معروف.
ونقل عن خط الزركشيّ أنّ بعض العلماء قال : إنّه حديث باطل وإنه من وضع
الملاحدة..اهـ.."كشف الخفاء ."
(4) قال في المقاصد: لا أ صل له وهو من كلام بعض الصوفية .
(5) قال صاحب "كشف الخفاء": معناه صحيح لكن لا أعلمه حديثاً ولا أثراً.  
1-"إذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام(2).
 2- " اطلبوا العلم ولو بالصين " (3).
3-" ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي ا لمؤمن "(4)
4- "ألسنة الخلق أقلام الحقّ "(5).
5-" الخيرة فيما اختاره الله" (6).
(1)ولكن يختصّ هذا في حال فقد ما يماثله في المعنى من " الصحيح" فإذا وجد حديث صحيحا نستشهد به عليه فل نلتفت إلى الضعيف.
خلاصة في الحديث الموضوع
1-تعريفه :
هو المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذباً وافتراءً.
2- وجوه معرفة الموضوع:
 أهمّها:
 (أ)أن يُقِرَّ واضع الحديث بوضعه.
(ب)أن يكون ا لمرويّ ركيك المتن مع ادعاء راوية أنّ هذا هو لفظ الرسول عليه الصلاة والسلام لأنّ رِكَّة اللفظ وحدها ليست دليلاً على الوضع لاحتمال كونه مرويّاًَ بالمعنى.
(ج) أن يخالف المروىّ دلالة القرآن القطعيَّة أو السنَّة المتواترة أو الإجماع القطعيّ أو دليل العقل مع عدم قبول التأويل.
(د) أن يتضمَّن المرويُّ الِإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير أو الوعد العظيم على الفعل الحقير
(هـ)أن يكذِّبه الواقع كحديث: "دخلت الحمَّام فرأيت رسول الله جالساً وعليه مئزر" فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يدخل حماما ولا كانت الحمامات معروفة عند أهل الحجاز فيس عصره.
3- أسباب الوضع:
(أ) قصد الإساءة للدين وإفساده على أهله كوضع الزنادقة لكثير من الأحاديث بغية الإفساد
( ب) قصد الواضع نصرة مذهبة كما فعلته الخوارج والرافضة وأمثالهم.
(ج) الرغبة في التكسُّب والارتزاق كما كان يفعله القُصّاص في المساجد.
(د) التقرُّب إلى الرؤساء والأُمراء.
(هـ) ادّعاء طلب الأجر والثواب من الله ومصلحة الدِّين، كما قال أحد الوضّاعين: إنني أكذب له لا عليه.
4- حكم الوضع والموضوع وروايته:
   الوضع حرام بإجماع المسلمين لقوله $:
   "من كذب عليّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعداً من النار".
  وأمّا الحديث الموضوع فهو ساقط الاعتبار، لأنّه كذب وافتراء.
 وأمّا حكم روايته فهو التحريم قطعاً لحديث مسلم:
" من حدّث عنّي بحديث يُرى أنّّه كذِبُ فهو أحد الكاذبين"
----------------------------
وربَّما وجدت أحدهم يمرُّ بالحديث الموضوع أو الضعيف المنكر فيعجب به لما يجد فيه من المعاني الجميلة والكلمات الرائعة والأفكار البديعة التي تستثير المشاعر وتؤجّج العواطف وتستميل النفوس وتسيطر على الأسماع فيتمَّسك به وكأنَّه خير دليل وأعظم برهان ولا يعبأ بتحري مصدره وإدراك صحة وروده أو بطلان سنده.
 فجدير بالخطيب تحريّ أمثال هذه الأحاديث التي اشتُهِرت على ألسنة الناس لمعرفة الحقِّ منها    وتجنب باطلها ويمكنه في سبيل ذلك الاستعانة بالكتب المؤلفة في هذا الموضوع ومن أشهرها كتاب:
" كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهرت من الأحاديث على ألسنة الناس" تأليف المحدّث الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني.
2- يجب على الخطيب الدقة في نقل الحديث ومعرفة الراويّ من الصحابة والراوي من المحدثين وحفظ متنه جيداً، وخاصّة الحديث المرويّ باللفظ والمعنى إذ يقسم العلماء الحديث إلى قسمين:
1- حديث مرويّ باللفظ والمعنى.
2- حديث مرويّ بالمعنى فقط.
ولقد أكََّد فريق العلماء ضرورة رواية الحديث بألفاظه دون التصرف فيه وغايتهم مِنْ ذلك سدُّ باب الرِّواية بالمعنى، لئلا يتسلَّط عليه من لايُحسن العربية ممن يظنُّ أنُّه يُحسِنُها فينجم عن ذلك اختلال بيان الحديث وتغيُّر مدلولات لاستبدال الفاطٍ أخرى بألفاظه الأصليَّة ظنّاً ممَّن يحدِّث بهذا المعنى أنَّها تؤدِّي مدلولاتها نفسَها وهي ليست كذلك . وذهب آخرون إلى أنَّ عدم جواز رواية الحديث بالمعنى ينحصر بما اتفق على لفظه، وكان من جوامع الكلم، وما عدا ذلك تجوز روايته بالمعنى إلاّ أنَّ هذا الجواز ينحصر في العالم بألفاظ العربيَّة ومترادفاتها، العارف بمدلولاتها وطرق استخدامها، فإذا تعرَّض الخطيب لنسيان لفظة من حديث شريف ولكنه يعرف لفظة أخرى تؤدّي مدلولها نفسه فله استبدالها بها، وأمّا إذا كان مستحضراً لألفاظ الحديث جميعها بدقَّة وضبط شديدَيْن، فعليه أن يذكر الحديث بلفظه الذي كان يحفظه ،وألاّ يُغيِّر من الألفاظ شيئاً، لأنَّ بيانه ولفظه مهما كان عظيماً ورائعاً لا يرقى إلى عظمة وروعة بيان من أوتي جوامع الكلم ولفظة. هذا إلى جانب كون رواية الحديث بلفظه يحقق تحصيل بركة أنفاس الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنّ كل حرف من ألفاظ ذلك الحديث جرى فيه نفس رسول الله  $وهو يحدث به أصحابه ورحم الله الشاعر حيث قال في ذلك:
أهل الحديث همو آل الرسول وإن لم يصحبوا نَفْسه أنفاسَه صحِبوا
2-تجويد قراءة الحديث الشريف: ونعني بذلك أن يخصّ الخطيب الحديث الشريف بنمط من القراءة يميّزه عن سائر كلامه فيُعنى بمخارج حروفه ألفاظه وأداء كلماته وعباراته أداءً يلتزم فيه محاسن الِإلقاء وأحكام القراءة التي تعهدها في تلاوة القرآن الكريم فلقد قال الإمام محمد بن محمد البد يريّ الدمياطيّ(1):
وأمّا قراءة الحديث مجوَّداً كتجويد القرآن الكريم، من أحكام النون الساكنة والتنوين والمدِّ والقصر وغير ذلك فهي مندوبة كما صرّح به بعضهم لكن سألت شيخي خاتمة المحققين الشيخ عليّاً الشبراملّسِيّ:
-تغمده الله تعالى بالرحمة- حال قراءتي عليه صحيح البخاريّ عن ذلك فأجابني بالوجوب وذكر لي أنّه رأى ذلك منقولاً في كتاب يقال له :
-" الأقوال الشارحة في تفسير الفاتحة" وعلّل حينئذٍ ذلك بأنّ التجويد من محاسن الكلام ومن لغة العرب ومن فصاحة المتكلم وهذه المعاني مجموعة فيه فمن تكلم بحديثه فعليه مراعاة ما نطق به عليه الصلاة والسلام. اهـ.(2).
4- تفسير معاني الكلمات الغامضة والعبارات التي خفي معناها عن الناس
وقد مرّ هذا الشرط في بحيث الاستشهاد بالقرآن الكريم وأنّنّا نقرِّره هنا، فإذا خفي معنى لفظه أوعبارة في الحديث فمن المستحسن تفسير معنى تلك اللفظة أو العبارة تحقيقاً للفائدة.
---------------------------------------------
(1)انظر: شرح البيقونية للشيخ عبد الله سراج الدين نقلاً عن "لقط الدُّرر"
(2) لقد حدثني شيخي الإمام الفقيه الجامع سيّدي أبو الحسن الكردّي حفظه الله أنّ أحد أهل العلم سمع من شيخه حديث النبيّ $" الحياء من الإيمان......" ثم رأى رسول الله عليه الصلاة والسلام في منامه فسأله يا رسول الله،أأنت قلت: الحياء من الإيمان؟". ولم يمدّ لفظة الحياء خمس حركات فأجابه رسول الله $:( لا) ولما استقيظ من نومه انطلق إلى شيخه وأخبره بما رأى في منامه وكيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام أنكر قوله هذا الحديث. فقال له الشيخ: نعم إنّ رسول الله $ لم يقل الحياء بحركتين ولكنّه قال: الحياء بخمس حركات. وفي هذا إشارة إلى أهمية تجويد الحديث كتجويد القرآن. ولقد أُثر عن كبار المحدِّثين التزام ذلك، ومنهم المحدِّث الأكبر سيِّدي الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله تعالى.
 (ج)الأقوال المأثورة:
أولاً- أقوال الصحابة رضي الله عنهم:
يُعدُّ كلام الصحابة الكرام الحُجَّة بعد كلام رسول الله $حيث كانوا أقرب الناس إلى مشكاة النبوة فلقد عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهلوا من نهلوا مورده الصافي فأشرقت قلوبهم وعقولهم بالمعارف والعلوم الجمَّة التي تدفَّق سلسالها عليهم من يَنْبوع المصطفى عليه الصلاة والسلام فكان منهم أخطر الناس شأناً وأغزرهم علماً وأوسعهم معرفةً وأوفرهم عقلاً وأدراهم سياسيةً، وأحسنهم تدبيراً، وأطيبهم سيرة، فكانوا إذا تكلَّموا جرت الحكمةُ على ألسنتهم، وتجلّى الحق في بيانهم، فهم بعد رسول الله $نجوم الهداية ومشاعل الإيمان. وكم من عالم طأطأ رأسه إجلالاً لهم وعظيم تضاءل أمام عظمتهم، وفيلسوف تطامن لسلطان هيبتهم(1).
-------------------------------------------------
(1)نشر الدكتور الأمريكيّ مايكل هارت في عام 1978 في الولايات المتحدة لأمريكية كتابه " المائة الأوائل من تاريخ البشرية"فوضع رسول الله محمد $ في مقدمة هذه المائة وذكر منهم عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وهو أحد تلاميذ الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه .
حدّث رجل من أهل الثقة أنه كان يهوى زيارة المحاكم فزار محكمة في إحدى مدن ألمانيا.فلما رأى صورة لرجل ذي لحية يلبس جُبَّةً مرقَّعة، وعلى رأسه عمَّة، وكان كلُّ من دخل المحكمة يرفع قبَّعته، ويحني رأسه إجلالاً لصاحب تلك الصورة، فسأل من يكون صاحب هذه الصورة، فأخبروه : أنّه أمير المؤمنين عمربن الخطاب رضي الله عنه.
1-في آداب القضاء:
أرسل أمير المؤمنين عمربن الخطَّاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه كتاباً في بيان آداب القضاء منه النصُّ الآتي :
"فافهم إذا أُدلى إليك، فإنَّه لا ينفع تكلُّمُ بحقٍّ لانفاذ له : آسِ الناس في مجلسك،و في وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حَيْفك(1) ولا ييأس ضعيف من عدلك".
2- في الشكر :
قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه :
إنّ النعمة موصولة بالشُّكْر، والشكر متعلق وهما مقرونان في قرن، ولن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشُُّكْر من العَبْد.اهـ
3-في نهاية الدنيا يوم القيامة :
رٌوي عن ابن عباس رضي الله عنه :
----------------------------------------------
 الحيف : الظلم.
(1)انظر نصّ الكتاب وشرحه في كتاب " إعلام الموقعين " لابن القيم الجوزية .
(1)كثر العمال2/668
يُؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شَمْطاء زرقاء أنيابها بادية، مشوّة خَلقُها فتُشرِف على الخَلْق، فيقال: هل تعرفون هذه ؟
فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذا.
فيقولون: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، وبها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم، واغتررتم
ثمَّ تُقذَف في جهنَّم، فنقول يا رب أين أتباعي وأشياعي ؟ 
فيقول : ألحِقوا بها وأشياعها . (1) مختصر منهاج القاصدين .
ثانياً : أقوال السلف الصالح
ونعني بالسلف الصالح أولئك الذين عاصروا الصحابة الكرام أو عاصروا من عاصرهم وسار من سار على نهجهم، أي هم أولئك الذين عناهم الرسول $ بقوله:
" خيركم قرني ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " (2) رواه البخاري مسلم.
هم التابعون وتابعوا التابعين ومن لزم خطََّتهم ممن جاء بعدهم وأخذ عنهم. وهم يُعَتبرون الجسر الذي عبرت عليه شريعةُ الإسلام حتى بلغت الأجيالَ من بعدهم، حيث وعت عقولهم مبادئ الشريعة الغرَّاء، وحفظت صدورهم أحكامها، واستضاءت قلوبهم بأنوارها فكانوا مشاعل هداية ونبراس حقيقة، وجاءت أقوالهم وأحاديثهم حقّاً لا يشوبه باطل ونوراً لا يغشاه ظلام. ولقد ظهر منهم جهابذة أعلام خضعت علماء الدنيا أمام روعة فهمهم وعمق فكرهم، وغزارة علمهم، وسعة معرفتهم وقوّة حجَّتهم ونصاعة برهانهم، وصائب رأيهم، وراجح عقلهم، وبراعة إقناعهم .نذكر منهم : سعيد بن المسيِّب، والحسن البصريَّ وعلىّ بن الحسين، وعروة بن الزُّبَيْر، والأئمَّة الأربعة : أبا حنيفة النَّعمان ، ومالكاً ، والشافعيّ وأحمد بن حنبل ... وغيرهم .
 ونورد فيما يلي أمثلة على الاستشهاد بأقوال أولئك الأسلاف:
1-مراقبة الله:
قال الحسن البصريّ رحمه الله تعالى (1)
( ما ضربت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر أعلى طاعة أم على معصية، فإن كانت طاعة تقدَّمت وإن كانت معصية تأخَّرت ). اهـ.
 
2-التقوى:
كتب عمر بن عبدا لعزيز رضي الله عنه إلى رجل (2) :
أوصيك بتقوى الله عزَّ وجلَّ التي لا يَقْبل غيرها، ولا يرحم إلاّ أهلها، ولا يُثيب إلاّ عليها فإنّ الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جَعَلنا الله وإيّاك من المتقين . اهـ.
3-مضرَّة الشِّبع:
قال الإمام الشافعيُّ رحمه الله (3):
ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلاّ شبعةً اطّرحتها – يعني:
فطرحتها – لأنّ ااِشِّبَع يُثقِل البَدَن، ويُقسِّي القلب، ويُزيل الفطنة، ويجلب النّوم ويُضعِف صاحبه عن العبادة. اهـ.
ثالثاً – أقوال علماء الإسلام
ونعني بهم أولئك الذين جاؤوا بعد عهد السلف الصالح وإلى أيّامنا هذه.
فهم في الحقيقة امتداد لذلك الجسر الشامخ الذي عبرت عليه شريعة الإسلام لتصل إلى الأجيال البشرية المتلاحقة على وجه الأرض إلى آخر الزمان.
والعلماء الثِّقات هم حُجَّة الإسلام في كلِّ زمان ومكان فإذا تكلَّموا بأمره، ودعوا الناس إليه وجاهدوا في سبيل ذلك حقَّ الجهاد، جاء كلامهم وثائق حقٍّ تقري أديم الباطل فَرْياً ونبراسَ هَدْي ينير الطريق للسالكين، ويُضيء آفاق المسترشدين .
ومن هؤلاء العلماء من جُمِعت آراؤهم وأقوالهم في مؤلَّفاتهم ورسائلهم، كالإِمام فخر الدين الرَِّازي، والإمام حُجَّة الإسلام الغزالي، والإمام شيخ الإسلام العزّ بن عبدا لسَّلام، والإمام زكريا بن شرف الدِّين النوويِّ وابن قَيِّم الجوزيَّة، وابن حجر العَسْقلانيِّ، وابن حجر الهيتميِّ..
وغيرهم من سائر أعلام الأٌمَّة الذين تلاحقت قوافلهم من بعد عهد السلف رحمهم الله ، وما تزال إلى اليوم، فيدخل في سلكهم أساطين العلم ورُوّاد المعرفة الذين جادت بهم قرائحهم بالعلوم التي أصغينا إليها في مجالسهم وعبر أقلامهم التي قرأنا ثمارها في كتبهم ومقالاتهم فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً.
ونذكر فيما يلي أمثلة على الاستشهاد بأقوالهم:
1-فضل زيارة قبر المصطفى $:
قال الإمام المحدِّث القسطلانيُّ:(1)0
اعلم أنّ زيارة قبره الشريف من أعظم القربات وأرجى الطاعات والسبيل إلى أعلى الدرجات، ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الِإسلام، وخالف الله ورسوله وجماعة العلماء الأعلام.اهـ.
2ـ أساس كلّ خير:
قال الإمام ابن قيَّم الجوزيَّة: (2)
أساس كلِّ خير أن تعلم أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتتيقَّن حينئذٍ أنَّ الحسنات من نعمه فتشكره عليها، وتتضرَّع إليه أن لا يقطعها عنك وان السِّيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السِّيئات إلى نفسك.اهـ.
3- فضل الأخوَّة في الله:
قال أبو سُليمان الدارانيّ:(3)
لوأنَّ الدنيا كُلّها في لُقمة، ثمَّ جاءني أخُ لي لأحببت أن أضعها في فيه.إني لأضع اللُّقْمَةَ في فم واحد من إخواني فأجد طعمها في حلقي.
 شروط الاستشهاد بالأقوال المأثورة.
1-وجوب التأكّد من نسبة الأقوال إلى أصحابها:
ويكون ذلك بالرجوع إلى المصادر الأصليَّة الموثوقة ، وعدم الاقتصار على محفوظات الذهن أو كتابة أصحاب الفكر المحدَثين الذين لا يتورَّعون عن نسبة الأقوال إلى غير أصحابها
-----------------------------------------------
(1)جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي1/166
(2)المصدر السابق 2/151
(3)"آداب الشافعيّ ومناقبه"للإمام عبدا لرحمن الرازيّ.


بخلاف المحقِّقين منهم، فيتسبَّب عن ذلك اضطراب الفهم وسوء التفسير. كما لايصحُّ التسليم لِنُقول عوام الناس بل بجب التثُّبت والتأكُّد من صحَّة إخبارهم تفادياً للوقوع في مآزق وإحراجات فكريَّة وتفسيريّة.
2- وجوب التثبُّت من صحَّة ألفاظ المصادر الكتابيَّة وعبارتها:
 إذا يحدث أحياناً تصحيف أو تحريف في كلمة من كتاب لأحد علماء الأُمَّة أوسقوط لفظة أو عبارة من بعض نصوصه ،فينشأ عن ذلك تغيُّر معنى السياق. فوجب على الخطيب التأكُّد من صحَّة الألفاظ وسلامة التراكيب قبل أن يستشهد بها قي موطن الاستشهاد وذلك بالرجوع إلى نُسخ أخرى غير نسخة الكتاب التي نُقِل منها الشاهد أو بالاستفسار عنها من أحد علماء الأُمّة الثقات العالمين بمضمون ذلك المصدر (1)
--------------------------------------------
(1) يقع بعض العوام في آفة نقل الأخبار على خلاف حقيقتها، فيروون كلام الآخرين حسب ما فهموه لا حسب ما قيل فعلاً وهذا ما أشار إليه الشاعر بقوله
وما آفة الأخبار إلاَّ رُواتُها
أذكر مثلا على ذلك أن أحد عوام الناس نقل : أنَّه سمع أحد علماء المسلمين يقول : ( إنّ شرب القهوة حرام ) وبعد التحقّق من هذا النقل تبيّن أن ذلك العالم، قال : إنَّ القهوة من أسماء الخمرة وإنّ شرب القهوة حرام فجاء النقل بعيدا كل البعد عما قيل فعلا. (2) التصحيف : تغير بنقط الأحرف كلفظ : (حطب) بدل (خطب) والتحريف: تغير بشكل الأحرف كلفظ (أَبي) بدل (أُبيّ)
(3)قرأت مرّة في كتاب حكما فقهياً يقول في نصه: (ويجوز...) فلم يستقم المعنًى في ذهني فلما رجعت إلى نسخة أخرى للكتاب نفسه وجدت نص العبارة فيه هكذا: (_ولا يجوز) فاستقام المعنى وصحّت العبارة إذ الفرق كبير بين يجوز ولا يجوز .(د) أقوال أهل الفكر وعلماء الكون:
هم أولئك العلماء والمفكِّرون والفلاسفة الذين بحثوا في الكون والحياة، ونقَّبوا في مختلف الميادين، فاكتشفوا كثيرا من الحقائق والأسرار والدلائل الشاهدة على وجود قوَّةٍ غيبيَّة مهيمنة على هذا الوجود، فكان ذلك البحث والاكتشاف سبيلا إلى هداية قلوبهم بعد ضلالها، وسبباً في إيمانهم بعد جحودهم أو قربهم من ذلك الإيمان ومنهم من قرأ الإسلام ودرس حياة رسول الله والصحابة الكرام وتاريخ المسلمين الأوائل فقاده ذلك الدين الحق وإيمانه بصدق رسول الله وإجلاله لشخصيته ومكانته وتقديره لأصحابه وأتباعه .
وهم ما بين غربيٍّ عريقٍ في غربيَّته أو شرقيٍّ أصيل في شرقيَّته وما بين ملحد لا يدين بدين ومتدين بعيدٍ عن منهج الحقِّ المبين .
وإنّ أقوالهم تُعدّ حُجَّة في حقول بحثهم ومجالات اكتشافاتهم.
ومن أمثلة الاستشهاد بكلامهم نذكر ما يلي:
1-الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى:
يقول العالم الطبيعيّ الأمريكيّ"جورج إيرك ديفيس":
لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإنّ معنى ذلك أنّه يتمتَّع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحالة سنضطر أن نؤمن بأنَّ الكون هو الإله .... وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله) ولكنّ إلهنا هذا سوف يكون عجيباً! إلهاً غيبّياً ومادِّياً في آن واحد!!
إننّي أُفضِّل أن أومن بذلك الإله الذي خلق العالم المادِّيِّ وهو ليس بجُزءٍ من هذا الكون بل هو حاكمه ومدبّره بدلاً من أن أتبنّى مثل هذه الخزعبلات .اهـ.
2-نظرة العقلاء إلى محمد عليه الصلاة والسلام :
يقول "مونته" في كتاب " محمد والقرآن":
أما محمدّ فكان كريم الأخلاق، حسن العشرة، عذب الحديث، صحيح الحُكْم، صادق اللَّفظ ، وقد كانت الصفات الغالبة عليه هي صحَّة الحُكم، وصراحة اللَّفظ، والاقتناع التام بما يعمله وبقوله. إنّ طبيعة محمد الدينيَّة تدهش كلَّ باحثٍ مدقِّق نزيه المقصد بما يتجلَّى فيها من شدَّة الإخلاص، فقد كان محمد مصلِحاً دينيّاً ذا عقيدة راسخة، ولم يقم إلاَّ بعد تأمَّل كثيراً وبلغ سنَّ الكمال بهاتيك الدعوة العظيمة التي جعلته من أسطع أنوار الإنسانيَّة في الدين.اهـ.
3-نظرة المفكِّرين إلى القرآن
يقول لين بول :
إنَّ أكثر ما يمتاز به القرآن أنَّه لم يتطرَّق شكُ إلى أصالته، إنّ كلٍّ حَرْفٍ نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنَّه لم يقبل أيّ تغيير منذ ثلاثة عشر قَرْناً.اهـ. 
شروط الاستشهاد بأقوال أهل الفكر وعلماء الكون
1-التحقٌُّق من صحَّة نسبة القول إلى قائله وصدق وروده عنه.
2-إذا كان القول المستشهد به يتعلَّق بتفسير نظرية علميّة أو تعليل إحدى الظواهر الكونيَّة، وجب ألاّ يكون معارَضاً بأقوال أخرى هي أقوى حُجَّةً وأكثر صواباً.
3- ذكر اسم صاحب القول المستشهد به، وذكر المصدر الذي استقى منه الخطيب ذلك القول.
(هـ) المثل:
تعريفـه
التمثيل هو تشبيه شيء بشيء لوجود عناصر التشابه بينهما.وهو وسيلة يتوصَّل بها المتكلِّم إلى تقرير ما يريده من المعاني في نفوس المخاطبين وتقربيها إلى عقولهم واكتساب ثقتهم به وقناعتهم بما يلقيه عليه .
أهميَّته وضرورتـه
إنّ الإنسان يميل بطبعه إلى ما يستأنس به ويألفه، فيُقبِل عليه ويصدِّقه بكامل الرِّضا ومطلق التسليم . وفي سبيل كسب قناعته بأيِّ شيء يُلقى عليه من الآراء والأفكار والمعاني ينبغي أن يقرَّب إليه بمقايسته ومشابهته بما هو مأنوس ومألوف لديه حيث يلتفت بذهنه وأحساسيه إلى ذلك المأنوس المألوف فيلاحظ أنَّ بينه وبين ما أُلقي عليه شَبَهاً وتقارباً فيجعله ذلك يلتقّي ما ألقي عليه بالرضا والاقتناع ويتحقَّق له فيه من الاتعاظ والاعتبار.
فالمَثل وثيقة تدعم الأقوال والأفكار، وتُحِلُّها من نفوس المخاطبين وعقولهم محلَّ القبول. وفي ضَرْبة استنهاضُ لهمم المستمعين في حسن إقبالهم على ما يُملى عليهم وتوضيحُ لمعالمه وإيناسُ لنفوسهم وترويحُ لقلوبهم نظراً لطرافة المثل وروعته وقوَّة جَذْبه وعمق تأثيره.
نظرة القرآن الكريم إلى ضَرْب الأمثال.
لقد ضرب الله سبحانه في قرآنه كثيراً من الأمثال لتقرير حقائق الإيمان في النفوس وتحقيق الاتعاظ والاعتبار، وأمر رسول الله $ وتثبيتها في النفوس .
فقال الله تعالى)وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون( إبراهيم: آية25.
وقال تعالى :) وَتِْلكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَاِلمُونَ(العنكبوت: آية43.
وقال تعالى:) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فيِ هَذَا الْقُرْآَنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ(الروم: آية58.
وقال تعالى: )وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ(يس: آية13.
أقسام المثل
ينقسم المثل عَقْلاً إلى أربعة أقسام هي :
1-تمثيل مدرك بالحسِّ الظاهر بمدرك بالحسِّ الظاهر:
 تمثيل الرجل الشجاع بالأسد.
2-تمثيل مدرك بالحسِّ الظاهر بمدرك الفكر:
كتمثيل الأعداء بالكراهيات.
3-تمثيل مدرك بالفكر بمدرك بالحس:
كتمثيل العلم بالنور والجهل بالظلمة.
4-تمثيل مدرك بالفكر بمدرك بالفكر:
كتمثيل الإيمان بالطمأنينة والنفاق بالقلق والاضطراب النفسيّ.
أنواع المثَل
للمثل عدَّة أنواع، أهمها:
1-مايجري على ألسنة الناس ويشيع في أحاديثهم:
كالأمثال العربية(1)
نحو(إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً) يقال للقويّ إذا واجه في صراعه من هو أقوى منه .
ونحو: أَحَشَفاً وسوء كِيَلة) يقال لمن يجمع سوءين في واحد.
ونحو (قبل الرّمْي يُراش السهم)، يضرب للاستعداد للأمر قبل حدوثه.
2-سَوْق الحادثة أو القصة بُغية الاعتبار بخاتمتها:
)وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً(:      (1)
.ونحو قوله: )اضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ ( (2)
وقوله: ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ(   (3)
3-القصص الرمزية التي تكون الغاية من وضعها الاعتبار فقط .
4-الحكم والحكايات التي تروى على ألسنة الحيوانات والطيور:
وغايتها إعداد النفس لتلقّي الحكمة واستقبال الموعظة.
وكتاب كليلة ودمنة" يذخر بهذا المصنف من الأمثال. (4)
5-التمثيل بالمحسوسات لإدراك المعنويّات وعكسه:
وهو يعرف عند البلاغيّين بالتشبيه، وله ضروب كثيرة لا مجال لتفصيل الحديث عنها هنا. وهذا النوع من المثل نجده كثيراُ شائعاً في القرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف وأقوال الصحابة والتابعين ومن سار على سننهم بلسان عربيٍّ مبين، وهو من قبل ذلك مورد فصحاء العرب وشعرائهم.
ويُخرج بعضهم هذا اللَّون من التمثيل من نطاق (المَثَل)، ويجعله ضرباً من مستقلاًًّ بذاته من أضرُب التعبير، ولا يدخله في زمرة أنواع الاستشهاد.
أقول:لانسلِّم لهذا الإِخراج، لأنَّ التشبيه البيانيّ يحمل خصائص المَثَل ويؤدِّي غرضه نفسه، فهو سبيل توضيح المعاني ووسيلة نقلها إلى أذهان الآخرين بما يتحقَّق به القبول والاقتناع والتأثُّر والاتعاظ.
أمثلة على ضرب الأمثال
1-شرح المثل:
قال تعالى:
) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (.
-----------------------
 (1)يمكن التوسع في معرفة أمثال العرب بمراجعة كتاب " مجمع الأمثال" للميداني ونحوه من الكتب التي تحدثت عن أمثال العرب.
 (1)النحل : آية112.
 (2) يسن: آية13.
 (3)التحريم:آية10.
(4)ترجمه إلى العربية عبدالله بن المقفع.
(5) العنكبوت :لآية41
 
 


شرح المثل:
يبيِّن الله تعالى أنَّ مثل الَّذين أعرضوا عنه، واعتمدوا على غيره كمثل العنكبوت في اعتمادها على بيتها الذي نسجته من خيوط واهية لا تقوى على الصمود في وجه تيّارٍ ضعيف من الهواء، فإذا كان بيت العنكبوت الواهي لايقوى على حمايتها ونفعها، فكذلك أولياء المعرضين عن الله لا يستطيعون نفعهم، ولا يقوَون على حراستهم وحمايتهم مما يؤذيهم ويضرُّ بهم.
 وقال تعالى )إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (يونس24
شرح المثل:
صور الله الحياة الدنيا في ألوان متاعها ومباهجها وزينتها وماديّاتها ومختلف شهواتها ومفاتنها، وهي تُغري الناس بها، فيغرقون في بُلَهْنيتها، وفي لحظة دمارها وبوارها بماءٍ نزل من السماء، فخالط نبات الأرض، فأخرج حبّا وعنباً وقَضْباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غُلْباً وفاكهةً وأباً، ولبست الأرض من ذلك كلَّه حلَّة زاهيةً مختلفة الأصباغ والألوان والأشكال، وظنَّ أهلُها أنَّهم قادرون على قَطْف ثمارها وجَنْي خيراتها، وبينما هم في سكرة ذلك النَّعيم إذا بإعصار هائج مجنون يجتاحها، فيجعل بهجتها أثراً بعد عين وتصبح حطاماً كأن لم تكن من قبل جنّة وارفة الظلال يانعة الثمار دانية القطوف خلاَّبة الألوان والأشكال. ولا ريب في أنَّ فكرة ابتهاج الحياة الدنيا ودمارها لو جاءت مجرَّدة من التصوير والتشبيه، لما استبق العقل إلي فهمها سريعاً، ولما أشرق معناها في الأذهان كما هو الأمر حينما شفعت بالتشبيه وأُيِّدت بالتصوير.
 1-في الحديث النبوي الشريف:  قال عليه الصلاة والسلام:
مثل القائم في حدود اللهِ والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة فصار بعضُهم أعلاها وبعضهم في أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرَّوا على من فوقهم، فقالوا:
لو أنّا خرفنا في نصيبنا خَرْقاً، ولم نؤذِ من فوقنا.
فإن تركوهم وما أرادو، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم، نجَوا ونجَوا جميعاً"(1)
2-في كلام الصحابة الكرام:
سأل رجل سيِّدنا أبا هريرة رضي الله عنه عن التقوى، فقال :هل أخذتَ طريقاً ذا شوك؟
قال: نعم
قال: فكيف صنعت؟
قال:إذا رأيتُ الشوك، عدلتُ عنه أو جاوزته أو قصرت عنه.
قال :ذاك التقوى(2).
4-في أقوال السلف الصالح:
قال الشافعيّ في من يحمل العلم جزافاً (3):
هذا مثل حاطب ليلٍ: يقطع حُزمة الخطب، فيحملها، ولعلَّ فيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري.اهـ.
وقال : من حضر مجلس العلم بلا محبرةٍ وورق كمن حضر الطاحون بغير قمْحٍ.
 (و)القصَّـة:
تتناول القِصَّة معالجةَ حادثة أو طائفةً من الحوادث في حدود زمانيَّة ومكانيَّة معينّة وفي إطار مجموعة من الشخصيَّات التي تُسْتنَد إليها تلك الأحداث مع رصيد جيِّّدٍ من الأفكار والمواقف والمشاعر. ولسنا هنا في صدد الحديث عن القصّة كفنّ بارز من فنون الأدب، وإنّما سنتحدَّث عنها كأحد أنواع الاستشهاد الخطابيِّ.
وفي نطاق بيان أهميَّتها وسماتها ومصادرها وشرائط الاستشهاد بها نقول:
تعريفها وأهميَّتها:
تعتبر القصَّة من أهمِّ المعابر التي تنتقل بواسطتها الأفكار والمفاهيم إلى الآخرين، وذلك لما تتمتَّع به من قوَّة التأثير في النفوس، وعوامل السيطرة على القلوب والعقول، والقدرة على تأجيج العواطف والمشاعر وإغناء الأخيلة والخواطر.
ووهي تمتاز بخصال قيِّمة،من أهمها خصلتان هما:
1-أنّها وسيلة تربويَّة رائعة ذات أثر عميق في تربية الفِكْر والضمير والسلوك.
2- أنَّها من أعظم فنون الأدب مقدرةً على تحويل المعاني المجردّة إلى وقائع محسوسة .وبهذا يتّضح لنا أنّ القصَّة تُعدُّ خير وسيلة يفتقر إليها المربُّون والمفكِّرون، إذ يتمكَّنون بواسطتها من عرض آرائهم وبثّ أفكارهم، حيث تتلقّاها النفوس والعقول بشغفٍ شديدٍ ووعي كامل ونشاطٍ متجدِّد لأنَّ المستمع إلى القصَّة يستقبل أحداثها بعقله ونفسه ومشاعره ووجدانه، فهي تُحِدث فيه تفاعلاً كليّاً يترك في كيانه تأثيراً بليغاً فكريًّا ونفسيًّا ووجدانياً وسلوكياً.
وإنَّ من أعظم الدلائل والبراهين على كون القِصّة وسيلة تربويَّة متميِّزة ومسلكاً إرشادياً ناجحاً أنّ الله عزَّ وجلَّ سنََّها في كتابه العزيز فقصّ فيه أحسن القصص، وبثَّ تعاليمه السامية ومواعظه الجليلة عَبْر هاتيك القصص المتعدِّدة التي شاعت في أرجاء القرآن الكريم .
نظرة القرآن الكريم إلى القصَّة
لم يُغفِل القرآن الكريم شأن القِصَّة، بل اتَّخذها وسيلةً هامّة في بثِّ مواعظه ونشر توجيهاته، وجعلها أداةً فعّالة في تقرير الحقائق وتثبيتها في النفوس، ولقد أعرب القرآن عن اعتداده بالقصَّة واعتبارها منهجاً تربوياً مؤثِّراً مؤثرا ً فقال تعالى " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ".
وقال تعالى :) وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(
بل إنّ القرآن الكريم وجّه الرسول$ إلى أن يتخذ القصة مسلكا من مسالك نشر دعوته ووسيلة لتوجيه الناس فأمر بقصّ قصص الأوليّن عليهم بما أوحي إليه من أخبارهم ليكون لهم في آثارهم عبرة وهدىً وموعظة.فقال تعالى ) ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(
----------------------------------- 
1-رواه البخاري.
2-انظر:كتاب"جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبليّ.
    3 -انظر كتاب" آداب الشافعي ومناقبه"للإمام عبدا لرحمن الرازيّ


موارد الاستشهاد بالقِصَّة
يجب على الخطيب أن يستقي القصّة المستشهد بها من مواردها الصافية التي يمكن حصرها في أربعةٍ فقط هي :-القرآن الكريم :
وهو من أصفى موارد القصة التربوية الجادّة المستمدة من نطاق الحقيقة الواقعة بلا تغيير ولا تزويقـ زيادةً أو نقصاً ـ في أحداثها أو شخصياتها .
فالقرآن يعرض القصة كم وقعت بغاية الصدق ومنتهى الدقة وينقل وقائعها بصورتها الحقيقة الحيّة (2) .
تتميّز القِصَّة في القرآن الكريم باتخاذها طابع الجديَّة المطلقة وبراءتها من ظاهر اللَّهو وتسلية القلب والنفس بالمتعة الفكريَّة وطرافة الأحداث، وكون ذلك الهدف الرئيسيَّ من ذكرها. كما تتميَّز القِصَّة في القرآن بالواقعيَّة الكاملة، فهي ليست كتلك القصص الخُرافيَّة التي تشيع في الكتب الدينيَّة ترغيباً وترهيباً وتسلية، وإنّما تستمدُّ أحداثها من واقع موضوعها المشحون بالصدق المطلق، وبهذا يمكننا القول بأنَّها تفسير صادق الحياة في مختلف جوانبها .
يضاف إلى ذلك أنّ القصَّة القرآنيَّة تنفرَّد بميزة عجيبة مدهشة لا نجدها في غيرها من القصص، وإذا حصل أن وجدنا في غيرها من القصص فإنّها تأتي هزيلة=شاحبة فاقدة البهاء والرونق وقوَّة التأثير. هذه الميزة هي : دِقَّة العرض والعناية بإبراز الأحداث الهامَّة في الموضوع مع إغفال كثير من الجزئيَّات التي لا تساهم في إبراز المواعظ المقصودة والعبر المنشودة، وإضافة إلى القدرة العجيبة على التدليل على تلك الجزئيَّات من خلال إحكام الربط بين الوقائع المعروضة واتِّزان السياق وروعة السَّبْك فيُحسُّ القارئ بظاهر الاندماج الفكريِّ والروحيّ في أحداث القصَّة القرآنيَّة فيحدو به ذلك إلى إدراك تلك الجزئيَّات التي لم يصرِّح بها النِّظم القرآنيّ، ولكن أشار إليها واقع الحال ودلّ عليها ترابط السياق.
----------------------------------- 
(1)يوسف آية (3).
(2) هود: آية 120.
(3) الأعراف: آية 176.
 (2)ميزات القِصَّة القرآنيَّة :


ـ الحديث النبويّ الشريف:
وهو يحتلُّ المركز الثاني بعد القرآن الكريم في كونه أصفى موارد القِصَّة الجادَّة الصادقة التي تنقل الحقيقة الواقعة بمنتهى الصدق والأمانة وبغاية الدقة والوضوح .
3-التاريخ :
وهو من أغزر موارد القِصَّة وأوسعها نطاقاً لأنَّه يتجَّمع في جَعْبته مختلف وقائع الدهر وأحداث الزمان، وما يكتنف حياة الناس من تطوُّرات واضطرابات، وما يعتريهم من أفراح وأتراح ومسرّات وأسوء وسمّو وارتكاس في صفوف خاصَّتهم وعامَّتهم وعظمائهم وسُوقتهم في مختلف الأمصار وشتىَّ الإعصار، وما يحقِّقونه من انتصارات ويصابون به من هزائم   وانحسارات .
فالتاريخ سجلُّ واسع للحياة بما فيها وما يطرأ عليها إلَّا أنَّه لايسلم من التحريف والتزوير، عرضة للأغاليط وقلب الحقائق حيث تعبث به أهواء المؤرَّخين الذين تجنَّبوا الإنصاف، وخضعوا لسلطان أفكارهم ومذاهبهم فاختلقوا الوقائع والأحداث، وغيّروا في الأخبار وتلاعبوا بالأوراق تأييداً لمذاهبهم ونصرة لآرائهم (1).
فأصبح من أهمِّ واجبات الخطيب حين يستقي القصّة من مورد التاريخ أن يتأكّد من حدوثها، ويتثّبت من صدقها، ويلجأ في سبيل ذلك إلى المصادر التاريخيّة الموثوقة التي تمتَّع مؤرِّخوها بالصدق والأمانة والتجرًُّد والنزاهة .
4- وقائع الحياة المعاصرة:
لا ريب في أنّ الحياة المعاصرة وما يجري فيها من أمور وأحداث تعدّ مصدراً مؤثراً من مصادر القصَّة الواقعيَّة ومورداً غزيراً من مواردها لأنّ أحداثها تنبُع من أجواء الحياة اليوميّة الواقعيَّة القريبة من الناس المخاطبين بها، فيكونون لذلك أكثر تفاعلاً معها وأشدّ تأثُّراً بها إذ تنقل إليهم صورة واقعِهم المحسوس القريب منهم أو الملتصق بهم بأخلاقه وأفكاره وتصورّاته واتجاهاته وبيئته وزمانه.
 
--------------------------------------------------
(1)يراجع كتاب "أغاليط المؤرّخين" للدكتور الشيخ أبي اليسر عابدين المفتى العام السابق للجمهور العربيَّة السوريَّة رحمه الله تعالى.
 
أمثلة للقِصَّة من خلالها مواردها 
1-في القرآن الكريم :
قِِصَّة طالوت :( درس في الصبر والثِّقة بالله )
قال تعالى}أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. َهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ( البقرة نهاية الجزء الثاني.
 
1-في الحديث الشريف:
 ( الخمر مفتاح كلّ شرًّ)
عن عثمان بن عفان رصي الله عنه قال (1)
سمعت رسول الله  $ يقول:
" اجتنبوا أُمَّ الخبائث، فإنَّه كان رجل ممَّن كان قبلكم يتعبَّد، ويعتزل الناس، فعِلقته(2) امرأة، فأرسلت إليه خادماً : إنَّا ندعوك لشهادة ٍ، فدخل ، فطِفقت كلَّما يدخل باباً أغلقته دونه ،حتى إذا أفضى إلى امرأة ًٍ ،وضيئة جالسةٍ عندها غلام وباطيَّة فيها خمر فقالت :
إنّا لم ندعك لشهادةٍ ولكن دعوتك لقتل هذا الغلام أو تقع علىَّ أو تشرب كأساً من الخمر فإن أبيت صِحْتُ بك وفضحتُك .
قال : فلمّا رأى أنّه لابدَّ له من ذلك، فقال :
اسقيني كأساً من الخمر .
فسقته كأساً من الخمر فقال زيديني
فلم يزل حتَّى وقع عليها، وقَتَل النفس .
فاجتنبوا الخمر ، فإنََّه ـ والله ـ لايجتمع إيمانُ وإدمان الخمر في صدرِ رجلٍ أبداً وليُوشكنَّ أحدهما يُخرِج صاحبه ".
 
3-في التاريخ:
(الصفقة الرابحة)
حين قرَّر الصليبيُّون غزو دمشق كان يدبِّر أمرها معين الدّين أنر الذي جهّز جيشه واستعدَّ لمواجهة الصليبييِّن، و خرج مع المجاهدين العالمان الجليلان الشيخ الأمام يوسف الفندلاويُّ والشيخ الزاهد عبدا لرحمن الحَلْحٌول، فقال لهما معين الدِّين : نحن نكفيكما .
فقالا له: قد بعنا واشترى إشارة، إلى قوله تعالى : }* ِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة: آية111.
-----------------------------------------
(1)رواه ابن حيان في صحيحة واللفظ له والبيهقيّ مرفوعاً مثله وموقوفاً وذكر أنّه المحفوظ.اهـ " الترغيب والترهيب" للإِمام المنذريّ.
(2)علِقت المرأة الرجل : تمكَََّن حبُّه من قلبها .


ولمّا كان اللّقاء مع الأعداء، قاتل هذان العالمان قتالا عظيماً حتَّى قُتِِلا في مكان واحدٍ فأذكى ذلك الشجاعة في نفوس المسلمين، وهجموا على الفرنجة هَجْمة رجل واحد فأرغموهم على الرحيل عن دمشق ، وعادوا ظافرين .
4-في واقع الحياة المعاصرة:
(عقوق جائر وقصاص عادل)
ذكروا أنّ شابّاً نشأ في رعاية والديه ، وكان أبوه ينفِق عليه القليل والكثير حتى غدا طبيباً مختصًّا وفرح الأب فرحا شديداً بالنتيجة التي آل إليها ولده، وأحسّ كأنّ الدنيا حيزت له بحذافيرها ولم يتوقَّف صنيعه مع ولده إلى هذا الحدّ بل بذل له من ماء حياته وعرق جبينه حتى اشترى له عيادةً في موقع استراتيجيًّ في المدينة .
ورغب الشاب الطبيب في أن يدعو أصدقاءه إلى عيادته ليباركوا له بها . وأثناء غرقه في غمرة احتفاله بمجيء أصدقائه إليه جاءه أبوه يطرق عليه باب عيادته ليزوره فيها ويرى بعينيه الحانِيتَيْن فِلْذَة كبده وهو يداوي المرضى من الناس ويعالجهم، وكان الأب مرتدياً ثياباً بسيطة متواضعة، فلما فتح ابنه الباب ورآه أمام عينيّه،تبسّم الأب قائلاً: أحببت يا بنيّ أن أزورك في عيادتك لأُمتِّع عينيّ برؤيتك وأنت تطبّب الناس وتداويهم
ولكنّ الابن الطبيب لم يَرْقه أن يأتيه والده في هذه الساعة، فقال له مكفهّرَّ الوجه : لماذا أتيت يا أبي ؟ !
فتعّجب الأب واستنكر من ولده هذه المقابلة وقال :هل أزعجك مجيئي يا بُنيَّ؟ قال الابن :نعم ،لأننّي دعوت اليوم أصدقائي وهم عندي الآن ولا أحبُّ ـ بصراحةٍ ـ أن يراك أحد منهم بهذه الثياب وهذا المنظر لئلاّ يُعيِّرني بك إن علم أنَّك والدي، فانصرف الآن بسرعة .
فتغيَّرت ملامح الأب، وتبدَّلت حُزْناً من بعد سرّاء، وبدا الأسف على وجهه، وقال : إذاً أنت تتعيَّر بي يا بُنيّ ؟! فأجاب الابن نعم انصرف بسرعة .
فرجع الأب كسير القلب حزين النفس دامع العين وإذا بلسانه ينطلق بدعواتٍ على ولده، فقرعت تلك الدعوات أبواب السماء وجاء جوابُها قصاصاً عادلاً . حيث قرّر أصدقاء الابن الطبيب أن يقيموا له حفلةً في أحد الملاهي وبينما هم ينطلقون بسيّاراتهم   الصغيرة مسرعين، إذا بمقطورة كبيرة تأتيهم من الجهة المعاكسة فتصطدم سيارتهم بها وتتحطم ويسقط الشابّ الطبيب صريعاً وقد تمزَّق أشلاءً .
شروط الاستشهاد بالقصّة:
1-ألاَّ تكون مختلفةً كأمثال القصص التي يضعها القصَّاصون، وينسبونها إلى شخصيّات  معروفة، وغايتهم من ذلك الترغيب والترهيب والإفراط في بيان قدر مقام الأجلاّء من رجال الأُّمَّة وأعلامها .ونجد بعض كُتُب الوعظ والتفسير يحوي عدداً من هذا الضَّرب من القصصّ .
2-ألاّ تكون موغلة في الغرابة نائيةً عن الواقع المحسوس أو الغيب المعقول كأمثال القصص الوارد في بعض كتب التاريخ والتفسير والوعظ ونحوها حيث تحفل تلك الكتب بأمثال تلك القصص دون النظر إلى مدى معقوليَّتها وواقعيتَّها كقصّةِ بكاء سيِّدنا آدم زماناً طويلاً حتى تشكّلت من دموعه أنهار واعشوشبت منها الأرض .
 ولا ريب في أنَّ أمثال هذه القصص تنفر منها أذواق الناس،وترفضها عقولهم وقناعاتهم، وتتحاشى عنها أفكارهم القائمة على أساس المنطق السليم والمنهج العقليّ الحكيم . وخاصّة في عصرنا هذا الذي يزخر بقوانين البحث العلميّ وقواعد التفكير ومناهج البحث التجريبيّ، ويفيض بالمعارف والعلوم والاكتشافات حتى أُطلق عليه عصر العلم والاكتشاف.
3-ألاّ تكون بعيدةً عن مقتضى المنطق فاقدةً دواعي استجابة العقل وقناعة الفكر، كبعض القصص الخُرافيَّة التي تتعارض مع الواقع وترفضها تصوّراته كقِصَّة عوج بن عنق وطوله العجيب.
4-ألاَّ تكون مخالفةً للحقِّ ومبادئ الشريعة السامية وأخلاق دين الله الحنيف .
فهناك عددُ هائل من تلك القصص المدسوسة التي كان لليهود والملا حدة باع طويل في بثِّها ونحلها الثّقات من العلماء افتراءً وزوراً كقصّة سيّدنا يوسف الصدِّيق عليه السلام مع امرأة العزيز واتّهامه بحلِّ تكَّته، وكقصّة سيدتنا مريم وادّعاء أنّ سيدنا جبريل عليه السلام وقع عليها إلى غير ذلك من قصص الافتراء إلاّ أنّ الله سبحانه سخّر لتفنيد أمثال هذه الأكاذيب والأباطيل جهابذة أعلاماً كالإمام الفخر الرَّازي الذي بسط في كتابه "عصمة الأنبياء " بياناً واضحاً لأمثال تلك الافتراءات والقصص المنكرة، وردّ، عليها جميعاً ردوداً ألقم بموجبها الحاقدين حجارةً قاسية أسكتهم فارتدُّوا على أدبارها خاسرين .
(ز) الأنباء والحوادث والمعاصرة والإحصائيّات :
والمقصود بها كلّ شيء جديد يظهر في مختلف جوانب الحياة البشريَّة الفكريَّة والمشكلات الاجتماعيَّة والاكتشافات والاختراعات والنتائج العلميَّة الطريفة التي تحمل في أحشائها بواعث الإيمان والإقرار بعقيدة القوّة الغيبية ونحو ذلك وهي تعتبر مادّة استشهادية ناجحة في تقرير الأفكار قي أذهان السامعين والتأثير في نفوسهم .
مصادرها.
لاشكَّ في أنَّ الحصول على تلك المعلومات والأنباء الحادثة المتجدِّدة يتوقَّف على ما تنقله وسائل الإعلام المختلفة كالصحف والمجلاّت والوثائق والبرامج الإذاعية ونحوها وما تفيض به الكتب الثقافية و العلمية والتربوية المعاصرة .
أمثلة على الاستشهاد بها
1-أثر الأسرة في تربية الطفل وفعّاليتها العميقة في تكوين شخصيته:
ذكرت مجلّة الفيصل في عددها الرابع ـ السنة الأولى بتاريخ 1977م في بحث علاقة الأسرة   بالطفل
( إنّ الأُسرة ما زالت هي الخليّة الأُولى للمجتمع وستظل أولى المؤسسات الإنسانية التي ترعى الأجيال الجديدة والتي تربيها وتنشّئها وترعاها وتسدُّ مطالبها في إشباع حاجاتها المادّية والروحيّة والعاطفيّة والنفسيّة كما أنّ الأسرة ستبقى دائماً وسيلة توارث الثقافات والناقلة للتراث الحضاريّ واللُّغة والدين من جيل إلى جيل وما زلنا نرى أنّ الأُسرة وتأثيرها يفوق مكانه المؤثرات التعليمية والتربوية والثقافيّة والاجتماعية) .
 1-مكانة الفقـه الإسلاميّ وأثره في الحياة :
ذكر الأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء في كتابة "المدخل الفقهيّ العام إلى الحقوق المدنيّة "في المقِّدمة نتائج المؤتمر الذي عقدته شُعبة الحقوق الشرقيّة من المجتمع الدوليّ للحقوق المقارنة في كليّة الحقوق بجامعة (باريـس) : وأثناء المناقشة وقف أحد الأعضاء وهو نقيب محاماة سابق فقال ( أنا لاأعرف كيف أوفق بين ما كان يحكى عن جمود الفقه الإسلاميّ وعدم صلوحه أساساً تشريعياً يفي بحاجات المجتمع العصريّ المتطور وبين ما نسمعه الآن في المحاضرات ومناقشاتها ممّا يبث خلاف ذلك تماماً ببراهين النصوص والمبادئ) .
وفي الختام أقرّ الفقه الإسلاميّ لها قيمة ( حقوقية تشريعية) لا يمارى فيها .
إنّ اختلاف المذاهب الفقهيَّة في هذه المجموعة الحقوقيّّة العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات، ومن الأُصول الحقوقيَّة هي مناط الإعجاب، وبها يتمكَّن الفقه الإسلاميّ أن يستجيب لجميع المطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها ).
3- أطفال الخطيئة :
ذكرت مجلّة حضارة الإسلام في المجلّد الثاني عام 1961:
لقد ولد في الولايات المتحدة الأمريكية (221) ألف طفل غير شرعي ، وذلك خلال عام 1959م ،أي نسبة : 52 طفلاً في كلِّ ألف طفلٍ وُلِد في أمريكا خلال ذلك العام ونشرت جريدة اللّواء الدمشقيّة بتاريخ 19 من شعبان 1382هـ برقيّة صادرة عن الأُمم المتحدة من وكالة " رويتر" ما يلي
يقول تقرير الأمم المتحدة حول التمييز ضدَّ الأطفال غير الشرعيِّين :
إنّ ما يقارب 30% من الأطفال في بعض البلدان يولدون خارج نطاق الزواج .
*شروط الاستشهاد بالأنباء المعاصرة والإحصائيَّات :
إن أبرز وأهمّ شرط هو التأكُّد من صِحَّة النبأ، وأخذه من مصادره الموثوقة التي أشرنا آنفاً لآنّ من أقبح السقطات أن يُورد الخطيب نبأً ماً، ويستشهد به على فكرته، ثم يظهر عدم صحة ورود هذا النبأ ويرجع سبب ذلك إلى أنّ الخطيب اقتصر في نقل النبأ على سماعه من أحد الناس، ولم   يتثَّبت من صحَّة وروده من مصدر موثوق
الخطبة
بين الإبداع والتقليد
يعمد بعض الخطباء إلى تقليد أسلافهم أو مشاهير خطباء عصرهم تقليداً ينسلخون فيه عن ذواتهم ليتقمّصوا شخصيّة أولئك الخطباء الأسلاف أو المشاهير .
فتجد الواحد منهم حريصاً على أن يأتي بكلّ ما يعرفه عن الخطيب الذي يقلّده من أفكار وعبارات وأحوال وحركات وأوضاع فينصرف بذلك عن ذاته انصرافاً كليّاً وتصبح أفكار ومشاعر وقريحته خاضعة في حركتها واتجاهها لمن يقلّده من الخطباء فتأتي خطبته ضعيفة التأثير لأنّها لم تشع من مشكاة فكره ولم تتدفق من معين عاطفته ولم تخرج معانيها من أعماق نفسه وإنّما جاءت أفكارها وألفاظها وعواطفها من ساحة غيره ولم يزد هو على أن يكون مجرّد بوق لسواه.
ولكن لا ينبغي أن يفهم من كلامنا هذا أنّنا نستنكر التقليد بصورة عامّة كلاّ فنحن نستحسنه في الخطيب الناشئ الذي ما زال يخطو خطواته الأولى في هذا الميدان فهو بحاجة إلى التأسّي بالخطباء الممارسين في عصره أو ماقبل عصره والاستعانة بخطبهم وكلامهم حتى يتمكن من الوقوف على قدميه وقوفاً يشعّ عزيمة وحيوية وتماسكاً وقدرةً.
وأمّا الخطيب المتقن الممارس فإنّه إذا اقتصر في اقتدائه بمشاهير خطباء عصره أو السابقين على الانتفاع بأفكارهم وآرائهم فهذا شيء حسن وجميل بل لم نهل من معين ألفاظهم وعباراتهم واكتسب من أساليبهم وحاكى طرائق نسج خطبهم لكان أمراً محموداً ما دام متمتعاً بشخصيًة المستقلة إذ يأخذ هذا الذي استفاد منهم فيؤلف بينه ويزيد عليه ليخرج منه شيئاً جديداً يتجلى فيه إبداعه وابتكاره .
وأمّا أن يكون مقلّداً لهم تقليداً كاملاً بحيث يقول قولهم نفسه ويؤدي خطبته مثلما يؤدون لهجة ولفظا وهيئة فينسخ من نفسه نسخة عنهم في كلامه وحركاته ونبرة صوته فهذا ما تدعوا إلى هجره والتخلي عنه لأن يؤدّي إلى قتل الإبداع عند ذلك الخطيب المقلّد ويقضي على قدرته على العطاء والتجديد إذ ينبغي للخطيب الممارس أن يكون مصدراً تنبع منه أفكاراً وتصدر عنه آراء لم يسبق إليها ويعطي من ذاته ما يتخلف الناس إليه ولا يجدون عند غيره ويقّدم لهم ما يناسب واقعهم وظروفهم وقضاياهم والخطيب الذي تنّفجر معاني خطبته من قلبه وتنبع أفكارها من ذاته وتتأجج بعواطفه وانفعالاته  يكون تأثيره في نفوس الناس أبلغ ممن يملي عليهم أفكار غيره ومشاعرهم وانفعالاتهم .
وأعود لأؤكد قائلاً :إننَّي لا أذم من التقليد إلا تلك الصورة المقيتة ش التي يصبح الخطيب تبعاً لغيره ويتحرّى تقليد سواه يذيب معها نفسه في شخصّية من يقلده من الخطباء فتجده يعمد إلى تقليد طريقة أدائه وشكل إلقائه ونبرة صوته ونوع لهجته وهيئة وقوفه وحركته وربّما يجعله اهتمامه بهذا الأمر ينصرف عن الاهتمام بموضوع خطبته وأفكارها فتجده يعني برفع صوته أوخفضه ليحاكي بذلك صوت الخطيب الذب يقلده وقد يعيد العبارة أكثر من مرة إلى أن يشابه إيقاع إلقائها ولهجة أدائها إيقاع صوت ذلك الخطيب ولهجته أثناء إلقاء خطبته.
وإذا ما أمعنت النظر في كلام الخطيب المقّلد الذي صرف جلّ اهتمامه وبالغ عنايته إلى ذلك التقليد وجدته في أكثر الأحيان أشلاء ممزقة وقطعاً متناثرة لا يضبطها نظام ولا يؤلف بينها اتساق فتفقد بذلك بهاءها ورونقها ويقلّ نفعها أثر وقعها.فللتقليد ضوابطه وحدوده وأهدافه وأغراضه يجب التزام مسارها والتقيد بها ليثمر ذلك التقليد نفعاً ويحقق فائدة .


موضوع الخطبة
بين التكرار والتجديد
يعد التجديد في موضوع الخطبة أمرا ضروريا يقتضيه تطور الحياة المستمر والتجدد الذي يطرأ علي واقع الناس في أحوال معاشهم وظروف حياتهم واتجاه ثقافتهم ومظاهر منجزاتهم ذلك لأن موقع الخطيب في الناس يقتضي التصاقه بمختلف ظروف حياتهم وأن يكون قريبا من واقعهم الذي تجري فيه تلك التطورات وتكثر فيه المتغيرات فيفرض عليه ذلك أن يختار من مواضيع الخطب ما يناسب تلك الأمور المتجددة في حياة الناس وهذا الاختيار الذي تبرز فيه ظاهرة التجديد المستمر في الخطب يتوقف علي تمتع الخطيب بدقة فكرية ويقظة ذهنية وثقافة متنوعة ومعرفة غزيرة ودراسة واعية شاملة لعوامل التطور ونواحي التجديد في حياة الناس وأما تكرار مواضيع الخطب بإعادة الموضوع الواحد منها أكثر من مرة فهو خصلة لا تحمد إلافي ضرب معين من الخطب لأنه يورث المستمعين السامة من جهة والشعور بعدم الاستزادة من النفع من جهة أخري كما ينم عن ضيق أفق الخطيب العلمي والثقافي وعجزه عن إمداد جمهوره بحاجته المتجددة من الفائدة .وقد نلمس هذا المسلك العاجز عند فريق من الخطباء حيث نجد أحدهم يلزم في جميع خطبه ضرباً من المواضيع لا يبرحه في مختلف المناسبات وخاصّة في أيام الجُمُعات حيث يقّيد نفسه بعدد من المواضيع يعيدها ويكررها في كل عام غير عابئ بالمتجددات الفكريّة والاجتماعية والعلميّة التي يتمخض عنها استمرار الحياة البشرية.
ومن طريف ما سمعت : أنّ خطيباً كان قد حفظ عدداً من الخطب يخطبها أيّام الجمع في إحدى القرى فكان في نهاية كلّ خطبة يدعوا بدعاء لا يبدله وكان يلتزم في دعائه بدعوة للسلطان العثماني عبدا لحميد رحمه الله ويسأل الله له فيها التأييد والحفظ والنصر على أعدائه في البر والبحر (1).
---------------------------------------  
(1)ومن طريف ما ذكر في مثل ذلك : أنّ رجلاً دخل مسجداً لأداء صلاة الجمعة فصادف رجلاً على بابه رجلاً بقي خارج المسجد إلى أن أقيمت الصلاة فدخل عند ذلك وصلّى وتكّرر هذا الأمر من ذلك الرجل أكثر من مرّة فسأله الرجل الأول عن سبب تخلفه عن حضور الخطبة واكتفائه بشهود جماعة الصلاة فقط فقال له الرجل : إنني أصلي في هذا المسجد منذ عشرين سنة ، وأنّ خطيبه التزم مجموعة من الخطب المكتوبة يكرّر إلقاؤها علينا في كلّ عام ولقد حفظتها جميعاً فلا أجد داعياً لحضوري الخطبة ما دمت اعرف ماذا سيخطب الخطيب لذلك اقتصرت على حضور الصلاة وحدها دون الخطبة . 
ولا يعني كلامنا عن التكرار الغضّ من شأنه بشكل عام فنحن نعترف بضرورته الملّحة في خطب الوعظ والإرشاد التي تتناول مواضيع : الأخلاق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام والتقوى والإخلاص وخشية الله والجنّة والنار ونحو ذلك من المواضيع التي بصدد تكرارها وقرع أسماع الناس بها بين الحين والآخر لأنّ النفس البشريّة تركن بطبيعتها إلى الشهوات ويعتريها نوع من الفتور في ترك المخالفات وإنكار المنكر فتاتي الموعظة مجدّدة فيها النشاط باعثة لها على الاستقامة وتجنّب الانحراف موقظة إيّاها من الغفلة وسكرة الدنيا .
ولكن يجب على الخطيب أن يلوّن في أسلوب عرض الموضوع الواحد الذي ينبغي تكريره حتى بخرج في كلّ مرّة بثوب جديد كأنه لم يطرح من قبل فلا تمله الأسماع ويبقى المستمعون في حالة تنبه وتشوق مستمر لما يلقى عليهم من الوعظ والإرشاد.
وهذا ما نلمسه واضحاً في مواعظ القرآن الكريم والتوجيهات النبويّة الشريفة وإرشاد السلف الصالح رحمهم الله .
فلو تتبعنا موعظة القرآن الكريم لوجدنا ظاهرة التكرار واضحة أصيلة في أكثر مكن موضوع 
فموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلاً ورد في سورة آل عمران في قوله سبحانه
} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (
)كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (.
وورد في سورة التوبة في قوله سبحانه :
}وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ(
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (
وورد في سورة لقمان في قوله سبحانه :
)يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (
وفي الموعظة النبويّة نرى ظاهرة التكرار أوضح من الشمس في رابعة النهار حيث كان عليه الصلاة والسلام يتخّول أصحابه بالموعظة فكلما أحسّ منهم فتورا جدد نشاطهم بالموعظة .
ونأخذ مثلاً على تكرار الموضوع الواحد في الموعظة النبوية موضوع : اجتناب كسب الحرام
فقد ورد فيما رواه البخاريّ : قال عليه الصلاة والسلام :
" أشدّ الناس حسرةً يوم القيامة رجل كسب مالاً من غير حلة فدخل به النار".
ورد فيما رواه أبو داود : قال عليه الصلاة والسلام :
" ولا يحسب امرؤ كسب مالاً من حرام فإنّه عن أنفقه وتصدّق به لم يقبل منه وإن تركه لم يبارك له فيه وإن بقي منه شيء كان إلى النار "
وورد فيما رواه الإمام أحمد : قال $:
" لا يدخل الجنّة لحم نبت من السحت وكلُّ لحمِِ نبت من السحت كانت النار أولى به" .
وأما في إرشاد السلف الصالح فإنّك إذا تتبعت أقوالهم في النصح والإرشاد سوف تجدهم يردّدون الموضوع الواحد ويعيدونه كرّات ومرّات في مناسبات شتى
فمن أمثلة ذلك ما جاء في خطب سيّدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عن الحذر من الدنيا والعمل للآخرة :
قال رضي الله عنه في خطبة مبايعته بالخلافة(1):
( ألا وإنّ الدنيا طويت على الغرور " فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور " (2) اعتبروا بمن مضى ثم جدّوا ولا تغفلوا فإنه لا يغفل عنكم أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروا وعمروها ومتعوا بها طويلاً ؟ ألم تلفظهم ؟! ارموا الدنيا حيث رمى الله بها واطلبوا الآخرة فإنّ الله قد ضرب لها مثلاً وللذي هو خير فقال عزّ وجلّ:
}َاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ((3)


 وقال رضي الله عنه في خطبة أخرى(4):
(إنّ الله عز وجل إنّما أعطاكم الدنيا لتطلبوا الآخرة ولم يعطكموه لتركنوا إليها إن الدنيا تفنى على ما يفنى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا مايبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله
الخـطبـة
بين التطـويل والتقصيـر
نودُّ هنا أن نبسط الحديث عن مسألة تطويل الخطبة وتقصيرها، ونناقش الآراء المطروحة حولها، ونبيِّن وجهة نظرنا مع تأييد كلامنا بالأدلَّة المناسبة. تُعتبَر مسألة تطويل الخُطبة وتقصيرها مسألة نسبيَّة يخضع تقديرها للموضوع والمناسبة والجمهور. فموضوع الخُطبة ومناسبتها وجمهور المستمعين، هذه الثلاثة هي التي تحدِّد مقدار الخطبة من حيث الطول والقِصَر فخطبوا الجهاد مثلا حيث يكونالخطيب وسط الجند وفي حضرة العدو، وحين الاقتراب من بدء المعركة ليس من الحكمة تطويلها لأنها تلقي في اللحظات الحاسمة التي تدعو الجند إلى أن يستغلوا وقتهم في تدبير استعدادهم للقاء عدوِّهم فيكفي الخطيب في مثل هذا الموقف أن يُذكِّر الجنود بالآخرة وفضيلة الجهاد في سبيل الله ومقام الشهادة والشهداء ،ويحضهم على منازل العزَّة والشرف مؤيِّداً خُطبته ببعض الآيات والأحاديث التي تحضُّ على الجهاد، وتُرغِّب في الشهادة في سبيل الله، ويحرص على أن يبعث بكلماته الحماسية في الجنود، ويؤجِّج فيهم القوَّة والعزيمة الصادقة. كلُّ هذا ينبغي للخطيب أن يحقِّقه بأوجز العبارات، وأشدِّ الكلمات اختصاراً وأوضحها بياناً، وأبلغها تأثيراً. ونذكر تأكيداً لذلك وصيَّة سيِّدِنا أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهما حين أمَّره على جيش عظيم وجَّهه إلى الشام، ومنها قوله ( وإذا وعظتَهم، فأوجز، فإنَّ كثير الكلام يُنسي بعضه بعضا ) وكذلك ليس من الحكمة أن يطيل الخطيب خطبته إذا كان في مناسبة تضم لفيفا من الخطباء والمتكلمين الذين اقتضى برنامج الاحتفال بتلك المناسبة أن يتعاوروا الصعود إلى منصة الخطابة وذلك ليتمكن هؤلاء الخطباء المكلفون من إلقاء كلماتهم كلها دون أن يجتاح أحدهم وقت غيره فيوقعه في
 ------------------------------------------
(4)التوبة:آية112 (5) لقمان :آية17


الحرج ولا بمكنه من أن يؤدي خطبته كاملة في الوقت المناسب فوجب علي الخطيب في هذه الحال أن يتقيد بالزمن المخصص له حتى يفسح المجال لغيره وهذا من أدب الخطباء ونذكر أيضا أنه ينبغي للخطيب أن يتجنب إطالة الخطبة إذا كان يلقيها على جمهور من المستمعين قل فيهم المثقفون وكثر البسطاء والعوام لأن مثل هذا الجمهور لا يستطيع متابعة الخطيب ذهنيا أكثر من بضع دقائق وأما أذا تناول الخطيب في خطبته مشكلة اجتماعية لها مساس قوي بحياة الناس ووجد من الضروري استقصاء هذه المشكلة من جميع جوانبها وإيضاحها وبيان حلولها وطرق معالجتها فلا تعد إطالته عيبا لأن جمهوره يحتاج إلى جميع ما يقوله لفرط اهتمامه بتلك المشكلة التي يعانيها الناس. وكذلك إذا قام الخطيب متكلماً في جمهور يضمّ أهل العلم والثقافة ويقلّ فيه بسطاء الناس وعامتهم فلا تذمُّ إطالته وتوسًّعه في عرض موضوعه وتعمُّقه في معالجة أفكاره وآرائه بل يُحمَد ذلك منه، لأنّ جمهوره يملك الاستعداد الكامل للتّلقّي الطويل والقدرة على استيعاب خطبته .
نستخلص من هذا كلّه تأكيد ما ذكرناه في بداية هذا الفصل وهو أن ّ التطويل مسألة نسبيَّة لا كما يدَّعي بعضهم، إذ يقولون:يجب أن تُحدَّد الخُطبة بوقت لا تزيد عليه مهما كان نوع موضوعها أو نوع الجمهور المستمع إليها، ويؤكّدون ذلك كثيراً في خطبة الجمعة محتجِّين بخبر الِإمام مسلم واحمد في قوله$ :"إنّ طولَ صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنّة من فِقْهه فأطيلوا الصلاة واقصُرُوا الخُطبة" .
ويقولون:إنّ الإنسان، مهما بلغ ذكاؤه ومستوى ثقافته، لا يتمكَّن من تركيز انتباهه على ما يُملى عليه أكثر من نصف ساعة، فالحدّ الأعظميّ لزمان الخطبة يجب ألاّ يتجاوز في الجمهور الأعلى فكراً وثقافةً حدود ثلاثين دقيقة وآما في حضرة بسطاء الناس فينبغي أن ينزل هذا الوقت إلى أقلّ من نصفه. ثمّ يقولون: وحيث كانت خطبة الجمعة تضّم خليطاً من مستويات البشر الفكريّة والثقافيّة فيوجد في المستمعين إليها الإنسان المثقف والإنسان العامي البسيط فقد وجب لذلك ألاّ تتجاوز مدة إلقائها عشر دقائق والدقائق العشرة كثيرة .
ثمّ يحتجون ببعض خطباء المساجد الذين لا يتجاوز أحدهم في مدّة إلقاء خطبته حدود خمس دقائق . ويقولون زيادة على ذلك : اقرؤوا خطب الرسول $الصحابة الكرام والتابعين ومن جاء بعدهم فسوف تجدون أن أطول خطبة منها لا تحتاج لقراءاتها قراءة هادئة بطيئة إلى أكثر من عشرة دقائق أو أقلّ من ذلك.
نقول لهؤلاء وأمثالهم :
نحـن لانعارض الرأي في تقصير الخطبة، ولكن نعارض الرأي في تحديدها بمدّةٍ معينَّة دون النظر إلى كون التطويل والتقصير أمراً نسبيّاً كما ذكرنا من قبل. لأنّ مواضيع الخُطَب تتفاوت في حاجتها إلى مدَّة الإلقاء، فمنها ما يُستقصي بحثُه في عشرة دقائق ومنها ما يحتاج إلى أكثر من ذلك .وأمّاعن الاحتجاج بأنَّ بعض خطباء المساجد يُؤدُّون في مدَّة خمس دقائق لا يتجاوزنها ،فتقول: إذا علمنا أنَّ خطيب الجمعة يؤدِّي خطبتين قبل صلاة الجمعة، وأنَّ فيهما خمسةَ أركان يجب استيفاؤها، وأنَّ ثلاثة أركان منها تجب إعادتها في الخطبة الثانية فسوف نجد أنَّ هذه الدقائق الخمس لا تكاد تكفي استيفاء صعود الخطيب إلى المنبر وجلوسه عليه خلال فترة الأذان ووقوفه لإلقاء خطبته والأركان الواجبة في الخطبتين والجلوس عليه بينهما وهنا نسأل : ماذا تبقى من الوقت للموضوع الذي سيبحث فيه الخطيب إذا لم تزد مدّة الخطبة على خمس دقائق ؟! فالمسألة فيها نظر ولا يمكن التسليم بها لمجرّد أنّ فلاناً من خطباء المساجد كان يؤدّي خطبته في خمس دقائق . وعن احتجاجهم بخبر مسلم في طول صلاة الرجل وقصر خطبته نجيب قائلين:
لقد وجه الحديث الشريف إلى تقصير الخطبة فقط ،ولم يحدّد إلقاءها في مدّة لا يجوز تجاوزها فلا حجة بالحديث إلى ما ذهبوا إليه .
وأما احتجاجهم بقصر خُطَب الرسول عليه الصلاة والسلام وخُطَب أصحابه ومن جاء بعدهم فيُوهنه أنَّ ما جاءنا عن رسول الله $وأصحابه ومن جاء بعده فيُوهنه أنّ ما جاءنا عن رسول الله$وسيدنا وأصحابه من قِصار الخطب وهو ما حفظه المسلمون الأوائل منها فربّما تكون الخطبة القصيرة المرويّة عن رسول الله $جزءاً من خطبة طويلة بدليل ورود الخطبة الواحد من خطب الرسول صلى الله عليه وسلم من طرق متعدّدة متفاوتة المتن طولاً وقصراً بزيادة جملة أو فقرة كاملة أونقص ذلك فالمنقول إلينا من خطب الرسول عليه الصلاة والسلام هو ما حفظ منها في صدور أصحابه وبقي عالقاً في أذهانهم وغالباً ماتروى مجردّة من المقدمة ودعاء الختام فيقول الراوي من الصحابة :( فحمد الله وأثنى عليه...)
وهذا لا شك في انّه ليس لفظ رسول الله $ للحمد والثناء وإنّما هو إخبار عنه بلسان الصحابيّ الراوي للحديث.
فمقدّمة الخطبة النبويّة لها جزء من الوقت وكذلك ختامها بالدعاء ونزيد على ذلك أموراً ترجح أن تكون الخطبة النبوية قد أخذ إلقاؤها من الوقت أكثر ممّا ترجحّ أن تكون الخطبة النبوية قد أخذ إلقاؤها من الوقت أكثر مما نحتاجه قراءة نصّها المنقول إلينا:
1-ثبت في الصحيح أنّ رسول $كان يقرأ في مقدمة خطبته سورة "ق" حتى إنّ ّبعض نساء الصحابة رضي الله عنهن حفظهن هذه السورة من رسول الله $عندما كان :
"لقد كان تنّورنا وتنور النبيّ $ذ واحداً سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت " ق والقرآن المجيد " إلاّ على لسان رسول الله $ كان يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس "
ولا ريب في أن قراءة سورة " ق " التي تعد خمساً وأربعين آية تحتاج سرداً وإنّما كان يتكلم بحيث لو شاء العادّ أن يعد كلامه لأحصاه وكان يعيد الكلمة أو الجملة ثلاثاً لتفهم عنه وهذا ما لايشك أحد في أنه سيستغرق من الوقت مدّة غير يسيرة.
3-لم تكن خطب رسول الله $ جميعها على نسق واحد من حيث طولها أوقصرها وإنّما كان بعضها طويلاً وبعضها قصيراً  فقد أخرج الإمام أحمد والترمذيّ والحاكم والبيهقيّ عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال :( صلى رسول الله $العصر ثم قام خطيباً فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه)
ولوسلمنا جدلاً بكون التقصير صبغة خطابه الرسول $وسائر السلف فإنّا نقول:
( إنّ اختلاف الأحوال والظروف بيننا وبين المسلمين الأوائل سبب في تحديد صبغة الخطبة من حيث الطول والقصر وهذا يتّضح في الأمور الآتية :
1-إنّ ضعف المستوى الثقافي وانتشار الأُمية عند الأوائل لم يكن يستدعي تطويل الخطبة خلافاً لما أصبح عليه الناس اليوم فقد اتسعت ثقافاتهم وتخلصوا من براثن الأمية فغدوا بذلك أهلاً لاستقبال الخطبة الطويلة بالترحيب.
2-إنّ صفاء أذهان السابقين وسلامة لغتهم وفهمهم  الدقيق والسريع لمرامي الكلام ودلالات الألفاظ كان داعياً إلى اكتفائهم بالخطبة القصيرة خلافاً لما أصبح عليه الناس في زماننا فقد فسدت ألسنتهم وضعفت عربيتهم وتكدرت أذهانهم فغدوا بحاجة إلى الخطبة الطويلة التي تعرض فيها الفكرة الواحدة في أكثر من أسلوب ليفهمها الناس وتكثر فيها المترادفات لتتّضح الدلالات .
3- لكنّ المسلون الأوائل يقتصرون على خطبة الجمعة وحدها للتفقه في أحكام الدين وتعلم آداب الإسلام وتوجيهاته وإنّما كان منبر العلم والدعوة إلى الله عز وجلّ مستمراً في حياتهم طيلة أيّام الأسبوع حيث كانوا يلتقون رسول الله $ في أوقات الصلاة وفي غيرها فيتعلمون منه دين الله وينتفعون بإرشاداته ومواعظه .وإذا حدث أمراً أووقعت حادثة ليمكن رسول الله $ يؤجل معالجتها إلى خطبة الجمعة وإنّما كان يبادر فوراً إلى جمع الناس ليغظهم ويذّكرهم بما ينفعهم فكان المسلمون الأوائل على صلة مستمرة بمواعظ الإسلام في معظم أيّام حياتهم ونؤيد كلامنا بمثلين من سيرة النبيّ $ مع أصحابه :
الأول – جاء في الصحيحين :بلغ رسول $عن أصحابه شيء ، فصعد المنبر وخطب فقال :" عرضت عليّ الجنة والنار فلم أرك اليوم في الخير والشرّ ولو تعلمون ما أعلمكم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً " فما أتى على أصحاب   رسول الله $يوم أشد منه غطّوا رؤوسهم ولهم خنين"
الثاني: جاء في الصحيحين : أنّ الشمس كسفت يوم موت إبراهيم بن النبي$،فشاع بين الناس أنها كسفت بسب موت إبراهيم .فصلى رسول الله بالناس صلاة ثم صعد المنبر فخطب الناس ثمّ قال:
"إنَّ لشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك ،فادعوا الله وكبروا وصلوا أو تصدقوا".
لقد أسرع رسول الله $إلى إنقاذ تصورات العقيدة الإسلامية فيقلو بأصحابه وحمايتها من أي فكر أوشعور يعكرّ صفاءها ويخل بموازنتها فبين للمسلمين أنّه هو حدث كونيّ الجدير بهم حيال أن يضرعوا إلى الله ويسألوه انكشافه عبر صلاتهم ودعائهم .ولا ريب في أن هذا الأمر الخطير لا تؤجّل معالجته إلى وقت آخر.
وهكذا كان رسوله صلى الله عليه وسلم مع واقع المسلمين في جميع أحواله وكذلك أصحابه الكرام الذين ساروا على هديه وانتهجوا سبيله فلقد كانوا يعيشون مع موعظة الإسلام وهي تقرع أسماعهم وتغذيّ عقولهم وتوّجه قلوبهم يلقيها عليهم خلفاؤهم وقادتهم وعلماؤهم في مناسبات شتى.
وأما اليوم فلقد اختلف وضع المسلمين عمّا كانوا عليه في الماضي حيث أصبح عدد كبير منهم لا يلتقون الإسلام إلا يوم الجمعة، وفي خطبة الجمعة بالذات وأما في بقيّة أيّام الأسبوع فينصرفون إلى معاشهم ودنياهم معرضين عن مجالس الجمعة بالذات وأما في بقية أيّام الأسبوع فينصرفون إلى معاشهم ودنياهم معرضين عن مجالس العلماء ومواضع تذكرة الإسلام إلاّ قليلاً منهم .
وأمام مشاكلهم الطارئة وقضاياهم المستمرة وافتقارهم إلى حلول الدّين ومعالجته الحكيمة لتلك القضايا والمشاكل تشتد الداعية إلى تطويل خطبة الجمعة ليتمكن خطيبها من استيفاء المعالجة المطلوبة وطرح الحلول المناسبة إذ من المتعذر على خطيب الحيّ – إذا وقعت حادثة – أن يجمع الناس في غير يوم الجمعة ليعظهم بها ويذّكرهم بها ويذكّرهم بأمرها.
وبعد هذا التفصيل والبيان نجد من المناسب أن نختم هذا الفصل بما جاء في "حاشية تحفة ابن حجر " نقلاً عن الإمام الأذرعي ّحيث قال:
وحسن أن يختلف ذلك باختلاف أحوال وأزمان وأسباب ، وقد يقتضي الحال الإسهاب – أي التطويل – كالحث على الجهاد إذا طرق العدّو – والعياذ بالله تعالى – البلاد وغير ذلك من النهي عن الخمر والفواحش والزّنا إذا تتابع الناس فيها. اهـ .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الارتجال
إنّ الكلام الذي يُنزَع معناه من النَّفس حال إلقائه، ويصدر عن انفعالٍ نفسيٍّ يكون أبلغ تأثيراً في نفس السامع وأسرع إلى مَلك عواطفه ومشاعره.
وهذه الصورة الخطابيّة تُعرَف بالارتجال.
فالارتجال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الانفعال النفسيّ والتوقُد العاطفيِّ، لأنّ المتكلِّم المرتجِل يستمدُ أفكاره وكلماته من عطاء الظرف الذي هو فيه والمقام الذي يقومه، فتأتي خطبته منسجمةً مع واقع الجمهور المستمع إليه، لأنَّها وليدة آنها بألفاظها وأفكارها .
ولكن لا يُحسن هذا الضَّرْب من الخطب إلاّ من كانت له تجربة عميقة وخبرة دقيقة في مجال الخطابة ، فكان جريء القلب ، غزير الاطِّلاع ، سريع البداهة ، ثريَّ اللُّغة ، واثق النَّفْس.
وأمّا من ضحلت معارفُه ، وهزل بيانُه ، وخار قلبُه، وضعفت جرأتُه، وأبطأت بديهته، فإنَّه لن يجرؤ على الارتجال، لأنّ رهبة المواقف وهيبة المقام يجعلان الأفكار تنأى ذهنه والكلمات تعزُب عن لسانه، فيتلجلج في موقفه، ويخفق في حديثه.
والارتجال ضرب محمود في الخطابة، وخاصّةً إذا كان الظرف يستدعيه والمناسبة تتطلَّبه، فإذا طُلب من الخطيب الكلام في حَفْل ما، ولم يكن معدّاً نفسه للخُطبة، فإنّ مقدرته على الارتجال تُسعِفه في موقفه هذا ، فيؤدي خطبته على أكمل وجهها دون حرج أو إرهاق.
ويحدث أحياناً أن يُعِدَّ الخطيب نفسه لإلقاء خطبة تدور حول موضوع معيَّن، فتقع حادثة أو ينشأ ظرف يصرفه عن طرح الموضوع الذي أعدَّه ويضطرّه إلى إلقاء موضوع آخر يتناسب مع الظرف الطارئ والموقف الحادث، وهنا تظهر أهميَّة الارتجال وضرورته، حيث يستفيد الخطيب من مقدرته عليه، فيأتي من الخِطاب بما يناسب المقام، ويستدعيه الوضع الراهن.
ومن دواعي محامد الارتجال وحاجة الخطباء إليه ما يعرض للخطيب أثناء خطبته من أمور ومواقف تضطرُّه إلى أن يغيَّر من بعض الأفكار والشواهد التي كان قد زوَّرها في نفسه وأعدّها قبل إلقاء خطبته، ويأتي بما يتناسب مع الظرف الطارئ والموقف الذي استدعى هذا التعديل المفاجئ .
يُضاف إلى ذلك أنَّ ثمَّةَ نوعاً من الخُطب يفتقر إلى الارتجال ليكون أقوى تأثيراً وأنفذ في نفس السامع ، وهذا الضَّرْب من الخُطَب هو الذي يرتكز إلى العاطفة المتدفِّقة والحماسة الثائرة، فحيث وُجد الظرف الذي يستشير المشاعر ويؤجج العواطف كان الارتجال أصلح وأبلغ ، لأن العاطفة الثائرة ترتبط بشدَّة مع ظرف المناسبة والجمهور المستمع، وتخضع لأدنى تغيُرٍ يطرأ على جوِّ المناسبة التي تُلقى فيها الخطبة، وهذا لا يتأتَّى إحكامه من نطاق الإعداد المسبق للكلام، لأنَّ الخطيب لم يكن يعيش حال إعداده خطبته هذه الطوارئ والتقلبات التي انتابت أجواء حديثه، بل لم يكن يتوقَّعها.
ومن الخُطَب التي يناسبها الارتجال : (( خطبة الجهاد )) وخاصّةًٍ إذا كان المستمعون هم الجنود الذين يقفون على أُهبة الاستعداد لقتال العدوِّ ، وكان الخطيب قائد الجند ، هنا لا خطابة أنسب من الارتجال، لأنَّ المجال مجال إثارة العواطف وإيقاظ المشاعر وبعث الحماسة في النفوس.
ومن الخطب التي ارتجلت في مثل هذا المقام ، وسجّلها التاريخ، فكانت إحدى روائع الخُطب خُطبةُ طارق بن زياد التي ألقاها في لحظة لقاء العدوِّ يوم فتح الأندلس [9].


الإعـداد
بعد أن تحدَّثنا عن الارتجال، وتبيَّنت لنا مزاياه ، واتضحت فضائله، وأدركنا موطنه المناسب، آن لنا أن نتحدّث عن إعداد الخُطب لنتعرف مزاياه وخصائصه التي تبرز من خلالها أهميتَّه وضرورته.
لقد اتضح لنا في البحث السابق أنّ الارتجال منوط بتأجيج العواطف وإثارة المشاعر، يعني هذا أنَّ التركيز العاطفي يكون فيه أظهر وأهم من التركيز الفكرّي الذي يحتاج إلى رؤية وأناة وهدوء وتأمُّل. وإذا حصل في الخطبة المرتجلة تركيز فكريّ عميق ، فإنّه يأتي عفوياً من وَحْي الظرف الطارئ والمناسبة الواقعة، لهذا وجدنا الخُطَب المرتجلة قصيرة النَّفَس قليلة الأفكار مفعمة بالعاطفة ، يسيطر عليها بركان الحماسة وحرارة الموقف .
وأما الإعداد فهو الذي يُنتج الأفكار الناضجة، والمعاني المتناسقة، والألفاظ المناسبة المنمَّقة المُوحية، والسبك الرائع المُعْجِب، والأداء القويّ المشرق، والنَّفس الطويل .
فلا يستطيع الخطيب أن يقدِّم موضوع خطبته كامل الأفكار متَّزن المعاني بديع الألفاظ رائع التعبير إلاّ بعد إعداد سابق ، حيث يخلو بمعارفه ومطالعاته، فيختار منها ما يناسب موضوعه، ويرّتبه ويرصفه رصفاً محكماً كلبنات البناء الواحد، ويتخيّر العبارات المناسبة التي تمنح خطبته جمالاً وتأثيراً .
وظاهرة الإعداد ليست دليلاً على ضعف الخطيب وضُمور قدرته الخطابيّة، بل نجد في الإعداد دليلاًّ على مدى عناية الخطيب بموضوع خطبته واهتمامه بجمهوره الذي ينتظر منه النفع، ويبتغي تحصيل الفائدة ، إذ لو ارتجل خطبته، ولم يعدَّ أفكارها ومعانيها الإعداد المناسب، لجاءت ضعيفة الغذاء قليلة الماء شاحبة الرُّواء عاجزة عن معالجة الموضوع من جوانبه كافّةً بصورة محكمة وطريقة صحيحة، فينشأ عن ذلك أن يفقد الخطيب ثقة جمهوره به ، بخلاف الإعداد فإنّه يثمر ثقة الناس بخطيبهم، لأنّهم لَمسوا آثار عنايته بهم وحرصهم على إفادتهم من خلال الأفكار الخصبة والمعاني الناضجة المتناسقة والألفاظ المعبِّرة والجمل الموحية التي يزجيها إليهم عبر خطبته .
ولقد كان كبار الخطباء وأرباب الكلام قديماً وحديثاًَ يجنحون إلى إعداد الخُطب، ولا يميلون إلى الارتجال إلاّ حينما يستدعيه الظّرف ويتطّلبه الموقف، ومن أدلَّة ذلك أنّ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عن نفسه يوم مبايعة سيِّدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة في سقيفة بني ساعدة التي دار فيها أمر خطير بين المسلمين:
( كنت زوَّرت[10] مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر)
وقال البعيث الشاعر ، وكان من أخطب الناس:
(إنِّي والله ما أُرسل الكلام قضيباً خشبياً، وما أُريد أن أخطب يوم الحفل إلاَّ بالهائت المحكَّك).[11]
وكان ابن النوَّام الرّقاشيُ يقول ، إذا دُعي إلى الكلام ولم يكن مهيِّئاً نفسه:
( ما اشتهى الخبز إلاَّ بائتاً )
ولمّا صعِد سيدِّنا عثمان بن عفّان رضي الله عنه المنبر يوم خلافته وأراد الكلام أُرتج عليه، فقال وهو على المنبر:
( أيُّها النَّاس إنَّ أوَّل كلِّ مركب صعب، وإنَّ أبا بكر وعمر كانا يعِدَان لهذا المقام مقاله، وإن أعش تأتكم الخُطَب على وجهها ، وسيجعل الله بعدَ عُسرٍ يسراً إن شاء الله ).
وكما ذكرنا في الارتجال من حيث ضرورتُه في بعض الخُطَب نقول هنا :
إنَّ الإعداد ضروريٌ أيضاً في بعض آخر من الخُطب، ولا يصحُّ العدول عنه إلى غيره، ومن هذه الخُطب: الخُطَب السياسيَّة التي تحتاج إلى دقَّ في إعداد الأفكار وتَهْييء المعاني، وحسن في التعبير، وقوَّة في الإلقاء. وكذلك الخُطّب الاجتماعيَّة التي تتناول مشاكل المجتمع وأمراضه، وتبحث في وسائل علاجها وصرف الدواء الناجع لها .
وأيضاً الخُطَب الفكريَّة والعلميَّة التي تتناول قضايا الفكر الإنسانيِّ ومسائل العلم الشرعيِّ والكونيِّ ، وتبحث فيها مرتكزةً على التحليل والاستنباط والاستدلال والتعليلات وغير ذلك من مسالك المعرفة.
فهذه الأنواع الخطابيَّة لا يجدي فيها غير الإعداد ، لأنّها تستند إلى الدقَّة والعُمق والإحكام.
وينقسم إعداد الخُطبة إلى قسمين هما :
1-   الإعداد الذهنيّ .
2-   الإعداد الكتابيِّ.
1] الإعداد الذهنيِّ :
هو تَهْيِئ أفكار الخطبة وألفاظها في الذهن قبل إلقائها ، وهذا تناولناه في السطور السابقة.


2] الإعداد الكتابيِّ :
هو ألا يقتصر الخطيب على تَهْيِئ معاني خطبته وكلماتها في ذهنه، وإنَّما يُثْبِت ذلك كتابةً في قِرْطاس.
والإعداد الكتابيِّ يكون على نوعين :
* النوع الأول:
الاقتصار على كتابة رؤوس أقلام الخطبة وعناصرها الرئيسية، وكتابة بعض النصوص المستشهد بها.
    ونجد كبار الخُطباء من يسلك هذا النَّمط في الإعداد الخطابيِّ . وفائدته أن يحصر أفكار خطبته وعناصرها الرئيسية، فلا يشرد عن بعضها ، ولا يشتطَّ في غيرها، وبذلك يُحكم بناء خطبته الفكريِّ ويضبط مسارها المعنويِّ على النسق الذي أعدَّه في ذهنه قبل إلقائها.
* النوع الثاني :
كتابة الموضوع كاملاً بأفكاره وكلماته، وهذا النوع ضروريٌّ في موطنَيْن :
أولاً ـ إذا كان الموضوع يبحث في قضيَّة علميَّة تكثُر فيها القواعد والنظريات، ويمكن أن تزلَّ بها الألسنة، وألاَّ تضبطها الأذهان بمختلف جوانبها وبدقائقها جميعها، ففي هذه الحال يُحسن بالخطيب أن يكتب موضوع خطبته بأفكاره وألفاظه حتى يؤدِّيها كاملةً بلا نقص أو خطأ.
ثانياً ـ إذا كان الخطيب مبتدئاً في مجال الخطابة، ولم يكن له سابق دُرْبةٍ، وكان ضحل المعرفة قليل المعين اللُّغويِّ والزاد الفكريِّ، فهو أحوج ما يكون إلى كتابة خطبته على ورقةٍ تكون بين يديه بمنزلة الوَزَر الذي يعتصم به والرُّكْن القويّ الذي يستند إليه، إذ لو اقتصر على إعداد الخُطبة في ذهنه دون كتابتها، وهمَّ بإلقائها استظهاراً ، فربَّما اضطرب في موقفه هيبةً من المستمعين الذين يشخصون إليه بأبصارهم ، فإذا وقعت عيناه عليهم، والتقت نظراته نظراتهم، انشعبت أفكاره، واضطرب ذهنه ، وتلعثم لسانه، واعترته رعدة الموقف وهيبة المقام ، فتأتي خطبته بسبب ذلك ضعيفة البنيان مهتزّة الأركان قليلة النفع سيَِئة الإلقاء، وربَّما ينعكس سوؤها على الخطيب نفسه ، فيعزف عن التصدِّي للكلام في مثل هذا الموقف مرَّة أخرى، ويفقد الشجاعة على أن يقوم خطيباً في قوم آخرين .
·   الخُطبة المكتوبة المستوردة :
لا بدَّ لنا ـ حيث تحدثنا عن إعداد الخُطب ـ من أن نتحدث عن الخُطبة المكتوبة، ونقف حيالها وقفةً نستجلي من خلالها بعض الملاحظات والنقاط الهامَّة التي نستكمل بها حديثنا عن موضوع إعداد الخطبة.


وفي توضيح ذلك نقول:
إنّ الخطبة المكتوبة إما أن تكون من إعداد الخطيب نفسه فهي تشتمل بذلك على طائفة من نتاج فكره، ومخزون علمه ومعرفته، ورصيد عواطفه ومشاعره، أو تكون من إعداد غيره.
والخطبة المكتوبة التي لا تكون من صنع الخطيب نفسه لا تُحقق تأثيرها وفعّاليتها في نفوس الناس المستمعين إليها إلاّ إذا عاشها الخطيب ـ الذي يلقيها ـ بعواطفه ومشاعره وأفكاره، وألقاها إلقاءً حسناً، وأدّاها أداءً كاملاً، فلم يخطئ بقراءة كلمة منها، ولم يلتبس عليه شيء من تراكيبها ومعانيها . فإذا انسجم الخطيب مع تلك الخطبة المكتوبة المستوردة بفكره وعواطفه وأحاسيسه، حتى أحسَّ جمهور المستمعين إليه كأنَّها نابعة من ذاته عند ذلك تؤتي ثمارها الطيَّبة في نفوس الناس ومشاعرهم وأفكارهم وتكون خطبةً ناجحةً نافعةً مؤثِّرة.
وأمّا إذا لم تتحقق هذه الخصال في الخطبة المكتوبة المستوردة، ولم يزد واقع الخطيب على أكثر من كونه قارئاً لها وملقياً لألفاظها وتراكيبها على الجمهور المستمع إليه، فإنَّ تأثيرها يكون ضعيفاً، ونفعها يكون محدوداً ومتوقِّفاً على مدى فهم الناس لمراد ألفاظها وتراكيبها وانسجامهم عَقْلاً وروحاً ووجداناً مع معانيها، حيث تصبح حالهم معها كحالهم مع أيَّة مقالة يقرؤونها في كتاب أو صحيفة ، أو يستمعون إليها عَبْر وسائل الإعلام المسموعة والمرئيَّة، هذا إذا أحسن الخطيب إلقاء الخطبة، وأصاب في قراءة ألفاظها وتراكيبها ، وأمّا إذا أخطأ ، واضطرب لسانه في قراءة كلماتها، وأتى بها على غير وجهها الصحيح، فإنَّ نتائجها تكون سيئةً في نفوس الناس وآثارها الفكريَّة والوجدانيَّة تكون مُفسِدة هدّامةً، ذلك لأنَّ لم يُبلِّغوا الفكرة الصحيحة، ولم يتلقَّوا المعارف المقصودة والفوائد المنشودة تلقياً سليماً، وإنَّما صُبَّت الخطبة في أذهانهم مزيجاً من الأغاليط والغموضات والالتباسات والأفكار المضطربة والألفاظ المتضاربة التي تجعلهم تارةً في حيرة وأُخرى في بعد ونفور من ذلك الخطيب الذي فقدوا معه أسباب الاتصال الفكريّ والروحيّ والوجدانيِّ.
ونذكر فيما يأتي أمثلة على مثالب الخطبة المستوردة إذا أساء الخطيب قراءتها ، ولم يُحسن أداءها، ولم يتفاعل روحيّا ووجدانيّاً معها.ألفز
* حضرتُ الجمعة في أحد المساجد، وأصغيت إلى الخطبة التي كان يلقيها الخطيب علينا مكتوبة في كرّاس أمسكه بيده ، فكان ذلك الخطيب كلّما أنهى قراءة ورقة من أوراق ذلك الكرّاس قلبها ليقرأ ما بعدها، فحدث أن قلب ورقتين معاً دون انتباه فانتقل بنا إلى موضوع آخر لا علاقة له بموضوع الخطبة التي كان يقرؤها علينا، ثمّ تابع حديثه دون توقُف، فأصبحنا في متاهة فكريَّة وروحيَّة ، وتمنينا انتهاء حديثه وتوقُّفه عن الكلام منتظرين إقامة الصلاة بفارغ الصبر لكي نحقِّق فيها حاجتنا من الاتصال الروحيّ والقلبيّ الذي فوَّت علينا ذلك الخطيبُ فرصتَه، وشتَّت أذهاننا وقلوبنا عن ثمرته.
* وذكروا لنا أنَّ خطيباً كان يلقي على الناس في أحد المحافل خطبة مكتوبة، لم تكن من بنات أفكاره ولا من رصيد علمه ومعارفه ، وإنَّما كانت خطبة مستوردة من صناعة غيره بألفاظها ومعانيها، فوصل أثناء قراءته إلى عبارات قرأها على الناس هكذا:
( البلاطم والزناعم واحد وخمسون واحد وخمسون ).
فتعجَّب الناس من كلامه ولم يفهموا مراده، ولمّا أنهى خُطبته استفسروا منه عن معنى تلك العبارات وما المقصود منها، فرجع إلى ورقة الخُطبة ينظر فيها، فاتضح له أنَّه قد أخطأ بقراءتها، والصواب أن يقرأها هكذا : ( البلاءُ طمًّ ، والزِّناَ عَمَّ، آه آه ).
* وذكروا أيضاً أنَّ خطيباً كان يُلقي على الناس خطبةً مكتوبة من كتابٍ قديمٍ اشتمل على مجموعة من الخُطب عدد أسابيع السَّنة، فكان ذلك الخطيب لا يُنقص حرفاً واحداً من تلك الخطب حتى الدعاء المكتوب في آخر الخطبة، فإنَّه كان يأتي به بحذافيره دون نقص أو تغيير، فكان يذكر اسم الخليفة في معرض الدعاء له حسبما جاء في كتاب تلك الخُطب مع أنّ الخليفة المذكور مات منذ سنين، وانصرمت خلافته منذ أمد، وأصبح مجرَّد ذكرى تاريخيَّة في نطاق ترجمة الشخصيَّات وسِيَر الملوك والخلفاء.
بعد هذا البيان وضَرْب تلك الأمثال نقول :
يجب على الخطيب أن يتنبَّه إلى خطر الخُطبة المستوردة، فإن كان لا بدَّ له منها فعليه أن يُراعي الأمور والملاحظات التي أشرنا إليها وملخَّصها :
أن يعيش مع تلك الخُطبة بفكره وروحه ووجدانه، وأن يتفاعل مع ألفاظها وتراكيبها ومعانيها كأنَّها من نتاج قريحته ومن عطاء فكره ومن فيوضات أعماقه ومشاعره.


أنواع الخُطَب الإسلامــيَّة
تقدَّم معنا: أنَّ الخطابة احتلَّت في الإسلام مكانة مرموقة، فأولاها عناية كبيرة واهتماماً بالغاً حتى أصبحت من جملة تشريعاته ومظاهر الدعوة إليه. ومن خلال نظرة فاحصة في تاريخ الخطبة الإسلاميَّة منذ انبثاق فجر الإِسلام وإلى عصرنا الحاضر نجد أنَّها تنقسم إلى قسمين :
الأوّل ـ الخطبة الإِسلاميَّة المنصوص عليها في الشرع، ولها أنواع عديدة، نوجزها بما يلي:
خطبة الجمعة ـ خطبة العيدين ـ خطبة الاستسقاء ـ خطبة الكسوف و الخسوف .
الثاني ـ الخطبة الإسلاميَّة غير المنصوص عليها شرعاً، وهي أنواع عدَّة أهمُّها :
خطبة ذكرى المولد النبويّ الشريف ـ خطبة ذكرى الإسراء والمعراج ـ خطبة ذكرى الهجرة الشريفة ـ خطبة ذكرى غزوة بدر ـ .
وهذا القسم يمكن أن نطلق عليه اسم (( خطب المناسبات الإسلاميَّة )). وقد اعتنى به الإِسلام ودعاته في سبيل إحياء ذكريات الإسلام العظيمة في نفوس المسلمين وإيقاظهم على حقائقها وأسرارها، لتكون حافزاً لهم على أن ينهضوا من رقادهم، ويفكوُّا عُروة سباتهم، وينطلقوا من جديد دعاة إلى الإسلام يبلِّغون رسالته، ويكتبون صفحة وجود رائعة في صناعة الأمجاد وفي بناء الحضارات وفي بلوغ أعلى منازل العزَّة والكرامة في تاريخ الحياة . وإليك تفصيل هذا الحديث.
***


[1]
الخطب الدينيَّة المنصوص عليها شَرْعاً
خطبة الجمعة
   تُعَدُّ خطبة الجمعة من أهمِّ الخُطَب الدينيَّة على الإطلاق، حيث من شأنها أن تُكرَّر في كلِّ أسبوع، ويمكننا أن ندرك مدى أهميتَّها في الشريعة الإسلامية من خلال الحديث عنها في النواحي الآتية :
أهمّيتها ومكانتها ـ حكمها ـ أوَّل جمعة جمعت في الإسلام ـ أوَّل خُطبة جمعة خطبها الرسول صلى الله عليه وسلم ـ شروطها ـ أركانها ـ سننها ـ آدابها .
* أهميَّتها ومكانتها
قال أحد المفكِّرين الإسلاميين :
إنَّ صلاة الجمعة والحجّ دعامتان قويّتان من دعامات الإسلام، إذا زالتا أُنذر الإسلام بالخطر.
نقول : إنَّ هذه الكلمة لا تتعارض مع قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }[12]، فنحن نؤمن إيماناً كبيراً بأنَّ الله سبحانه تكفَّل بحفظ هذا الدين الحنيف، ولكنَّه أناط هذا الحفظ بأسباب وعوامل، منها استقرار صلاة الجمعة وفريضة الحجِّ، وبقاؤهما قويَّتين حتى ترفع الكعبة، وتقوم الساعة .
فخطبة الجمعة ذات أهمية كبيرة وأثر بالغ في نشر الإسلام وترسيخ مبادئه السمحة في نفوس المسلمين الذين يجتمعون إليها في كل أسبوع، فتكون بهم مظهراً رائعاً من مظاهر قوَّة الإسلام ورسوخ كلمته في الحياة، كما هو الأمر في فريضة الحج، ففريضة الجمعة تحشد المسلمين في بيوت الله على صعيد المصر أو القرية أو الحيّ ، وفريضة الحج تحشد المسلمين على صعيد العالم الإسلاميَ، حيث يأتون من شتى بقاع الأرض فيجتمعون في وقت واحد بمكان واحد على عبادة يؤدّوُنها على نسق واحد. فتتجلى بذلك ضخامة الإسلام بأُمته وقوتُه في أتباعه .
ويمكننا إدراك أهميَّة فريضة الجمعة وأثرها البالغ في حياة المسلمين من خلال ظاهرة تعبُر واقعهم في هذا العصر، وهي أنَّنا نجد عدداً كبيراً من المسلمين كباراً وصغاراً قد يتهاونون بالصلوات الخمس اليوميَّة ، ويقصِّرون في أدائها، ولكنَّهم إذا جاء يوم الجمعة تركوا أعمالهم ومشاغل دنياهم، وانطلقوا مغتسلين متطيِّبين متزيِّنين إلى المساجد التي تمتلئ بهم حيث يجلسون في رحابها يستمعون إلى خطبة الجمعة، ثمَّ يؤدُّون صلاتها، ليرجعوا بعد ذلك إلى بيوتهم منشرحي الصدور، وقد اغتبطوا بأنوار ما استمعوا إليه من الذكر والمواعظ النافعة.
وفي ذلك دليل واضح على القوَّة العجيبة التي أودعها الله في فريضة الجمعة وعلى التأثير البليغ في خطبتها .
* حكمها :
خطبة الجمعة شرط أساسيِّ لصحَّة صلاة الجمعة التي فُرِضت قبيل الهجرة، والتي جاء النصُّ على فرضيَّتها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{9}.[13]
قال المفسِّرون : ذكر الله، يعني : خطبة الجمعة .
كما نُصَّ على فرضها في السنَّة الشريفة في قوله صلى الله عليه وسلم :
(( الجمعة حقٌ واجب على كلّ مسلم في جماعة إلاَ أربعة: عبد مملوك، وامرأة، أو صبي أو مريض )).[14]
* أوّل جمعة في الإسلام
وأوّل جمعة في الإسلام هي الجمعة التي جمعها أسعد بن زرارة رضي الله عنه أحد النقباء الاثني عشر، وقد أقامها ببني بياضة في نقيع الخضمات، وهي منطقة على ميلين من المدينة المنوَّرة.
* أول خطبة جمعة خطبها الرسول صلى الله عليه وسلم
لقد علمنا أنّ صلاة الجمعة فرضت قبل الهجرة، ولكنّ الظروف القاهرة التي كانت تحيط بالرسول عليه صلاة والسلام وأصحابه الكرام رضي الله عنهم لم تمكِّنه من القيام بتلك الفريضة العظيمة، إلى أن امتنّ الله عليه وعلى أُمّته بالهجرة المباركة، حيث انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجِّهاً إلى المدينة المنوَّرة، ولماّ بلغ قُباء أقام فيها في بني عوفٍ أيّام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم تابع سيرة نحو المدينة المنوَّرة، فلمّا وصل إلى منزل بني سالم أدركته الجمعة فصلاّها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاّها بالمدينة، ومن ثمَّ سمّي ذلك المسجد ( مسجد الجمعة )[15].


* شروط خطبة الجمعة
لخطبة الجمعة شروط عِدّة، هي [16]:
1- أن تكون خطبتين .
2- أن تقع في وقت الظهر .
3- أن تتقدَّم على صلاة الجمعة .
4- أن تكون بالعربيَّة .
5- الموالاة بين أركان الخطبة .
6- الموالاة بين الخطبتين .
7- الموالاة بين الخطبة الثانية و الصلاة .
8- القيام عند الخطبة إذا كان الخطيب قادراً على القيام .
9- أن يكون الخطيب ساتراً للعورة.
10- أن يكون الخطيب طاهراً من الحَدَثَيْن الأكبر والأصغر.
11- أن يجلس بين الخطبتين، ويسنُّ بقدر سورة الإخلاص.
12- أن يُسمع أربعين ممََّن تنعقد بهم الجمعة .
* أركان خطبة الجمعة
لخطبة الجمعة خمسة أركان، هي [17]:
1- حمد الله تعالى بأيّ صيغة من صيغ الحمد.
2- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأيّ صيغة من صيغ الصلاة.
3- الوصيَّة بالتقوى بأيّ صيغة كانت.
وهذه الأركان الثلاثة يجب تكرارها في الخطبتين.
4- قراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين ، وفي الأولى أولى .
5- الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الخطبة الثانية .


* سنن خطبة الجمعة
لخطبة الجمعة سنن، منها :
1-   كونها على منبر أو موضع عالٍ.
2-   أن يسلِّم الخطيب على المسلمين إذا دخل المسجد، وعندما يصعد المنبر ويلتفت إلى المصلِّين بوجهه.
3-   أن يستقبل الخطيب الناس بوجهه.
4-   ترتيب أركان الخطبة.
5-   أن تكون الخطبة بليغة مفهمة .
6-   أن يضع يمناه على حرف المنبر ، ويمسك بيسراه سيفاً.
7-   أن يقرأ في الجلوس بين الخطبتين سورة الإخلاص.
8-   أن يقرأ سورة (ق) أو بعضها في كل خطبة.
* آداب خطبة الجمعة
لخطبة الجمعة آداب ، منها :
1- يستحب للخطيب أن ينظِّف جسمه وثيابه، ويلبس البياض، ويتطيَّب لقوله صلى الله عليه وسلم :
(( أحسن ما زرتم الله عزَّ وجَّل به في قبوركم ومساجدكم البياض ))[18].
2- يندب للخطيب أن يتأخَّر إلى وقت الخطبة .
3- ألاَّ يقعد إلاَّ بعد أن يصلّي تحيَّة المسجد .
   * كيفيَّة خطبة الجمعة
  يبدأ خطيب الجمعة خطبته بالحمد لله ، ولها صيغ عديدة منها :
  (( إنّ الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له)).
  ثم يتبعها بالصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم مسبقة بالشهادتين:
  (( وأشهد أن ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك الله له، وأشهد أنّ سيِّدنا محمداً عبده ورسوله، اللّهمَّ صلِّ على سيَّدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدِّين )).
 


ثمَّ يوصي المصلِّين بتقوى الله سبحانه، ويكون ذلك إمّا بقراءة آية فيها وصيَّة بالتقوى مثال :
 قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }[19]
 قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ }[20]
قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }[21]
   قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً } [22]
  ونحو هذه الآيات :
  وإمّا بكلام غير القرآن الكريم نحو قوله :
( أوصيكم ونفسي المخطئة بتقوى الله ، وأحثُّكم على طاعته )
  ثم يشرع الخطيب في الدخول بالموضوع الذي يريد أن يتحدّث به في خطبته، وحبّذا أن يبدأ دخوله في موضوعه بقراءة الآية أو الآيات التي يدور في فلكها. ثم يدخل في تفاصيل الموضوع مراعياً تناسق هيكله وتتابع مراحله مضبوطة وشكل متوازن .
  فيبدأ بالمقدمة التي يَسْتَهلُ بها الدخول في موضوعه، ثم يتناول موضوع خطبته مقسِّماً إيّاه إلى فقرات مرتبة ترتيباً مناسباً، ثم يُنهي خطبته الأولى بخاتمة يختم بها موضوعه، وبهذا يكون قد حقَّق بناء موضوع خطبته بكامل مراحله.
  وقبل أن يجلس بين الخطبتين يأمر الناس بالاستغفار، ولذلك صيغ منها :
( أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله )
ثم يجلس بين الخطبتين جلسة قصيرة بمقدار ما يقرأ سورة الإخلاص.
  ثم يقوم إلى خطبة الثانية، ويبدؤها بالحمدلله كما بدأ الخطبة الأولى، ثم الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم الوصية بالتقوى كما هو الشأن في الخطبة الأولى .
  وبعضهم يميَّز بين الخطبة الأولى والخطبة الثانية بصيغة الحمد لله والصلاة على رسول الله والأمر بالتقوى، مثال ذلك أن يقول في بدء الخطبة الثانية :
  ( الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر. أشكره تعالى وهو الذي وعد المزيد لمن شكر. عباد الله، اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما عنه نهى وزجر، وأخرجوا حُب الدنيا من قلوبكم فإنَّه إذا استولى أسر، وحافظوا على الطاعات وحضور الجمع والجماعات، واعلموا أن الله أمركم بأمر عميم بدأ به بنفسه، وثنى بملائكة قُدسه، فقال تعالى ولم يزل قائلاً حكيماً، تشريفاً لقدر نبيِّه وتعظيماً، وإرشاداً لنا وتعليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً }[23]. اللَّهم صلي على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ) أ.هـ
  ولا يُشترط على الخطيب أن يلتزم في خطبته مثل هذه الصيغة، بل له أن يأتي بأيَّة صيغة شاء على أن تتوفَّر فيها الأركان الثلاثة التي ذكرنا شرط تكرارها في الخطبتين .
  ثمَّ للخطيب بعد ذلك أن يُتمَّ ما تبقَّى من موضوعه في الخطبة الثانية إذا لم يكن قد أتَّمه في الخطبة الأولى، أو يذكَّر الناس ويعظهم بما يؤكد مضمون موضوع خطبته الأولى، بحيث يكون ملخَّصاً بليغاً له، يبقى في أذهانهم بعد أدائهم الجمعة وذهابهم إلى مقاصدهم.
  ولقد استحسن أهل العلم أن يقرأ الخطيب قبل نزوله من فوق المنبر قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }[24]
* * *


خطبة العيد
  العيد مأخوذ من العود وهو الارتداد والرجوع، فسميّ بذلك لرجوعه وتكرار الاحتفال به في كلّ عام كلّما حان موعده .
  والعيد موسم يشيع فيه الفرح والابتهاج، ويلتقي فيه الناس على الموّدة والمحبّة والسعادة والهناء، وتفيض في أجوائه المعاني الإنسانيّة الكريمة، ويزداد فيه التواصل والتراحم بين الناس، ويمرح فيه الأطفال، ويبتهج الكبار، ويضحك الفقراء، ويتزاور الأقرباء والأصدقاء والأصحاب والجيران، ويأخذ الجميع زينتهم في المأكل والمشرب والملبس.
  ولقد صعّد الإسلام مفهوم العيد، فجعله في ميزانه الطاهر من مواسم العبادة والطاعة، لذلك شرع الله للأُمَّة المسلمة عيدين في العام هما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وأقَّتهما عقب عبادتين عظيمتين هما من أركان دينه الحنيف، الأول عقب صيام شهر رمضان والثاني عقب فريضة الحجّ إلى بيت الله الحرام، فكان ذلك دليلاً على أنّ العيد امتداد لأجواء طاعة الله تعالى وعبادته، لذلك شُرع فيه كثرة ذكر الله تعالى بالتهليل والتكبير، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (( زينوا أعيادكم بالتكبير )) [25]
وقال : (( أيّام التشريق أيّام أكل وشرب وذِكر الله )) [26]
  كما شرع الله تعالى للعيد صلاة وخطبة بعدها تعرفان به، وأودع فيهما تأثيراً بالغاً في ترسيخ دعائم العبودِّية لله والاستقامة على منهج طاعته ,
  ولبيان مكانة خطبة العيد ومنزلتها في شرع الله الحق سوف نتحدَّث عنها في الأمور الآتية:
أهميَّتها ـ حكمها ـ شروطها ـ سننها ـ آدابها ـ خطبة الرسول في العيد ـ كيفيَّتها ـ ملاحظة قيِّمة.
 * أهمية خطبة العيد :
  لا تقل خطبة العيد أهمِّيتها عن سواها من الخُطب الدينيَّة ، فهي ميدان رحب لتذكير الناس بكثير من القضايا التي ينبغي ألا يغفُلوا عنها ، ولتنبيههم إلى أمور لها مساس مباشر بواقعهم في مناسبات أعيادهم، فخُطبة العيد ذات دور فعَّال في إيقاظ الناس على حقائق دينهم وآداب شريعتهم، وتوجيههم إلى المعاني الإنسانيَّة العالية والأخلاق الفاضلة والاستقامة على منهج طاعة الله وحسن عبادته .
 * حكم خطبة العيد :
  أجمع الفقهاء على أنّ خطبة العيد سنَّة بعد ركعتين .


 * أركان خطبة العيد وشروطها :
  أركان خطبة العيد هي أركان خطبة الجمعة نفسها .
    وأما شروطها فاثنان، هما :
1- أن تكون خطبتين .
2- التأخير عن الصلاة .
 * سنن خطبة العيد :
 يُسَنَّ في خطبة العيد إضافة إلى السنن الواردة في خطبة الجمعة :
1-الطهارة .
2-السترة .
3-القيام .
4-الجلوس بين الخطبتين .
5-كونهما بالعربيَّة .
6-افتتاح الأولى بتسع تكبيرات مع الإفراد .
7-الموالاة في التكبيرات مع الإفراد .
8-أن يعلَّم الخطيب الناس في عيد الفطر أحكام زكاة الفطر وفي عيد الأضحى أحكام الأضحية.
   * آداب خطبة العيد
آداب خطبة العيد هي آداب خطبة الجمعة نفسها .
* كيفية خطبة العيد
    لا تفترق خطبة العيد عن خطبة الجمعة من حيث كيفيَّة أدائها إلاَّ في شيءٍ واحدٍ فقط وهو مقدِّمة الخطبتين ، حيث يُسنُّ في الخطبة الأولى أن تُفتتح بتسع تكبيرات، وفي الخطبة الثانية أن تُفتتح بسبع تكبيرات .
 * خطبة الرسول
    عن جابر رضي الله عنه قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان. . ولا إقامة، ثم متوكِّئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناس، وذكّرهم، ثمَّ مضى حتى أتى النساء، فوعظهنَّ، وذكرَّهن، فقال: (تصدَّقن فإنَّ أكثركنَّ حطب جهنَّم ).
    فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدَّين، فقالت: لِمَ يا رسول الله ؟
قال: لأنَّكنَّ تكثرن الشكاة وتكفُرن العشير)) .
قال: فجعلهن يتصدقن من حُليهنَّ، ويُلقين في ثوب بلال من أقراطهنَّ وخواتمهنَّ)[27] . أهـ
* ملاحظة قيِّمة :
    ينبغي لخطيب أن يتناول في خطبته المواضيع التي تتعلَّق بواقع المسلمين في أعيادهم، فيتحدَّث عن صلة الأرحام وزيارة الأقرباء وإعانة الفقراء والعطف على الأيتام والأرامل والإحسان إلى الجيران وتفقد أحوال الأصحاب والإخوان في الله، ويبيّن فضل ذلك. كما ينبغي له أن ينبِّه إلى المنكرات والمعاصي التي أصبحت تجتاح أعياد المسلمين في هذه الأيام، وتكتسح بيوتهم بشكل سافر في أيَّام الأعياد، فيحذَّرهم من الاختلاط، وينذرهم خطره على المجتمع كلّه، ويحذّرهم من الانحراف الخلقيّ الذي يسقط فيه أبناؤهم، وتغرق في لجّته فتياتهم، وخاصّة في الأعياد التي أصبحت مآتم تذبح فيها الفضائل، وتراق فيها دماء الشرف والعفاف. ويحضُّهم على أن يجعلوا أعيادهم كما أمر الله تعالى: مواسم للعبادة والطاعة، ومناسبات لزيادة التواصل وتمتين التآصر والتلاحم بين أفراد المجتمع المسلم.
    ولا بأس بالخطيب في أن يربط بين رمضان وعيد الفطر، ويذكّر الناس بفضل يوم العيد الذي هو يوم الجائزة، كما يربط ما بين عيد الأضحى والحجّ والأضحية. وحبّذا أن يذكر للناس قصَّّة سيّدنا إبراهيم عليه السلام وعندما عزم على أن يذبح ولده إسماعيل عليه السلام تنفيذاً لأمر الله، وليحرص على أن يجعل هذا الحادث مدرسة تنطلق منها أروع المبادئ وأعظم المواعظ وأجلُّ الدروس التي يحتاجها المسلمون في حياتهم، ويتجنَّب في رواية هذا الحادث خُلُق القُصاص الذين يكتفون بسرد الوقائع، ولا يقفون حيال العبر والعظات المستفادة منها .
* * *


خطبة الاستسقاء
  الاستسقاء لغة: هو طلب السُّقيا.
  وشرعاً: هو طلب السُّقيا من الله تعالى عند الحاجة إليها، وذلك إذا انحبس الماء، وجفَّ الزرع، وتفشى القحط .
  وقد صلى الله رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الاستسقاء، وخطب خطبتها عندما اشتدّ القحط على الناس، وشحَّت المياه . وأفاد ابن حبّان أنّ خروج الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الاستسقاء كان شهر رمضان سنة ستِّ من الهجرة .
  ولبيان أهميّة خطبة الاستسقاء سوف نبحث في الأمور الآتية :
  أهميّة خطبة الاستسقاء ـ خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ـ حكمها ـ أركانها شروطها ـ سننها ـ كيفيَّتها .
* أهمية خُطبة الاستسقاء
  لخطبة الاستسقاء أهميّة بارزة في ميدان التذكير وتهيئ النفوس للتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ، لأنها تُلقى في موطن الخضوع والابتهال والتضرُع والتذلُل بين يدي الله سبحانه، حيث يسعى الناس مع أطفالهم وشيوخهم وبهائمهم ليكونوا على صعيد واحد يعُجُّون إلى الله سبحانه بالدعاء، ويضرعون إليه يسألونه الرحمة والرأفة بأطفالهم وشيوخهم، ويذرفون دموع التوبة والانكسار، فيقوم الإمام فيهم خطيباً يحضُّهم على خلع الدنيا من قلوبهم وصدق الإقبال على الله الذي بيده رزقهم ورزق أطفالهم ونسائهم وبهائمهم، ويحذِّرهم من خطر العصيان وشرّ الذنوب والآثام، ويبيّن لهم أن انحباس القَطر من السماء هو من أنواع البلاء الذي سبب ارتكاب الذنوب وهضم الحقوق والتقصير في حق الله تعالى، ولا مناص لهم في سبيل الخلاص إلى الله رب العالمين .
  فخطبة الاستسقاء ذات أثر فعَّال في تحريك المشاعر، وتهييج العواطف نحو الله تعالى، ودفع المؤمنين إلى حظيرة التوبة والإنابة إليه سبحانه.
   * خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء
  روى أبو داود، وابن حبَّان عن عائشة رضي الله عنها قالت :
شكى الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قحط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلّى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر ، فكبَّر ، وحمدالله ، ثمّ قال :
  (( إنّكم شكوتم جّدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثمَّ قال :
  الحمدلله ربِّ العالمين . الرّحمن الرحيم. مالك يوم الدِّين الذي لا إله إلاّ هو يفعل ما يريد. اللَّهم أنت الله لا إله إلاّ أنت الغنيّ ونحن الفقراء إليك، اللَّهم أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوَّة وبلاغاً إلى حين )) .
  ثمَّ رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه، ثمَّ حوِّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة، وحوّل رداءه وهو رافع يديه، ثمَّ أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحاباً، فرعدت، وبرقت، ثمَّ أمطرت بإذن الله، ضحك حتى بدت نواجذه، فقال : (( أشهد أنّ الله على كل شيء قدير، وأنّي عبدالله ورسولُه)).
  * حكم خُطبة الاستسقاء
  هي سنَّة مؤكدَّة، وهي تتألف من خطبتين كما في الجمعة والعيد .
  * أركان خطبة الاستسقاء وشروطها
  أركانها هي أركان خطبة الجمعة نفسها .
 وشروطها هي شروط خطبة العيد بالإضافة إلى أن يرفع الخطيب صوتَه حتى يسمع الناس في ذلك الموقف.
  * سنن خطبة الاستسقاء
  يُسَنُّ في خطبة الاستسقاء السنن الواردة في خطبة العيد ، ويضاف إليها الأمور الآتية :
1- أن تفتتح الخطبتان بالاستغفار بدل التكبير، لأنه المناسب هنا بسبب وعد الله سبحانه المستغفرين بإرسال الغيث إذ قال سبحانه : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً{12}[28]
وصيغة الاستغفار التي يقولها الخطيب هي :
( أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيوم وأتوب إليه )، يقولها تسع مرَّات في الخطبة الأولى وسبع مرَّات في الخطبة الثانية .
2- الدعاء في الخطبة الأولى جهراً بأدعية الاستسقاء الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام نحو :
(( اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، مريعاً غدقاً، سحّاً طبقاً، دائماً، اللَّهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين )).
3- أن يستقبل الخطيب القبلة في أثناء الخطبة الثانية، ويبالغ في الدعاء سرّاً وجهرّاً .
4- أن يحوّل الخطيب رداءه عند استقبال القبلة .
* كيفيّة خطبة الاستسقاء
   يفتتح الخطيب الخطبة الأولى بالاستغفار تسع مرات، ثم يشرع فيها كخطبة الجمعة، ويقرأ قوله تعالى : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً{12}[29]
   ويوجِّه موضوع خطبته بما يتناسب مع الأصدقاء، فيحضُّ الناس على التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه والتضرُّع والخضوع والتذلُّل بين يدي الله سبحانه، ويحثُّهم على كثرة الاستغفار.
   ثمَّ يشرع في الدعاء، وخاصَّةّّ في الخطبة الثانية حيث يستقبل القبلة ،ويكثر من الدعاء، ويبالغ فيه سرًّا وجهرّاً، ويحرص على أن يدعو بالأدعية المأثورة .
   ومن الأدعية المستحسنة في ذلك:
(( اللَّهم إنَّ بالعباد والبلاد والخلق من اللأوَاءِ والجَهد والضَّنك ما لا نشكو إلاّ إليك، اللهمَّ أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللَّهم ارفع عنّا الجَهد والجوع والعُري، واكشف عنَّا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللَّهم إنَّا نستغفرك إنَّك كنت غفاراً ، فأرسل السماء علينا مدراراً ))
   وأثناء دعائه واستقباله يحوّل رداءَه، فيجعل يمينه يساره ويساره يمينه أو أعلاه أسفله، ويرفع في الدعاء كفَّيه جاعلاً ظهريهما إلى السماء، لأنّه في موطن طلب رفع البلاء من الله سبحانه وتزول الرحمة، وبعد ذلك يتوجّه نحو الناس، ويتمُ خطبته بالحثّ على الطاعة والصلاة على الرسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء للمؤمنين والمؤمنات .
   ولا بأس بالاستسقاء بالصالحين من عبد الله كما فعل سيِّدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، عندما استسقى بالعبَّاس عمّ الرسول الله ، وكما فعل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما استسقى بيزيد بن الأسود حيث قال : اللَّهم إنَّا نستسقي بيزيد بن الأسود .
*   *   *


خطبة الكسوف والخسوف
   الكسوف مأخوذ من الكسف وهو: الاستتار. وهو ظاهرة كونيَّة تطرا على الشمس عندما يقع القمر بينهما وبين الأرض، فيخفُّ ضوؤها عنَّا ويستتر .
   وأمَّا الخسوف فهو مأخوذ من الخسف ويعني : المحو، وهو أيضاً ظاهرة كونيَّة تحدث عندما يحُول جِرم الأرض بين الشمس والقمر، فيحجب نورها عن القمر ، فيُظلم.
   ولمّا كانت هذه الظاهرة الكونيَّة تقع في فترات زمنيَّة متباعدة ، فإنَّ حدوثها أصبح كالحوادث الكونيَّة النادرة التي تُلقى في قلب الإنسان فزعاً ورعباً حين وقوعها، لهذا شُرِعت لها الصلاة في الإسلام رجاء أن يكشفها الله، وتعود الشمس والقمر إلى وضعها الطبيعيِّ ، فيأمن الناس .
   وقد شُرعت صلاة الكسوف في السنة الثانية للهجرة، وأما صلاة الخسوف فقد شٌرعت في السنة الخامسة للهجرة ,
   ولبيان أهميّة خطبتّيْ الكسوف والخسوف سوف نتحدَّث عنها في الأمور الآنية :
أهمية خطبة الكسوف ـ خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكسوف ـ حكمها ـ أركانها ـ شروطها ـ سننها ـ كيفيَّتها ـ ملاحظة هامَّة .
* أهمية خطبة الكسوف
   إنّ لخطبة الكسوف أهميّة لا تقلُّ في وزنها عن أهميّة الخطب الدينيَّة الأخرى ، لأنّ فيها رصيداً كبيراً من التذكير والتوجيه المناسب لحادث الكسوف حيث يتناول الخطيب فيها موضوع الحديث عن الساعة وأهوالها مما يؤدي إلى إيقاظ القلوب الغافلة والنُّفوس السادرة، وبعث معاني الخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى، وتنبيه الناس إلى ذلك الموقف العصيب الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم .
* خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكسوف
   جاء فيما أخرجه الإمام مسلم عن سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها قالت:
خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي، فأطال القيّام جدّاً، ثمَّ ركع فأطال الركوع جدّاً، ثم رفع رأسه فأطال القيام جدّاً، وهو دون القيام الأوَّل ، ثمَّ ركع فأطال الركوع ، وهو دون الركوع الأول، ثمَّ سجد، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأوّل ، ثمَّ ركع فأطال الركوع ، وهو دون الركوع الأوّل ،ثمَّ رفع رأسه، فقام فأطال القيام، وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأوّل ، ثم سجد،
 
 
 
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد انجلت الشمس، فخطب الناس،
فحمدالله، وأثنى عليه ثمَّ قال :
   (( إنّ الشَّمس والقمر من آيات الله، وإنَّهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، فكبِّروا، وادعوا الله وصلُّوا، وتصدَّقوا، يا أمَّة محمَّد: إنّ من أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمتُه. يا أمّة محمد : والله لو تعلمون ما أعلم لبكَيْتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، ألا هل بلَّغت)).
* حكم خطبة الكسوف
   هي سنَّة عند الإمام الشافعي فقط، وأمّا عند غيره فهي لا تُسنّ وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لها حسب ما أوّله غير الشافعي كان من أجل الردّ على من قال: لقد كسفت الشمس حُزناً على موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم .
* أركان خطبة الكسوف
   هي أركان خطبة الجمعة نفسها ,
* شروط خطبة الكسوف
   (تنفق خطبة الكسوف في شروطها مع خطبة العيد، والمعتمد فيها عند الشافعية أن تكون بخطبتين كما هو شأن خطبة العيد، وذلك بعد صلاة الكسوف، ويشترط فيها أن يرفع الخطيب صوته ليسمع الناس في مثل هذا الموقف .
* سنن خطبة الكسوف
   سنن خطبة الكسوف هي سنن خطبة العيد نفسها، ولكن يضاف إلى ذلك :
1- إبدال التكبير بالاستغفار كما هو الشأن في خطبة الاستسقاء، لأنّ واقع الحال يتطلب التوبة والاستغفار .
2- أن يحضّ الخطيب الناس على التوبة وفعل الخيرات، ويحثّهم على الصدقة .
3- الإكثار من الدعاء والاستغفار .
  * كيفيَّة خطبة الكسوف
  لا تختلف خطبة الكسوف من حيث أداؤها عن خطبة الجمعة والعبد، اللَّهم إلاّ بفاتحة الخطبتين، حيث يفتتح الخطيب الخطبة الأولى بالاستغفار تسعاً، والثانية بالاستغفار سبعاً كما هو شأن خطبة الاستسقاء .
  ثم يشرع بأركان الخطبة المعهودة في خطبة الجمعة، ويحرص خطيب الكسوف على أن يحضّ الناس على التوبة ، ويذكّرهم الآخرة، ويحذّرهم من المعاصي والمحرّمات، ويكثر في الخطبة من الدعاء والاستغفار، ويبيِّن لهم أنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله سبحانه، فإذا حدث فيهما خسوف أو كسوف، فعليهم أن يزدادوا إقبالاً على ربهِّم، وأن يكثروا من الاستغفار والتوبة في هذا المقام الذي يذكّرهم بأهوال يوم القيامة .
  ثم ينهي خطبته كما يفعل في خطبة الجمعة .
  * ملاحظة هامّة
  ينبغي على الخطيب أن يستغلّ هذه المناسبة الحادثة، فيذكّر الناس ويعظهم ويحذّرهم من مغبّة الغفلة عن الله، ويحضُّهم على أن يرجعوا إلى ربّهم، وأن ينظفوا قلوبهم من حُب الدنيا وشهواتها، ويطهِّروا نفوسهم من التعلق بفتنتها والخضوع لمغريتها، ويذكِّرهم باليوم الموعود الذي يضطرب فيه نظام الكون، ويختلُّ فيه توازنه، وتتبدَّل معالمه، فكأنَّ الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، فإذا بالشمس تكوّر، والنجوم تنكدر، والقمر ينخسف، ويصبح الناس يتخبَّطون كالسكارى، ويضطربون وهم حيارى . ويقرأ عليهم الآيات التي تتحدث عن الساعة وأهوالها نحو قوله سبحانه : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }[30].
  وقوله سبحانه في وصف بعض مظاهر أهوال القيامة :
  {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ }[31].
  وقوله : فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ{7} وَخَسَفَ الْقَمَرُ{8} وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ{9} يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ{10}[32]
  ويعمد الخطيب إلى الإكثار من الدعاء والاستغفار في خطبته ، ويدعو الناس إلى مشاركته في ذلك.
وينبغي لنا أخيراً أن نعلم أنّ خطبة الكسوف لا تسقط سنَّتها، وإنْ انكشفت الشمس أو تجلَّى القمر قبل الشروع فيها .
* * *


[2] الخطب الدينيّة غير المنصوص عليها شرْعاً
يُعرف هذا الضرب من الخُطُب بخُطُب المناسبات الإسلاميَّة، لأنّ برنامجه يرتكز على المناسبات الإسلاميّة البارزة في حياة الإسلام والمسلمين، ولم يرد فيه نصٌّ شرعيٌّ ولا كان معروفاً في عهود الخلفاء الراشدين ولا الأمويين ولا العباسيين ولا من جاء بعدهم، وإنّما هو ضرب جديد استحسنه علماء الإسلام في زماننا ، ورغَّبوا فيه لأنّه يمتاز بأهميّة كبيرة وأثر فعّال في ميدان الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى .
ومناسبات الإسلام عديدة، ولكنّنا سوف نقتصر في حديثنا عنها على أكثرها ذيوعاً وأشدّها أثراً في تغيير مجرى تاريخ الحياة مع اعتقادنا المطلق أن المناسبات الإسلامية كلّها ذات أهمية بالغة في حياة المسلمين على امتداد عصورهم وتلاحق أجيالهم .
والغاية من الاهتمام بهذه المناسبات الإسلاميّة والحرص على ذيوعها والتذكير بها، كلّما أطلّ وقتها ودنا زمانها، هي إحياء نفوس المسلمين، وإذكاء قلوبهم بهذه الذكريات الرائعة، وتذكيرهم بتلك الأحداث المجيدة التي كان لها بالغ الأثر في توجيه حركة الدعوة الإسلامية عبر تاريخ الإنسانيّة ودفعها نحو تحقيق غايتها العُليا في هداية البشريّة إلى الله والتزام منهجه الحقّ الذي ارتضاه لعباده حيث قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً }[33]
وذكريات الإسلام العظيمة تُمدُّ المسلمين بقوّة كبيرة حيث يشحذ إحياؤها عزائمهم، ويُوقِد شعلة الإيمان في قلوبهم ، ويحيى فيهم المعاني السامية التي تقوِّي صلتهم بإسلامهم وارتباطهم برسولهم الكريم وأسلافهم الصالحين، وتكون مناط عزِّهم وفخارهم في الناس.
ولقد حرصت التيارات المعادية للإسلام على طمس معالم هذه الذكريات المجيدة وإسقاطها من
ذاكرة المسلمين، لكي يفقدوا بنسيانها قوّة معنويّة تدفعهم في سبيل العزَّة والكرامة والتقدُّم والازدهار
والأُمّة التي لا تملك لنفسها رصيداً مناسباً من الذكريات الشامخة، ولا يحفل تاريخها بشيء من مناسبات عزّها وفخارها وتقدّمها وانتصارها تكون فاقدةّ لمصدرِ فعّال من مصادر القوّة في حياتها. لذلك كانت معظم الشعوب والأمم على امتداد الحياة تقتفي أثر مناسبات ماضيها الرائعة، وتسعى خلف ذكرياتها العريقة التي تنشد فيها عزّها ، وتستمد منها قوّة ترفِد بها قوّتها .
وما دام الأمر كذلك، فإنّ ذكريات الإسلام ومناسبته العظيمة جديرة بالاهتمام الكبير والاحتفاء الواسع، لأنّه ليس في تاريخ الإنسانية منحة لا تَخْلَق ولا تبيد على مرِّ الزمان، بل تظلّ أبد الدهر شاهدةً على عظمة الإسلام وأثره البنّاء في الوجود كلّه.
فلا عذر للمسلمين إن تخلَّوا عن الاهتمام بهذه الذكريات، بل واجبهم أن يغتنموا فرصة الاحتفال بها، ويتَّخذوا ذلك مطلقاًَ إلى توحيد صفِّهم واجتماع كلمتهم واستعادة عزِّ أسلافهم وأمجاد أبائهم وأجدادهم ، ليصبح واقعاً يعيشونه في هذا العصر المتأخر من الزمان .
خطبة مناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم
لا ريب في أنَّ أوّل مناسبة إسلامية نبدأ الحديث عنها في هذا الفصل هي مناسبة ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وسوف نتكلّم عن هذه المناسبة في النواحي الآتية :
- التعريف بالمناسبة .
- أثر إحياء ذكرى المولد في حياة الأُمَّة المسلمة .
- خصائص خطبة مناسبة المولد .
- موضوع خطبة مناسبة المولد .
- مواضيع مقترحة حول ذكرى المولد.
- مراجع لموضوع ذكرى المولد .
* التعريف بذكرى ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام
إنّ ذكرى ميلاد النبيِّ عليه الصلاة والسلام تُعدُّ من أبرز وأعلى وأجلِّ مناسبات الإسلام وذكرياته على الإطلاق، بل هي الأصل الأوّل لمناسبات الإسلام قاطبة، لأنّ الله سبحانه وتعالى أناط بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام مولد الإسلام، وربط بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم مجيء الشريعة الغرّاء التي ما كان لنا أن ننعم بخيرها وفضلها لولا ظهور الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان مولده مبعثاً لإشعاع نور الهداية الخالد ومصدراً لنشر كلمة الحق في آفاق الحياة.
* أثر إحياء ذكرى المولد في الأُمَّة
لمَّا كان الإسلام هو الحياة الحقيقيَّة القويمة التي ينبغي أن يحياها الإنسان بمختلف مرافقها ومناحيها وكان جديراً بمولد هذه الحياة المثلى أن يكون مناسبة تتكرَّر عَبْر الزمان، وذكرى تحيا بها الأجيال الإسلامية في شتى العصور إلى قيام الساعة، لأنّ الاحتفال بمولد هذا المنهج الربَّاني والحياة الكاملة المُثْلى يمنح المسلمين في مختلف أزمانهم وأمصارهم قوَّة دافعة نحو الاستقامة على هدى التعاليم الإسلامِّية السمحة، واستشعاراً بواجبهم في الحفاظ على بناء الشريعة الغرّاء والتمسّك بمقتضى مبادئها الخالدة وهمَّة كبرى في الذود عن حياض المنهج الإسلاميِّ و الدفاع عن كلمته المقدَّسة.
ولمَّا كان مولد الرسول صلى الله عليه وسلم هو مولد الإسلام العظيم، أصبح من الضرورة بمكان إحياء ذكرى مولده عليه الصلاة كلَّما أهلَّ علينا هلال ربيع، وأطلّت علينا ليلة اليوم الثاني عشر منه[34].
* خصائص خطبة المولد الشريف
تمتاز خطبة المولد بكونها لا تخضع للشروط والأركان والكيفيَّة التي تخضع لها الخطبة الدينيَّة المنصوص عليها كما عرفنا في الفصل السابق، ولكن رغم هذا فهي لا تخلو من الحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والافتتاح بالبسملة التي جاء فيها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله، فهو أبتر ))[35].
لأنّ هذه الثلاثة : البسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي من أبرز سمات الخطبة الإسلاميَّة .
فإذا خلت الخطبة منها ومن شيء من القرآن الكريم [36] فَقَدَتْ بذلك صبغتها الإسلاميَّة وملامحها الدينيّة، وأصبحت أشبه بخطب المحاضرين في النوادي والمحافل الدنيويَّة.
وخطبة المولد لا ينحصر إلقاؤها في زمان معيَّن كخطبة الجمعة وسائر الخطب الدينيَّة ، وإنّما يصحُّ إلقاؤها في أيّ وقت خلال فترة المناسبة عبر الاحتفالات التي تُقام من اجلها ، والتي اعتاد الناس أن يقيموها في المساجد والأحياء بمدنهم وقراهم خلال زمان الربيعين [37] ويُعِدّون لها البرامج النافعة التي تكوّن الخطابة أهمَّ فقراتها ، إذْ يقوم كبار العلماء وأرباب الدعوة والإرشاد بإلقاء الخطب والمواعظ النافعة حول هذه الذكرى العظيمة وفي محيط معانيها الجليلة .
* موضوع خطبة المولد
لا يجب على الخطيب التقيُّد بموضوع معيَّن في خطبة المولد، بل له أن يخوض في خطبته في مواضيع مختلفة تنفع الناس، وتتناول واقعهم ، وتعالج قضاياهم ومشاكلهم، لأنّ مثل هذه المناسبة التي يتمُّ فيها اللقاء بين جماهير المسلمين وعلمائهم ورجال الفكر الإسلامي فيهم ينبغي أن تكون فرصة يهتبلها علماء الأُمَّة ليقدَّموا الدواء الناجع لأبناء أمَّتهم ، ويضعوا لهم الحلول الإسلاميَّة المناسبة لمختلف مشاكل حياتهم وقضايا أُمَّتهم. إلاَّ أنَّ المستحسن في خطب الاحتفالات بذكرى المولد أن تُستمدَّ معانيها وأفكارها المختلفة من وَحْي تلك الذكرى المجيد.


*  مواضيع مقترحة حول ذكرى المولد الشريف
1- عظمة شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
2- رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة الصالحة للبشريَّة كلَّها .
3- رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لسائر الشعوب والأمم.
4- محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيِّين وخير المرسلين.
5- تبشير الأنبياء والمرسلين بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
6- محمد صلى الله عليه وسلم رسول الأخلاق والفضيلة .
7- محمد صلى الله عليه وسلم رسول الرحمة والإحسان.
8- محمد صلى الله عليه وسلم رسول العدالة و الحريَّة.
9- محمد صلى الله عليه وسلم رسول المساواة والأُخوَّة .
10- محمد صلى الله عليه وسلم إمام المربِّين وأعظم المعلِّمين.
11- محمد صلى الله عليه وسلم إمام العابدين والمتبتِّلين.
12- محمد صلى الله عليه وسلم إمام العلماء والمفكرين .
13- محمد صلى الله عليه وسلم الرسول الزاهد.
14- شفاعته صلى الله عليه وسلم لأمته يوم القيامة .
15- فضل حب الرسول صلى الله عليه وسلم .
16- فضل الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم .
17- محمد صلى الله عليه وسلم صانع الأبطال ومعلِّم العظماء .
18- أثر بعثته صلى الله عليه وسلم في إحياء الشعوب ونهضة الأجيال .
19- الرسول المنقذ والنبيّ المخلِّص صلى الله عليه وسلم .
20- شهادة الأعداد بفضل سيِّد الأنبياء صلى الله عليه وسلم .
* مراجع لموضوع ذكرى المولد الشريف
1- (( سيرة ابن هشام )).
2- (( حياة الصحابة ))، للكاندهلويّ.
3- (( السيرة النبوية ))، لأبي الحسن النَّدْويّ.
4- (( فقه السيرة ))، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطيّ .
5- (( السيرة النبويَّة ))، للدكتور مصطفى السباعي .
6- (( الرسائل المحمّدية ))، لسليمان النَّدوي .
7- (( المثل الكامل )) .
8- (( السيرة النبويّة ))، للدكتور محمد أبي شهبة.
9- (( مُحَمَّد ))، لمحمد رضا .
10- (( الرسالة الخالدة ))، لعبد الرحمن عزّام .
11- (( المثل الأعلى في الأنبياء ))، لخوجة كمال الدّين.
12- (( محمد عند علماء الغرب ))، للشيخ خليل ياسين.
13- (( فقه السيرة ))، للشيخ محمد الغزالي .
14- (( دراسة في السيرة ))، للدكتور عماد الدين خليل .
15- (( مع النبيّ ))، للدكتور محمد كامل الفقي.
16- (( الرسول حول الكعبة ))، للدكتور محمد سيّد أحمد المسيّر.
17- (( الرسول وقضايا المجتمع ))، للدكتور محمد سيّد أحمد المسّير.
18- (( الرسول والوحي ))، للدكتور محمد سيّد أحمد المسيّر .
19- (( الرسول والموافقات ))، للدكتور محمد سيّد أحمد المسيّر.
20- (( الرسول في نشأته ودعوته ))، للدكتور إبراهيم علي أبو خشب .
21- (( في ظلال السيرة النبوية ـ غزوات الرسول ))، للدكتور محمد رجب البيُّومي.
22- (( الرسول في مكّة والمدينة ))، لمحمد مهدي عامر .
23- (( محمد رسول الله خاتم النبيِّين ))، للشيخ محمد الخضر حسين.
24- (( النبيّ محمد ))، لعبد الكريم الخطيب .
25- (( الرحيق المختوم ))، لصفيّ الرحمن المباركفوري .
26- (( الشفاء ))، للقاضي عياض.
27- (( الأنوار المحمدية ))، للشيخ يوسف النبهاني .
28- (( محمد رسول الله ))، للشيخ عبدالله سراج الدين.
29- (( الرسول القائد ))، للواء محمد شيت خطّاب .
30- (( محمد رسول الله ))، للصادق عرجون .


خطبة ذكرى الإسراء والمعراج
لم يكن حادث الإسراء والمعراج مجرَّد رحلة أكرم الله بها نبيّاً من أنبيائه كتلك التي حظي بها إدريس عليه السلام أو التي نجا فيها سيُدنا عيسى عليه السلام إذ رفعه الله إليه، وإنَّما كان حادث الإسراء والمعراج منحة ربانيَّة غامرة منحها الله تعالى رسوله المصطفى عليه الصلاة والسلام خاصة والأُمة الإسلاميَّة عامَّة حيث عادت هذه الرحلة القدسيَّة الجليلة على الإنسانيَّة بخير عميم، ففيها فُرضت الصلاة المكتوبة، وفيها كشف الله لرسوله كثيراً من المكنونات، وأطلعهُ على طريقها إلى يوم القيامة.
فأدركت الأُمة الإسلاميَّة مدى الصلة الروحيّّة المقدَّسة بين بيت الله الحرام وبيت المقدس، وأنَّ رسالات الأنبياء والمرسلين قاطبة تنبثق من مشكاة واحدة وترجع إلى أًصل واحد، وأنّ لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مكانَ الصدارة بين سائر الأنبياء والمرسلين، وأنَّ الله ناصر دينه ومعزُّ رسله .
أمام هذه الأهمية البالغة لحادث الإسراء والمعراج أصبح من الجدير بالمسلمين أن يحتفلوا بذكرى هذا الحادث العظيم، ويجعلوا من الاحتفال به مدرسة يتلقَّون فيها أعظم الدروس وأجلَّ العبر التي تردُّهم إلى صفاء عقيدتهم، وتوثِّق صلتهم بربهم وبرسولهم عليه الصلاة والسلام، وتمنحهم ثباتاً مقدساً على الدِّين الحقّ الذي ارتضاه الله لهم .
* أثر إحياء ذكرى الإسراء والمعراج
ينبغي للمسلمين أن يقفوا حيال حادث الإسراء والمعراج وقفة تأمُّليَّة عميقة، وينظروا إلى موافقة ومشاهده الدافقة بالأسرار والحكم نظرة يستمدُّون بها طاقة فكريَّة وروحيَّة عالية يندفعون بها في مضمار عزَّتهم وكرامتهم وثباتهم واستقامتهم وفوزهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة.
فعندما يدرك المسلمون من خلال وقائع الإسراء والمعراج مدى قدرهم عند الله، لكونهم أتباع الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي احتلَّ في ميزان العناية الإلهيَّة وفي مقام الرعاية الربانيَّة أعلى مكان وأكرم منزلة، عندما يدرك المسلمون ذلك يصبح حافزاً لهم على أن يتمسَّكوا بإسلامهم، ويلتزموا منهج ربِّهم سبحانه، يحمون عرينه، ويذودون عن حماه، ويملؤون حياتهم تطبيقاً صحيحاً لأحكامه ومبادئه، مع الدعوة الصادقة إليه، وكلُّهم رجاءٌ أن يكون مقبولاً عند الله، ناجياً من عقابه، فائزاً بنعيم جنَّته.


* خطبة الإسراء والمعراج
نؤكِّد هنا ما ذكرناه سابقاً في معرض حديثنا عن خطبتّيْ المولد والهجرة أنَّ للخطبة في هذه المناسبة دوراً كبيراً في فتح العقول أمام حقائقها الجليلة، وإضاءة القلوب بروعة الأسرار والمعاني التي تحفل بها هذه الذكرى ، لذا ينبغي أن تحتلَّ الخطابة ساحة الاحتفال بهذه الذكرى، لأنّها الأداة التي يتمكَّن بفضلها رجال الفكر وعلماء الدِّين من أن يعرضوا على جمهور المسلمين وقائع هذه الذكرى والاستنباطات الإرشادية والتوجيهيَّة الرفيعة التي تشع منها .
* موضوع خطبة الإسراء والمعراج
يجب ألاَّ يخرج موضع خطبة ذكرى الإسراء والمعراج عن نطاق مناسبتها، فينبغي للخطيب أن يطوف بأفكار خطبته ومعانيها في أرجاء ذكرى هذا الحادث الجليل، ويقف على الأسرار والحقائق الباهرة التي يتدفَّق سلسالها من وقائعها المجيدة ومشاهدها المقدَّسة ، فيُطلع المسلمين على تلك الفيوضات و الإشراقات الهادية التي انسابت وتألَّقت في آفاقها ، ولكن يعمل على أن يربط بين واقع المسلمين الحالي وآثار تلك الرحلة السماوية المقدَّسة، ويشعر أولئك المسلمين في هذا العصر المتأخِّر أنَّ الإسراء والمعراج ذكرى ذات عطاء متجدِّد وتأثير مستمرٍّ في حياة الأُمَّة المسلمة كلَّما أطلَّت عليها، ويتجنب أحول القُصَّاص الذين يسردون الوقائع على الناس دون أن يتدبَّروا جوانب الإرشاد والتوجيه فيها، بل يحرص على الوقوف عند كلِّ واقعة تستدعي الإرشاد وتفيض بالحكم والمواعظ، فيغتنمها في توجيه الناس وتقديم النصح لهم، ولو استغرق طوافه في أرجاء الحدث الواحد مدَّة الخطبة كلَّها، لأنّ توصيل الفائدة للناس بإخراجهم من ظلمة الغفلة والتقصير إلى أنوار الهداية هو الغرض الأسمى من إحياء هذه الذكرى وإلقاء خطبتها.
* مواضيع مقترحة
1- ذكرى الإسراء والمعراج تفسير عمليٌّ لحماية الله لرسوله وحفاظه على رسالته.
2- هذه الذكرى ثمرة من ثمار الثقة بالله.
3- مكانته رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنبياء الله ورسوله.
4- وحدة الرسالات الإلهيَّة.
5- استعلاء عقيدة الإسلام وعموم رسالته.
6- لماذا فُرضت الصلاة في السماء؟
7- جولة في مرائي الرسول صلى الله عليه وسلم في إسرائه.
8- القبلة الأولى وواجب المسلمين تجاهها.
9- الإسراء والمعراج ثمرة نضال مرير وصبر جميل .
10- حادث الإسراء والمعراج حصحصة للحقّ وتمحيص للمؤمنين.
* مراجع لموضوع ذكرى الإسراء والمعراج
1- (( فقه السيرة ))، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
2- (( فقه السيرة ))، للشيخ محمد الغزالي .
3- (( دراسة في السيرة ))، للدكتور عماد الدين خليل.
4- (( السيرة النبوية ))، لأبي الحسن الندوي.
5- (( السيرة النبوية ))، للدكتور محمد أبو شهبة .
6- (( قبس من الإسلام ))، للشيخ معوض عوض إبراهيم .
7- (( مع النبيّ ))، للدكتور محمد كامل الفقي .
8- (( الإسراء والمعراج ))، للشيخ محمد متولي الشعرواي.
9- (( تفسير آيات الإسراء )) في (( التفسير القرآني للقرآن ))، للشيخ عبدالكريم الخطيب
10- (( أحكام الصيام وفلسفته ))، للدكتور مصطفى السباعي.
11- (( الشفاء ))، للقاضي عياض .
12- (( الأنوار المحمدية ))، للشيخ يوسف النبهانيّ .
13- (( البصائر في تذكير أهل العشائر ))، لعبد الحي السورتيّ.
* * *


خطبة ذكرى الهجرة النبويّّة الشريفة
لم تكن الهجرة مجرَّد حدث طواه الزمان، وأضحى في غَيْهب النسيان، وإنَّما هي ذلك الحدث الجليل الرائع الذي أعطى أثره البارز في حياة الإسلام، فكان الفاصل بين واقعين، والنقلة النوعيَة الباهرة بين مرحلتين.
فيوم الهجرة هو اليوم الذي تحدَّد فيه انتقال الدعوة الإسلامية من الاضطراب إلى الاستقرار، ومن الصبر على الإيذاء الجاهلي الحاقد إلى مواجهة أهل الكفر بالبأس والقوَّة، ومن واقع ترسيخ مبادئ العقيدة وأركان الإيمان وتهذيب النُّفُوس من أوضار الجاهليَّة وأوهام العقائد الفاسدة إلى واقع التشريع ونزول التعاليم والأحكام التي تناولت مختلف جوانب الحياة الإنسانيَّة، ورسمت منهج الحياة الإسلاميَّة الكاملة التي ينبغي أن يحياها الفرد المسلم على وجه الأرض إلى أن يصل إلى الله سبحانه.
فلولا حادث الهجرة العظيم لما شهدنا هذا التراث الإسلاميِّ الهائل والمعارف الإسلاميّة الرائعة التي أمدّت الإنسانيَّة بغذاء فكريّ وروحيّ عجيب يعجز أذكى العقول البشريَّة وأسمى الخواطر عن أن يأتي بمثله أو بعضه .
وسوف نتناول الحديث عن خطبةِ مناسبةِ الهجرة الشريفة من خلال النقاط الآتية :
أثر إحياء ذكرى الهجرة ـ خطبة ذكرى الهجرة ـ خصائص خطبة الهجرة ـ موضوع خطبة الهجرة ـ مواضيع مقترحة حول الهجرة ـ مراجع لمواضيع الهجرة .
* أثر إحياء ذكرى الهجرة
إنّ ذكرى الهجرة الشريفة تحمل من المعاني والمفاهيم الجليلة ما يجعلها كفيلة بإزاحة ركام الغفلة عن نفوس المسلمين وإيقاظ قلوبهم على الحقيقة الإسلاميّة الرائعة والصورة الواضحة لمنهاج الشريعة الغرّاء الذي أمدَّهم الله به ليكون سبيل سعادتهم ودرب فوزهم وفلاحهم .
وما دامت ذكرى الهجرة النبويّة الشريفة تملك القوّة الفعَّالة المؤثِّرة في النفوس والقدرة الطائلة على إعادة صقل القلوب من جديد، فإنّنا نجد أنّ حاجة المسلمين تدعو إلى جعل ذكرى الهجرة عيداً ومناسبةً يحياها المسلمون في رأس كلّ عام هجريِّ، لكي يكون لهم دافعاً إلى التخلُّص مما علق في قلوبهم ونفوسهم من شوائب الشبهات ولوثات الشهوات .


* خطبة ذكرى الهجرة
إنّ لخطبة ذكرى الهجرة النبوية اليد الطولى في تعميق أثر هذه المناسبة العظيمة في قلوب المسلمين وإثارة المشاعر الدينيَّة تُجاهها في نفوسهم، إذ يَبْرُز أثر خطيب هذه المناسبة في تذكير الناس بمواقف الهجرة ومراحلها، ويكشف لهم عن الأسرار والمعاني العظيمة الكامنة في حركنها والدروس والعِبَر الجليلة التي تفيض من خطواتها ومشاهدها الرائعة .
فتلعب الخطبة بذلك دوراً فعالاً في التوجيه والتعليم والتهذيب .
* خصائص خطبة مناسبة الهجرة
تأخذ خطبة مناسبة الهجرة خصائص خطبة المولد نفسها من ناحية استهلالها بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ناحية ذكر بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتعلق بموضوع المناسبة .
* موضوع خطبة مناسبة ذكرى الهجرة الشريفة
ينبغي أن يدور موضوع خطبة ذكرى الهجرة في فلك مناسبتها من حيث أفكاره والمعاني المدرجة في بنائه، إلاّ أنَّه ينبغي للخطيب أن يجعل حادث الهجرة مورداً يستمدُ منه ما يعود به على الأُمَّة بالنفع، وما يكون به صلاح واقعهم وحلُّ مشاكل مجتمعهم وصرف العلاج المناسب لقضايا أُمَّتهم. وبكلمة أخرى لا يليق بخطيب هذه المناسبة العظيمة أن يقف بخطبته حيال هذه الذكرى موقف القاصِّ الذي يكتفي بسرد الوقائع ، وإنَّما يجب عليه أن يستنبط منها المعاني والأفكار والدروس والعبر والتوجيهات النافعة التي يفيد بها الأُمَّة، كما أشرنا إليه سابقاً .
لهذا نجد كثيراً من الخطباء الجيِّدين يحرصون في مثل هذه المناسبة على أن تطوف خطبة الواحد منهم في فلك ناحية معيَّنة من وقائع ذلك الحادث العظيم فيستمدُ منها الأفكار والمعاني والتأملات والخواطر التي ينسج منها محاسن إرشاداته ، ويصوغ بها قلائد توجيهاته، ولنضرب مثلاً على ذلك مشهد الغار وما جرى فيه من أحداث وتجلَّى فيه من أسرار ، فيمكن للخطيب في هذه المناسبة أن يطوف بخطبته حول معنى (( المعيَّة الإلهيـة )) من قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا تحزن إنّ الله معنا ))، فيصوغ أفكار خطبته ومعانيها من مشكاة هذه الجملة الرائعة التي فاه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف، فانسكبت نوراً وإطمئناناً في قلب سيِّدنا أبي بكر الصديِّق رضي الله عنـه


* مواضيع مقترحة حول ذكرى الهجرة
1- الهجرة منطلق إلى التشريع .
2- استقبال ذكرى الهجرة في ميلاد عام هجريّ جديد .
3- استعلاء العقيدة .
4- المعيَّة الإلهيـة (( لا تحزن إنّ الله معنا )) .
5- مشاهد من روائع الحب والتفاني .
6- الهجرة النبويّة منطلق الانفتاح على العالم .
7- دروس من غار ثور .
* مراجع لمواضيع الهجرة
1- (( فقه السيرة )) ، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي .
2- (( السيرة النبوية )) ، للدكتور مصطفى السباعي .
3- (( السيرة النبوية )) ، لأبي الحسن الندوي .
4- (( السيرة النبوية )) ، للدكتور محمد أبي شهبة .
5- (( فقه السيرة )) ، للشيخ محمد الغزالي .
6- (( دراسة في السيرة )) ، للدكتور عماد الدّين خليل .
7- (( خطوات في حركة الهجرة ))، للدكتور عماد الدّين خليل .
8- (( الأنوار المحمدَّية )) ، للشيخ يوسف النبهانيّ .
9- (( في الدين والأخلاق القومية )) ، للدكتور عبد الله دراز .
10- (( البصائر في تذكير أهل العشائر )) ، لعبد الحيّ السورتيّ.
11- (( مع النبي صلى الله عليه وسلم )) ، للدكتور محمد كامل الفقي .
12- (( الرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة ))، لمحمد مهدي عامر.
13- (( الرسول r في نشأته ودعوته ))، للدكتور إبراهيم علي أبو خشب .
* * *


خطبة ذكرى غزوة بدر الكبرى
تُعدُّ غزوة بدر الكبرى أوّل وأهمَّ غزوة خاضها الرسول عليه الصلاة والسلام ضدَّ المشركين، إذ تمكَّنت بفضل النتيجة الرائعة التي أسفرت عنها من أن تُغيِّر مجرى التاريخ تغييراً واضحاً، وتضع كلاًّ من أهل الحق وأهل الباطل أمام حقيقة مذهلة تقول: إنَّ الله وليّ الذين آمنوا، وأنّ الفئة المؤمنة المعتصمة بالله لن تعرف الهزيمة أبداً مهما بلغ عدد عدوّها، ومهما كان عتاده قويّاً وضارباً، لأنه تعالى أنزل ميزانه الحق على قلب رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: [ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله] [38] ، ولقد لمس المسلمون الأوائل بأيديهم هذه الحقيقة عندما انهزم المشركون، وتشتَّت شملهم بعد أن كانوا يجرُّون الحصا معهم لكثرة عددهم وثِقلَ عُددهم، وانتصر المسلمون رغم قلَّة عددهم وضعف عُددهم، حيث كانوا لا يزيدون في عددهم على ثلث جند المشركين وما كانوا متهيِّئين للقتال يوم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً .
فاستطاعت غزوة بدر أن تقلب الموازين، فبعد أن كان المسلمون مستضعفين في الأرض يتعرَّضون للإرهاق والضغط الجاهلي الجائر، أصبحوا منذ خوضهم تلك الغزوة وما بعدها من ميادين الجهاد في سبيل الله قوّة جبّارة ضاربة في الأرض .
ولبيان أهميَّة خطبة ذكرى هذه الغزوة العظيمة سوف نتحدَّث عن الأمور الآتية :
أثر الاحتفال ب1كرى غزوة بدر الكبرى ـ خطبة الاحتفال بهذه الذكرى ـ خصائص خطبتها ـ موضوع خطبتها ـ مراجع لموضوع خطبة ذكرى غزوة بدر الكبرى .
* أثر الاحتفال بذكرى غزوة بدر الكبرى
لمّا كان للقوة المعنويَّة أثرها الفعَّال في دعم القوَّة الماديَّة في حياة الأُمَّة ، ولمَّا كان تاريخ الانتصارات في حياة أي أُمَّة بمنحها قوّة معنوية مؤثِّرة، فقد أصبحت الأُمَّة التي تتمتَّع بماضٍ حافل بالأمجاد والانتصارات تمتاز بامتلاك قوَّة معنويَّة فعَّالة تستعين بها على إثبات وجودها وتقدُّمها وازدهارها .
وليس في أمم الأرض أمَّة تملك تاريخاً حافلاً بالأمجاد والانتصارات كأُمة الإسلام، التي بدأت صفحة أمجادها وروائع انتصاراتها في ظلّ غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ، التي من أهمها غزوة بدر الكبرى إذ كانت فَيْصَلاً بين انتصار الحق وهزيمة الباطل، وانطلاقاً إلى بناء مجد الإسلام في الدعوة وهداية البشريَّة إلى توحيد الله ربّ العالمين .
وحيث أصبحت الأُمَّة الإسلامية في عصرنا الحاضر تفتقر إلى قوّة معنويَّة بالغة تشحد همَّتها، وتقوّي عزيمتها في معتركات نضالها ضدَّ أعدائها، وفي سبيل تحقيق أهدافها السامية في مسارات العزَّة والكرامة، فقد أصبح لزاماً عليها أن تهتمَّ بذكريات فتوحاتها الواسعة وتاريخ غزوة بدر الكبرى التي حفلت بالدروس والعبر، وأبرزت إلى الواقع العمليّ كثيراً من حقائق القرآن منها :
قوله تعـالى :(( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ )) [39]
* خطبة ذكرى غزوة بدر الكبرى
تحتلّ الخطبة المركز الأساسيّ في برنامج الاحتفال بذكرى هذه المناسبة العظيمة، إذ لا يتحقَّق التعريف بتلك الغزوة الفاصلة وبيان أحداثها ومشاهدها والوقوف عند المواقف الحاسمة الجليلة والعبر البارزة الخطيرة إلاّ بفضل الخطبة التي يؤدِّها أحد علماء الدِّن ورجال الفكر الإسلاميّ .
* خصائص خطبة ذكرى غزوة بدر
نؤكد القول بأن خطب المناسبات الإسلامية تتَّفق في خصائصها المعنويَّة والفنيَّة من حيث افتتاحها وتناول موضوعها واختتامها ، لأنَّها تخضه لجوّ شعوريِّ واحد وهدف معنويّ واحد. وتقدَّم الحديث عن تلك الخصائص فلا حاجة إلى ذكرها هنا .
* موضوع خطبة ذكرى غزوة بدر
ينبغي لخطيب هذه المناسبة ـ كما بحثنا سابقاً ـ أن يتناول وقائع أحداث هذه الغزوة العظيمة من جانب النظرة الإرشاديَّة التوجيهيَّة الواعية، وأن يستخلص من مشاهدها الدروس والعبر التي يكون فيها العلاج الناجع لأدواء الأُّمَّة، والتي تحقِّق لجمهور المستمعين زاداً فكرياً وروحياً عالياً.
وإنّ هذه الغزوة الكبرى تجمع في محيطها مجموعة من المواقف والمشاهد الضخمة التي تفيض بأسمى المبادئ وأجلّ المعاني، والتي تنطق بأعظم الحقائق في ميادين مختلفة ومجالات متعدِّدة.
ونذكر من هذه الحقائق والمبادئ الجليلة ما تشير إليه الآيات البيِّنات الآتية :
1-  (( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ )) [40]
2- (( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى )) [41]
3- (({إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ )) [42]
4- (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )) [43]
5- (( فقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً )) [44]
6- (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً )) [45]
7- (( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ))[46]
* مراجع لموضوع خطبة مناسبة ذكرى غزوة بدر
1- (( سيرة ابن هشام )) .
2- (( السيرة النبوية ))، لأبي الحسن الندويّ .
3- (( السيرة النبوية ))، للدكتور مصطفى السباعيّ.
4- (( فقه السيرة ))، للشيخ محمد سعيد البوطيّ .
5- (( فقه السيرة ))، للشيخ محمد الغزالي .
6- (( الرسول القائد ))، لمحمود شيت خطاب .
7- (( دراسة في السيرة ))، للدكتور عماد الدين خليل .
8- (( محمد رسول الله ))، لمحمد رضا .
9- (( السيرة النبوية ))، للدكتور محمد أبو شهبة .
10- (( في ظلال السيرة النبوية ـ غزوات الرسول ))، للدكتور محمد رجب البيوميّ.


 
 
الخــطـيـب
 
 


* تعريفه :
الخطيب : هو ذلك الشخص الذي يقتدر على التصرف في فنون القول حين يخاطب جمهوراً من الناس لمحاولة إقناعهم بما يجول في خاطره من أفكار والتأثير في نفوسهم بما يستعر في أعماقه من عواطف .
وسوف نتحدَّث عنه بالأمور الآتية :
1- صفات الخطيب .
2- عُدَّة الخطيب .
3- فهرسة مصادر الخطب .
4- إلى كلِّ خطيب .


صفات الخطيب :
تنقسم صفات الخطيب إلي قسمين :
(أ‌) صفات تتعلَّق بذات الخطيب .
(ب‌) صفات تتعلَّق بمظهر الخطيب .
وسوف نتحدَّث فيما يأتي عن هذين القسمين : بالتفصيل :
أولاً – الصفات المتعلقة بذات الخطيب .
ونقسمها إلي قسمين :
1- قبل الخطبة .
2- أثناء أداء الخطبة .
وسوف نشرع فيما يلي في الحديث عن القسم الأول منها :
الصفات المتعلقة بذات الخطيب قبل الخطبة
نقول : إن الصفات المتعلقة بذات الخطيب قبل الخطبة عديدة ، من أهمها الصفات الآتية :
1- الاستعداد الفِطْري :
سأل سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما صحار بن عباس العبيدي : ما هذه البلاغة التي فيكم ؟
فأجابه صحار : شيء تجيش به صدورنا ، فتقذفه على ألسنتنا .
وذكر أبو داود في الخطابة كلاماً قال فيه :
رأس الخطابة الطبع ، وعمودها الدُّرْبة .
فالخطابة إذاَ تستمد معينها من الفطرة ، وتستند إلي عطاء الطبع ، والخطيب الحق هو من ولد معها الاستعداد والقدرة على أداء الخطبة دون تصنع أو تكلف ، وإنما يجيء منه الكلام الخطابي عفو الخاطر دون عناء ، ولكنه يحتاج إلي الدربة والممارسة ، ليشحذ مقدرته الخطابية وينميها ، ويقويها ويهذبها .
وأما إذا فقد المرء استعداده الفطري للخطابة ، فإنه مهما بذل واجتهد و تدرب ، فلن يبلغ مبلغ من كانت الخطابة أصيلة في فطرته مغروسة في طبعه .
وكم من إنسان عميق الفكر واسع العلم لم يفلح في مجال الخطابة ، ولم ينجح في أدائها ـ على نسق من كانت الخطابة طبعه ـ ، فتجده إذا تكلم في موقف الخطيب كبا جواد لسانه ، ولانت قناة منطقه ، ولكنك قد تجده في مجال آخر يرقي أعلى المنازل ، فهو إذا كتب أبدع ، وبلغ ببيانه وسداد ثلمه ما لم يبلغه الخطيب المِصْقَعْ .
فنجاح الخطبة وروعتها وقوة تأثيرها يتوقف على الاستعداد الفطري عند الخطيب ، وهذا لا يعني أن نغض من شأن الدربة ، وننزل من قدرها فهي تغني بعض الشيء فيمن لم يملك الاستعداد الفطري للخطابة ، ولكن لا ترقي به إلي مصاف الخطباء المبدعين الذين يشار إليهم بالبنان ، ويتمتعون بقوة الخطبة وطلاقة اللسان ، إلا أنه لا يستغني عنها في دعم الاستعداد الفطري وتنميته ، كما ذكرنا من قبل .
2- قوة البيان وفصاحة اللسان :
إن قوة البيان وفصاحة اللسان تعتبران من الصفات البارزة في الخطيب ومن أسباب نجاحه في ميدان الخطابة ، إذ أن الخطيب المصقع الذي صقلت العربية لسانه ، فطاعت له الكلمات ، واطمأنت عنده العبارات ، فهو يسوقها إلي ما يشاء من المعاني ، ويبني بها ما يريد من الأفكار
إن مثل هذا الخطيب قادر على أن يستحوذ على القلوب ، ويستولي على العقول ، ويؤثر في النفوس ، ويلهب المشاعر ، لأن روعة بيانه وفصاحة لسانه كفيلتان بجذب الأذهان إليه وجمع القلوب عليه .
وكم من رجل آتاه الله فصاحة لسان وحسن منطق وروعة بيان ، كان ذلك سبباً في ارتقائه سلم الأمجاد وبلوغه أعلى منازل الفخر والاعتزاز .
ولقد أثني الرسول عليه الصلاة والسلام على سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله عنهما،فقال له: " يعجبني جمالك " .
قال ك وما جمال الرجل يا رسول الله ؟
قال : " لسانه " .
وأما إذا ضعف بيان الخطيب ، وعزبت فصاحته ، واستعصت عليه الألفاظ العربية الفصيحة والعبارات البليغة ، وتلكأ لسانه ، وعى في منطقة ، فقد خاب سعيه في التأثير في نفوس المستمعين إليه وتحريك مشاعرهم .
3- الزاد العلمي :
إن الخطيب الناجح هو الذي تكون جعبة معرفته وخزانة علمه مليئة زاخرة . فيغترف منها ـ حينما يتكلم في أي محفل من المحافل ـ كل ما يحتاج إليه من الأفكار وجميع ما يطلبه من المعاني بمنتهي السهولة والطلاقة ، فلا تكل عزيمته ، ولا يتأرجح موقفه ، ولا تضطرب مقالته ، ولا يمله سامعه .
وأما إذا كان محدود العلم ، قليل الزاد ، ضئيل المعرفة ، ضيق الثقافة ، فسوف يضطرب سير خطبته ، ويكبو جواد مقالته عندما تفرغ جعبته ، وينتهي مخزون معرفته ، فيضطر إلي تكرار العبارات وإعادة المعاني والأفكار ليملأ ما تبقي من وقت خطبته ، فينشأ عن ذلك تفشي السامة في نفوس المستمعين إليه ، وفتور انفعالهم وبرود عواطفهم وشروط أذهانهم ، فينصرفون غير آسفين ، ويتمنون انتهاء خطبته بفارغ الصبر ، فيؤدي به ذلك إلى الإسراع في إنهاء كلمته بأي طريقة ، ليخرج نفسه من حرج موقفه .
4- قوة الشخصية :
تعتبر قوة الشخصية في الخطيب من الصفات الجليلة والعوامل الهامة في نجاح خطبته ، لأنها ذات أثر كبير في تمكين الخطيب من الاستيلاء على قلوب السامعين وامتلاك أحاسيسهم والتأثير في نفوسهم .
والخطيب الناجح هو الذي يتميز بقوة شخصيته التي يستولي بهيبتها على جمهوره ، ويهيمن على نفوس الناس ، ويسيطر على مشاعرهم ، ويؤثر في أعماقهم .
ولقد كان في رسول الله r أسوة حسنة في ميدان قوة الشخصية لمن أراد أن يحتل من الخطابة ذؤابتها ، وينزل في أعلى منازلها ، إذا قال سيدنا على رضي الله عنه في وصف المصطفي عليه الصلاة والسلام .
من رآه بديهة هابه ، ومن عاشره خلطة أحبه .
فكان عليه الصلاة والسلام إذا خطب خشعت له القلوب ، وذرفت من كلامه العيون ، ورحم الله أحمد شوقي حيث قال :
وإذا خطبت فللمنابر هزَّةٌ   تعرو النبي وللقلوب بكاء
ومن عوامل قوّة الشخصيّة تجنُّبُ الخطيب التبذُّل بثيابه وارتكاب رذائل الأقوال والأفعال، والحذرُ من كثرة المزاح، والتمسُّك بكريم الأخلاق ـ والتحلّي بآداب الحديث ومحاسن الخطاب. 
فالخطيب الذي يتبذل، وتسوء أخلاقه، وترذُل أقواله وأفعاله، ويكثر مزاحه، تتَهَلْهَل شخصيَّتُه، وتُزدَرى مكانته، وينحطُّ قَدْرُه، وتسقط هيبته من نفوس الناس فلا يتأثَّرون بكلماته، ولا ينتفعون من خطبته، حيث فقد أهمّ صفات المربِّي الناجح والمرشد المؤثِّر ألا وهي قُوّة الشخصيَّة.
 


5- حُسن الأخلاق
إنَّ حُسن الخلق من أبرز الصفات الكريمة التي يجب أن يتحلّى بها الخطيب، والتي تكون الباعث الأوّل على تصديقه والاستجابة لحديثه والتأثُّر بكلماته، لأنَّ المرء الذي يتحلّى بحُسْن الأخلاق وكريم الخصال يكون قريباً من قلوب الناس ونفوسهم قادراً على التأثير فيهم والاستيلاء على مشاعرهم وعواطفهم ، ويتمكَّن من زرع الثِّقة في جمهوره بشخصيتِّه ودفعه إلى إجلاله وإعظامه والإصغاء إليه إذا تكلَّم والإذعان له إذا أمر، لأنَّه في نظر الناس مثال القدوة الصالحة، فهو لا يأمرهم بشيء ويفعل خلافه، ولا ينهاهم عن شيء ويأتيه، وإنَّما تتجسَّد الأخلاق الكريمة في أفعاله وأقواله وسائر أحوالهن فيفرض بذلك على الناس احترامه، ويجعلهم يتأثَّرون بمواعظه، وتميل إليه قلوبهم، وتأنس بحديثه نفوسهم، وتنجذب إلى روحه أرواحهم.
وأمّا إذا كان الخطيب سيِّىء الأخلاق فاسد السلوك ملطَّخاً برذائل الأقوال والأفعال، خبيث التصوُّرات وقبيح التصرُّفات، فإنَّه مهما اتَّسع علمه، وبلغت ثقافته، وحسُن بيانه، وبرعت خطابته، فلن ينجح في التأثير في قلوب المستمعين إليه، ولن يتمكَّن من السيطرة على مشاعرهم وأحاسيسهم ، لأنّ سوء سيرته حال بينهم وبين التأثُّر بموعظته، فجعلهم يصرفون أسماعهم عن كلامه، وإنّ أصغَوا إليه فهم لا يثقون به، لأنّه يقول ما لا يفعل ويفعل خلاف ما يقول .
وإنّ أمثال هذا الضَّرْب من الخطباء أشدُّ خطراً على الأُّمَّة من أعدائها الصُّرَحاء، لأنَّهم يشوِّهون بواقع سلوكهم المنحرف وسيرتهم السيئة صورة الإسلام النقيَّة، إذ يعرضون على الناس في خطبهم مبادئ الإسلام وأخلاقّه، ثمَّ تنطق تصرُّفاتهم ووقائع حياتهم بخلاف ما يدعون الناس إليه ويعظونهم به، فينعطف واقعهم ذلك على ضعاف القلوب وغير المسلمين بالنُّفْرة من الدِّين لنُفْرتهم من أولئك الخُطباء الذين عكسوا بتصرُّفاتهم وسلوكهم خلاف مواعظِ الإسلام وأخلاقِ دين الله ربّ العالمين .
   ولقد ندَّد الله بالذين يأمرون الناس بالخير وينسون أنفسهم فلا يأمرونها به ، فقال :
(( أتأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُم تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) ))[47]
وحذَّر المؤمنين من عاقبة مخالفة أفعالهم لأقوالهم، فقال :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ{3} [48]
وجاء في بيان مصير هذا الصنف من الخطباء والإشارة إلى عاقبة أمره أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم مرّ في رحلة إسرائه ومعراجه على أُناس تُقرَض شقاهُم بمقاريض من نار، فقال: (( يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خُطباء أُّمَّتك الذين يقولون ما لا يفعلون )) [49]
وجاء في الصحيحين : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( يجاء بالرجل يوم القيامة، فَيُلقى في النّار، فتندلق أقتابُه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قال : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه )) [50]
وصدق في أمثال هذا الصنف من الخُطباء قول الشاعر حيث قال :
لا تنـه عن خُلُق وتأتي مثـله    عارٌ عليـك إذا فعـلت عظيمُ
كما صدق فيهم قول الآخر حيث قال :
فكم أنت تَنْـهى ولا تنتهـي  وتُسمِـع وعْظـاً ولا تَسمَـعُ
فيا حجر الشَّحْذِ حتى متـى  تسـنُّ الحـديـدَ ولا تقطـعُ
ورحم الله مالك بن دينار حيث قال :
( إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّتْ موعظته عن القلوب كما يزلُّ القطر عن الصفـأ )
وأخيراً نختم حديثنا حول هذه الفقرة بكلام الشيخ حسين المرصفيّ حيث يقول:
(إنّ من نصَّب نفسه لوظيفة الهدى، ودعا الناس إلى الخير، يجب أن يكون أبعدهم من التصنُّع، وأحرصهم على الكمال، فإنّ أدنى هفوةٍ فيه تُسقِط اعتباره، وتسهِّل التهاون به، فلا يكون لكلامه تأثير في القلوب، ويصير مجلسه مَسْلاةً يتلهَى الناسُ بحضوره ).
6- الإخلاص :
لقد مدح الله تعالى المخلصين، وأثنى عليهم في أكثر من موطن في القرآن الكريم، فقال جلّ وعزَّ : {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } [51]
وقد أوصى الله تعالى، ومنع لله تعالى ، وأحبَّ لله تعالى، وأبغض لله تعالى ، وأنكح لله تعالى، فقد استكمل الإيمان )) [52].
وكانت وصيَّته صلى الله عليه وسلم لسيِّدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه :
(( أخلص دينك يكفِك القليل من العمل )) [53]
من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ندرك أنّ المقصود بالإخلاص: صلاحُ الباطن، وصفاء السريرة، وتوجُّه القلب نحو الله سبحانه، وألاّ يكون للعبد في قوله وفعله أيُّ مَطْمَحٍ سوى طاعةِ الله تعالى ومرضاته.
ولا شـكّ في أنّ مثل هذه الصفة الجميلة والخصلة الجليلة إذا قامت في العبدِ، استطاع أن يمتلك القلوب ويؤثر في النُّفوس ، ويستحوذ على المشاعر، لأنّه إذا تكلَّم أو تصرَّف فليس له غرض سوى طاعة الله ورضوانه.
فالإخلاص: قُوَّة فعَّالة في توجيه النَّفس البشريَّة، وقيادة القلب الإنسانيّ . والخطيب الذي يتحلّى بالإخلاص هو أقدر على التأثير في نفوس جمهوره وتوجيه قلوبهم وأذهانهم، لأنّ كلامه ينبعُ من أعماقه، وينطلق من صفاء قلبه، فلا مستقر له سوى قلوب المستمعين إليه ولا مرتع له سوى أحاسيسهم ومشاعرهم . وقد جاء في الحِكَم: ما خرج من القلب وقع في القلب، وما خرج من اللّسان لم يتجاوز الآذان.
وكم من خطيب تحلّى بالإخلاص وأشرق بالنيَّة الصالحة، فتمكَّن بفضل ذلك من أن يعالج أقسى القلوب، فيفجِّر منها الخير ومن أن يؤثِّر في أعتى النفوس، فينقل صاحبَها من الظلام إلى النور .
ولمّا توجَّه السابقون إلى الله، واشتدَّ إخلاصُهم له، تمَّكنوا بذلك من أن يفتحوا قلوب العباد، ويوجِّهوا نفوسهم، ويهيمنوا على عقولهم، ويغرسوا معاني الخير في أعماقهم.
وأمّا إذا تجرّد الخطيب من صفة الإخلاص، وباتت الدنيا غايّة يريدها وغَرَضاً يبتغيه، وتوّجه بنصحه ووَعظه إلى غير الله، توجَّه إلى السمعة والشهرة والمنصب والجاه والمال والمتاع، فإنّه مهما حسُن بيانه، وفصح لسانه، وغزر علمه، واتسعت ثقافته وبرعت خطابته، فلن يتمكَّن من الوصول إلى أعماق الناس والتأثير في نفوسهم وتحريك عواطفهم، لأنّه فقد المصباح المنير الذي به يضيء أرجاء القلوب، وينير ساحات العقول، وعلى هديه يعالج أوصاب النفوس.
ولقد ذمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من تجرَّد من الإخلاص، وابتغى بعلمه وعمله ووعظه وإرشاده غير وجه الله، فقال :
(( من سمَّع النَّاس بعِلْمه سمِّع الله به سامع خلْقه، وحقَّره وصغَّره )) [54].
وكان أسلافنا رحمهم الله يتحرّون الإخلاص في جميع أحوالهم، ويحذرون من غائلة التجرد منه، ويتَّعظون بالمواقف، فهذا هو الإمام أبو يوسف رحمه الله يقول:
(يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإنِّي لم أجلس مجلساً قطُّ أنوي فيه أن أتواضع إلاّ لم أقم حتى أعلوَهم ، ولم أجلس مجلساً قطُّ أنوي فيه أن أعلوهم إلاّ لم أٌقم حتى أُفتَضَح )[55].
وكان الإمام التابعيُّ مكحول الشاميّ يقول في بيان فضل الإخلاص:
( ما أخلص عبد قطُّ أربعين يوماً إلاّ ظهرتْ ينابيع الحكمة من قلبه ولسـانه)[56].


الصفات المتعلِّقة بذات الخطيب أثناء الخطبة
وأمّا الصفات المتعلِّقة بذات الخطيب أثناء الخطبة، فهي :
(أ) حسن الإلقاء
ونقسم هذه الصفة إلى الأٌقسام الآتيـة:
1ـ جهازة الصوت وحسنه.
2ـ اتِّزان النبرات.
3ـ النطق الجيِّد.
4ـ الوقوف عند الموقف المناسب.
1- جهازة الصوت وحُسنه :
تُعتبر جهارة الصوت وجماله من أهمِّ صفات الخطيب الذاتيَّة أثناء الخطبة، ليتمكّن بموجبها من الاستيلاء على نفوس السامعين وجلب إصغائهم إليه .
وقد استحقَّ الرجل الجهوريُّ الصوت المدحَ، لأنَّه اكتسب في حَنْجرته صفةً تمكِّنه من إيصال الكلام إلى سامعيه، ومن عرضه عليهم بصورة مفهمة، لهذا أجاب أعرابيٌ لمّا سُئل عن الجمال، فقال :
( طول القامة ـ وضِخَم الهامة ، ورحب الشَّدق ـ وبُعد الصوت ).
ولكن يجمُل بالخطيب أن يكتسب ـ إضافة إلى جهارة الصوت ـ حُسْنه وجمالَه، إذ إنّ الصوت الجميل الذي يتمتَّع بنَبْرة عذبة تأنسُ به الأذن، ويرتاح إليه السمع، ويكون وقعه في النفس جميلاً ومؤثراً.
وإذا كان حُسْن الصوت وجماله صفةً جِبِليَّة لا سبيل إلى تحصيلها بالكّسْب، فإنّ جهارة الصوت وقوَّته يمكن أن تُنمَّى بواسطة تدريب الحَنْجرة وترويضها على الصوت المرتفع، ويحصل ذلك عندما يخلو الإنسان بنفسه ، ثمَّ يحاول أن يصيح ويرفع صوته كأنَّه يخطب في جمع من الناس، أو يخرج إلى الأمكنة الفسيحة والفضاء الرَّحْب، ثمَّ يحاول رفع صوته بالصياح، ويكرِّر ذلك مرَّات عِدَّة حتى تكتسب حَنْجرته قُوَّةً ومرونة، وتكتسب رئتاه نفساً عميقاً.
ويكون الخوف والخجل أحياناً عاملين مؤثِّرين في ضعف الصوت وخُفُوته، فينبغي للخطيب حينئذٍ أن يحطِّم قيد الخجل، ويتخطَّى حاجز الخوف، ويتجمَّل بالشجاعة والجرأة .
وإذا لم يتَّصف صوت الخطيب بالجهارة والجمال، فكان ضعيفاً خافتاً أو قبيحاً صارخاً، أو متهدِّجاً، فسوف تنبو عنه الأسماع، وتنفر منه النُّفوس، وتُعرض عنه العقول والقلوب، لأنّ الإنسان يميل بطبعه إلى ما يأنس به، وينفر مما يستوحش منه.


2ـ اتِّزان النِّبرات :
ونعني بذلك أن يجعل الخطيب صوته مناسباً لمعاني الخطبة ولمكان إلقائها وللجمهور المستمع إليها، فيرسله إرسالاً متوازناً بحيث يقوى في موطن القوَّة، ويرفق في موطن الرِّفق، ويُلبسه صورة المعاني التي يسوقها، ويعطيه إيقاع الأساليب التي ينطق بها، فيؤدِّي ذلك إلى تجديد انتباه المخاطبين بخطبته، وإيقاظ أذهانهم ، وتحريك مشاعرهم، واستمرار نشاطهم في الإصغاء إلى كلماته ومتابعة حديثه إلى نهايته .
ومن المستحسن بالخطيب، ليحقِّق صفة اتِّزان النبرات في صوته أثناء خطبته، أن يبدأ حديثه بصوتٍ منخفض، ثمّ يتدرج في رفع صوته وخَفْضه بحسب المواطن والمواقف التي يمرُّ بها والمعاني التي يسوقها، فيتمشَّى بذلك مع نَفَس المستمع إليه واستعداده لاستقبال كلماته وسماع عباراته .
وأمّا إذا بدأ خطبته بصوت مرتفع، فسوف يؤدِّي إلى نُفْرة الأسماع منه وصمَّ الآذان عنه حتى يتمنَّى الجمهور سكوتّه طلباً لراحة أسماعهم وسلامة آذانهم، فالصوت الصارخ العالي يتعب الأسماع، ويرهق الأذهان .
كمّا أنّ من العيوب التي يقع فيها بعض الخطباء في هذا المجال أنَّك تجد أحدهم يُسرع في إلقاء الكلمات إسراعاً بحيث لا يتمكَّن السامع من ملاحقته بسمعه وذهنه، فيُضطرُّ إلى أن يتجاوز إدراك كثير من كلمات الخطيب وعباراته ليلحق به إلى نهاية خطبته، فيفوته سماع العديد من الألفاظ وفهم الكثير من الأفكار، فتفقد الخطبة بذلك فائدتها في نفسه ولا تصل بتمامها إلى سمعه .
فالإسراع صفة ذميمة وخصلة غير كريمة، ينبغي للخطباء تجنبُّها ، لأنَّها تُفوِّت على السامع كثيراً من المنافع .
وإنّ أحسن الخطباء أداءً وأنفعهم خُطبة من تمهَّل في إلقائه، وأوضح نطقه، وأجاد في إسماعه. ولقد جاء في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان إذا خطب استطاع أن يَعُدَّ كلماتِه ويحصيَها[57]، وإذا كنّا قد ذممنا الإسراع، فلا يعني هذا أنَّنا نمدح الإبطاء، فإنَّ الإبطاء في إلقاء الكلام إذا خرج عن صورته الطبيعيَّة وأصبح ضرباً من التمطيط، ساءت عاقبته، وفسدت ثمرته حيث يؤدي إلى مَلَل أسماع السامعين وشرود أذهانهم وضجر نفوسهم وانصرافهم عن خطيبهم .
فالأمر إذاً عوان بين ذلك، فلا هو إسراع مضِلٌ، ولا إبطاء مملٌ.
ومن العيوب القبيحة في هذا المجال أيضاً:
أنّك تجد بعض الخُطباء يسير في إلقاء خطبته بأن يرفع صوته ثمَّ يخفضه تدريجيّاً، ثمّ يعود فيرفعه ثانية ليخفضه تدريجياً مرَّة أُخرى ويستمر دأبُه هكذا إلى نهاية خطبته.
أو أنَّه يبدأ خطبته هادئاً، ثمَّ يرفع صوته تدريجياً ، ويستمرُّ في رفع صوته، ويزيد في حماسته وانفعاله إلى نهاية خطبته، فينشأ عن هذه الطريقة تهدُّج صوته وإرهاق حَنْجرته. وقد تجد بعض الخطباء ممن يسلك هذا المسلك، ويتَّبع هذا الأسلوب، ينقطع صوت أحدهم أثناء خطبته وقبل أن يصل إلى غايته، فيضطرُّه ذلك إلى أن يُتِمَّ خطبته في غاية الإرهاق والتعب وضعف الصوت والنصب، فيلتزم الاختصار، ويترك بعض الأفكار، ليخرج من لجَّة عنائه، ويتخلَّص من تعبه وإرهاقه.
كما تجد فريقاً من الخطباء يجعل أحدُهم صوته ينطلق على وتيرةٍ واحدة، فيبدأ هادئاً من أوّل خطبته إلى نهايتها، أو يبدأ خطبته بقوّةٍ وحماسة ويستمرُّ هكذا إلى اختتامها، فينجم عن ذلك تطرُّق الملل إلى نفوس المستمعين إليه الذين يتطلّب من الخطيب لبقاء نشاطهم واستمرار انتباههم أن يتَّزِن في نَبْرة صوته، ويُلوِّن في إيقاعها بما يتناسب مع مكان إلقائه، والجمهور المستمع إليه، ومعاني خطبته.
3ـ النَّطق الجيّد :
هو أن يُحسِن الخطيب أداء الكلمة، بأن يُخرج حروفها من مخارجها الطبيعيَّة، فيَتجَنَّب النطق المخلّ بالحرف، والذي يترتَّب عليه الإخلال بالمعنى، كأن يلفظ : (القاف) كافاً، (والغين) خاءً.
ومن العيوب القبيحة في نُطق الخطيب ألاّ يُحسن أداء الحروف اللثويَّة، وذلك بأن يلفظ (الثاء) سيناً، فيقول: (سُمَّ)، ويعني بها (ثُمَّ) . ويلفظ (الذال) زاياً، فيقول (زلّ). ويعني (ذلَ). ويلفظ (الظاء) زاياً مفخَّمة .
ومن خصائص النطق الجيِّد أن يتجنَّب الخطيب الأخطاء النَّحْويَّة والأغلاط اللُّغويَّة، إذْ من القبيح به أن يقع في خطأٍ نَحْويِّ أثناء كلامه كأن يرفع المخفوض ، ويخفض المرفوع، ويزداد الأمر سوءاً وقُبحاً إذا كثُر ذلك الخطأُ، وشاع في العديد من ألفاظ الخطيب أثناء خُطبته.
وإنَّنا نجد كثيراً من الخطباء في هذه الأيّام قد ابتُلُوا بهذه الآفة، ولم ينج منها إلاّ أولئك الذين عُنوا بألسنتهم فصقلوها، وقوَّموها بكثرة تلاوتهم للقرآن الكريم وقراءتهم للحديث النبويِّ الشريف والكلام العربيّ الفصيح من شعر أو نثر، وحفظ نصوص كثيرة من ذلك كلّه.
فإنَّ من صقل القرآنُ لسانَه، وقوَّم بيانه، يصبح قليل الزلل نادر الخطأ، ينطق بالكلمة نُطْقاً صحيحاً، ويجربها على قواعد اللُّغة العربية نَحْوِها وصَرْفِها، ويُخرج كلّ حرف من حروفها من مخرجه الطبيعيّ.
ولا بأس هنا أن نذكر جدولاً ببعض الكلمات والعبارات التي اعتاد أكثر المتكلَّمين والخُطباء النُّطْقَ بها على خلاف صورتها الصحيحة أو استعمالّها في غير موضعها المناسب، ونذكر إلى جانب الخطأ ما يقابله من الصواب[58]
الخط الصواب
الغِواية    الغَواية
يغفَل  يغفُل
قَيْد أُنملة  قِيد أُنملة
مزَّقه إرْباً أرَب مزَّقه إرْباً إرْباً
عَرْض الحائط عُرْض الحائط
الغِيرة الغَيْرة
طِوال العام    طَوال العام
المَصْيَف  المَصِيف
عَيان عِيَان
حَلَقَة علم حَلْقَة علم
تمعَّن الأمر    أمعن في الأمر
الغير معقول  غير المعقول
يجب علينا أن نستبدل الجهل بالعلم   يجب علينا أن نستبدل الجهل بالعلم
  ( فالمتروك هو المجرور بالباء )
في الجُعْبة في الجَعْبة
الحُنْجُرة  الحَنجَرة
على وِفْق المصلحة   على وَفْق المصلحة
فلان مرتّبِط بكذ   فلان مرتَبَط بكذا
الأمور الحياتيَّة    الأمور الحيويَّة
الفَقَرة     الفِقْرة
 


ونؤكِّد في نهاية هذه الفِقْرة ما تقدَّمت الإشارة إليه أنّ من مظاهر النطق الجيّد إضافَةً إلى ما ذكرناه : أن يصوِّر الخطيب المعاني بنُطقه، وذلك بأن يلفظ الاستفهام بصورة تدلُّ على الاستفهام، والتعجُّب بطريقة تشعر بالتعجُّب . . ونحو ذلك .
4- الوقوف عند الموطن المناسب :
ونعني بهذا: أن يراعيَ الخطيب أثناء إلقاء خطبته الوقوف في الموطن المناسب. وهذه ناحية هامَّة جدير بالخطباء جميعاً العناية بها، لأنّ إهمالها وعدم الاكتراث لها قد يوقعان المتكلِّم والسامع في إحراجات ومآزق وفهم خاطىء، كأن يستمِّر الخطيب في النطق بجمل عدّة متوالية دون أن يلتقط نَفَسه خلالها، فيُضطرَ إلى التوقُّف عن النطق بسبب ضيق نَفَسِه، فيأتي توقُّفه في وسط الجملة آو في نهايتها وقبل اكتمال معنى السياق، فيؤدِّي هذا التوقُّف المفاجئ إلى بتر الكلام وانقطاع المعنى، فتفقد الخطبة فائدتها في عقل السامع وتأثيرها في قلبه. وقد يتوقَّف الخطيب أثناء خطبته توقُّفاً اختيارياً، ولكنَّه يُوقعه في غير الموطن المناسب، فينشأ عن ذلك اضطراب المعنى في ذهن السامع وتَمَزُّق الفكرة وضياع فائدة السياق.
ولقد ذمّ الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الصنف من الخطباء كما جاء في كتاب ((الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى))، للقاضي عياض، حيث ذكر:
أن خطيباً خطب عند النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقال: (من أطاع الله ورسوله، فقد رشد، ومن عصاهما . . فقد غوى).
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
(( بئس خطيب القوم أنت. قُمْ ـ أو قال ـ اذهب )).
قال أبو سليمان : كره منه الجمع بين الاسمين بحرف الكناية لما فيه من التسوية .
وقال أبو البقاء الكفويُّ في ((كليّاته)) : فليس فيه دلالة على أنّ الواو للترتيب، بل على أنّ فيه ترك الأدب حيث لم يُفرِد اسم الله تعالى بالذكر، ولأنّ كلِّ واحد من العصيانيين مستقلٌ باستلزام الغواية .
ويحتجّ برواية : (( بئس خطيب القوم أنت، هلا قلت : ومن عصى الله ورسوله )).
وذهب آخرون إلى أنّه إنَّما كره له الوقوف على يعصهما، وهو توقُّف غير سليم، لما يترتَّب عليه من فساد المعنى إذ يقتضي الوقوف على (يعصهما) أنَّ الرشد يلحقه أيضاً، وهذا باطل .
(ب) سرعة البديهة
قد يتعرَّض الخطيب أثناء خطبته لسؤال أو اعتراض أو موقفٍ محرجٍ من قِبَل الجمهور، فيتطلَّّب ذلك منه أن يكون متيقّظ الذّهن، سريعَ البديهة، حَسَن التخلُص، حاضر الجواب، ليتمكَّن من الخروج من حرج موقفه والاستمرار في خطبته دون أن يتلعثم أو يضطرب .
والخطيب الذي يتَّصف بحِدَّة الذكاء وشدَّة الانتباه والقدرة الفائقة على السيطرة على الموقف بلا ضعف ولا اضطراب هو الذي يتمكَّن من اجتياز المواقف مهما بلغ إحراجها .
وإذا وجد الخطيب نفسه غير قادر على الإجابة عن السؤال الموجه إليه، فعليه أن يتماسك موقفه، وألاّ يمكِّن الارتباك والحرجَ من نفسه، بل يمتلك الموقف ويسيطر عليه بأن يقول للسائل : ذكِّرني بسؤالك بعد الخطبة .
وكذلك إذا وجد نفسه عاجزاً عن الرّد على اعتراض أحد عليه أثناء خطبته، وخشي أن يفقد السيطرة على الموقفِ ، فعليه أن يصُمَّ أُذنيه عن ذلك الاعتراض ، ويستمرّ في إلقاء موضوعه غير ملتفت إلى كلام المعترض ـ لأنَّ في ردّه عليه ـ وهو غير قادر على إحكام موقفه وضبطه ـ إيقاعاً له في الحرج وإلقاءً لخطبته في لُجَّة الاضطراب، فتضيع منه الأفكار، وتضطرب على لسانه الكلمات، وتغيب عنه العبارات ، ويفقد زمام الموقف، فيحار في أمره ماذا يصنع ؟؟ وكيف يُتِمُّ موضوعه، وينهي كلمته ؟؟
ومن أمثلة الردّ المناسب على اعتراض المعترض: أنَّ خطيباً كان يُلقي خُطبته في أحد المحافل فاعترض عليه أحد المستمعين قائلاً :
هذا غير صحيح .
فأجاب الخطيب بكلِّ بساطة : هذا رأيك .
ثمَّ تابع خطبته دونما انقطاع أو اضطراب .
وخطيب آخر كان يتحدَّث عن الإسراء والمعراج ، فرجَّح أثناء كلمته القول بعروج النبيّ صلى الله عليه وسلم بجسده ورؤيته الله تعالى بعينّيْ رأسه، فقام أحد الحاضرين معترضاً عليه خلال خطبته، وأعلن بطلان ما يقول، مؤكداً أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعرج بجسده ولم ير الله بعينَيْ رأسه، وأغلظ له في القول ، فتابع الخطيب خطبته وكأنَّه لم يسمع ذلك المعترض، واستمرَّ في حديثه متجاهلاً ذلك الإنسان الذي هوى بعد اعتراضه قاعداً مستخزياً، لا ينبِس ببنت شفه,
ولقد ذكرنا لنا التاريخ كثيراً من المواقف والظروف المحرجة التي تعرَّض لها الخطباء والمتكلّمون، فاستطاعوا بفضل ذكائهم وسرعة بديهتهم الخروج من مآزقها دون أن يتلكِّلوا أو يضطربوا أثناء حديثهم، حيث كانوا يحسنون التخلُّص بالردِّ الحاسم المناسب والجواب السريع المحكم على ما يوّجه إليهم من اعتراض أو سؤال .
ونذكر هنا شيئاً من تلك المواقف لاستكمال الفائدة :
* خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ذات يوم، وتناول موضوع تحديد المهور، فوقفت امرأة من قريش واعترضته قائلةً:
يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال : وأيّ ذلك ؟ فقالت : أما سمعت الله يقول: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً }[59] .
فقال عمر : اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع عن قوله إلى قول المرأة [60].
* خطب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يوماً، فوقف أحد الناس معترضاً عليه، وأغلظ في القول، فقطع معاوية خُطبته، ونزل حتى أتى الماء ، فتوضّأ، ثمَّ رجع إلى المِنبر ولحيتُه تقطر، والتفت إلى الناس قائلاً:
 
لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إن الغضب من الشيطان، وإنّ الشيطان خُلق من نار، ولا يطفئ النار إلاّ الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ))[61]
 ثم تابع خطبته.
* خطب أبو جعفر المنصور يوم جمعة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال :
أيُّها الناس ، اتَّقوا الله .
فقام رجل، فقال :
أُذكِّرك من ذكَّرتنا به يا أمير المؤمنين .
قال أبو جعفر :
سََمعاً سَمْعاً لمن فهم عن الله وذكَّر به، وأعوذ بالله أن أذكَّر به وأنساه، فتأخذني العزَّة بالإثم، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، وأمّا أنت، والتفت إلى الرّجل، فقال: والله، ما الله أردت بها ، ولكن ليُقال: قام فقال، فعوقب فصبر، وأهون بها لو كانت العقوبة، وأنا أنذركم ـ أيُّها الناس ـ أختها ، فإنَّ الموعظة علينا نزلت، وفينا أُنبِتت .
ثمَّ رجع إلى موضعه من الخطبة .
* صعِد أحد الخلفاء المنبر ليخطب، فسقطت ذبابة على وجهه، فذَّبها عنه، فعادت فذَّبها الثانية، فعادت . . وتكرَّر ذلك، فضاقت نفسه، واضطرب تفكيره، فتخلَّص من حرج موقفه بأن قال : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ }[62].
ثم نزل، فاستحسن الناس منه هذا التخلُّص.


* صعد سيدنا عليّ رضي الله عنه المنبر يخطُب في الناس، وبدأ خطبته بقوله :
الحمدلله الذي يحكم بالحقُ قَطْعاً، ويجزي كلَّ نفسٍ بما تسعى وإليه المآب والرُّجعى .
فسأله سائل عن مسألة فرضيَّة، فأجابه ارتجالاً من غير تأمّل :
صار ثُمُن المرأة تُسُعاً.
ثمَّ مضى في خطبته، وسُمِّيت هذه المسألة الفرضية بالمسألة (المنبريّة) ، لكون سيِّدنا عليّ أجاب عنها وهو يخطُب على المنبر [63].
(ج) الحماسـة وتأجُّج العاطفة
تغلب على الخُطبة دوماً صبغة إثارة العواطف وتحريك المشاعر، فهي تقوم على التأثُّر والتأثير. والخطيب الناجح هو الذي يشحن خطبته بالحماسة والعواطف، ويتمكًّن من الدخول إلى أعماق النفوس والتأثير في القلوب، ويُلهب مشاعر جمهوره، فيجعله ينجذب إلى خطبته، وينفعل بفكرته، ويتأثّر بكلمته.
    فالحماسة عنصر فعّال في الخطبة، وهي لا تبلغ تأثيرها المطلوب إلاّ بتوفرّه، فإذا بردت عاطفة الخطيب، وفترت مشاعره، خبت جذوة التأثير في كلماته، وفقد قوّة السيطرة على المستمعين إليه الذين انفصلوا عنه روحيّاً ، وانعزلوا وجدانيًا ، فآل بهم ذلك إلى انصراف قلوبهم وعقولهم عن معاني خطبته وأفكارها .
    وإنّ من ثمرات الحماسة تجديد نشاط السامعين وتنبيه أذهانهم وانصراف قلوبهم وعقولهم إلى خطيبهم، فيتجلّى أثر ذلك في هيئة جلوسهم وحالة إنصاتهم وشخوص أبصارهم إلى الخطيب وهو يلقي خطبته عليهم، فيتجنَّبون شرود عقولهم عن معانيه وانصراف أسماعهم عن كلماته من بداية الخطبة إلى نهايتها .
    إلاّ أنَّه يجب أن نعلم: أنّ حماسة الخطيب في خُطبته ينبغي أن تتناسب مع أفكارها، وتتَّفق مع معانيها، وذلك بأن تقع في الموطن المناسب والمكان اللائق من الخطبة، لأنَّها ـ كما أسلفنا ـ وسيلة ناجحة من وسائل التعبير والتأثير، فإذا جاءت في غير موطنها المناسب، غدت ضرباً من الانفعال الممجوج، ولم تؤت ثمرتها في نفوس المستمعين، بل يترتَّب على ذلك ضعف قوَّة صوت الخطيب وإرهاق حَنْجرته وضجر المستمعين إليه إذا ما استطرقت الحماسة والانفعال الخطبةَ من بدايتها إلى ختامها .
    فالحماسة التي ندعو إليها في الخطبة هي الحماسة المتوازنة التي يستدعيها المقام، ويطلبها واقع الحال، ويستحسنها السياق، و وتتقوّى بها المعاني .
    فعند سوق القصة أو تقرير فكرة علميّة أو قاعدة تربويّة تستحسن برودة العاطفة وتجنُّب الانفعال والتزام الهدوء المناسب لرواية تلك القصة أو بيان تلك الفكرة العلميّة والقاعدة التربويّة .وأمّا في مقام الترغيب والترهيب وبعث الهمم على البرّ والإحسان واستنهاض العزائم للذود عن الأوطان والتوجيه إلى مكارم الأخلاق ومسالك النجاة من عذاب النار والفوز بالجنان فتُستحسن الحماسة ، وينفع الانفعال، لتهييج المشاعر وإثارة العواطف نخو هذه المعاني .
    ولنا تأييد قويُ لما ذهبنا إليه من اعتبار الحماسة وثوران العاطفة من عوامل نجاح الخطبة وسبيل تأثيرها ما ذكره ابن قيِّم الجوزيَّة في كتابه (( زاد المعاد )) في مقدِّمة بحث هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه حيث قال :
    ( كان إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه حتى كأنَّه منذر جيشٍ، يقول:
(صبَّحكم ومسَّاكم)
ويقول :
(بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أُصبُعيه السبابة والوسطى)
ويقول:
(أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هديّ محمد، وشرِّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة)
ثم يقول : (أنا أولى مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك دَيْناً أو ضَياعاً فإليَّ وعليَّ)[64]
(د) رباطة الجأش وقُوَّة الجَنان
    تُعتبر الجرأة ورباطة الجأش من العوامل المؤثِّرة في نجاح الخطيب، لأنَّهما تمكِّنانه من الهيمنة على الموقف والقدرة على إلقاء خطبته بقوّة وثبات، بينما يكون الخوف سبباً في اضطرابه واهتزاز موقفه، فيفقد بذلك السيطرة على الموقف والقدرة على الكلام ورفع الصوت وشدَّة الحماسة، وتنحبس الكلمات في حلقه، وتنقطع بانقطاع نَفَسِه لخوفه واضطراب قلبه، وينهار أمام هيبة الموقف، فيسعى جهده في أن ينهي خطبته بأسرع وقت، ليتفادى خطر الوقوع فريسة الخوف والضعف، ويتخلَّص من أشواك الحَرَج التي ضربها على نفسه بسبب خوَره .
ويزيد في اضطراب الخطيب الفاقد لرباطة الجأش نظرهُ إلى جمهوره ونظرُ الجمهور إليه، فتجد مثل هذا الضرب من الخطباء كلّما وقع بصره على أحد يراه ازداد خوفه، واشتدَّ اضطرابه، لذلك تجده يحاول أثناء خطبته أن يصرف بصره عن رؤية الناظرين إليه ما استطاع.
فرباطة الجأش والجُرأة تمنح الخطيب قُوّة نفسيَّة واطمئناناً قلبياً، فتراه أثناء حديثه يجول بطرفه في وجوه المستمعين إليه دون أن يعتريه خوف، أو يصيبه ارتباك. بل ربَّما وجدته لرباطة جأشه وتماسك موقفه يحاول صياغة بعض أفكاره بصيغة سؤال يوّجهه إلى الجمهور المستمع إليه، فنجده يطرح السؤال وكأنَّه ينتظر الجواب منهم :
كقوله : أليس كذلك أيُّها الإخوة ؟ . .
وقوله : أخبروني بالله عليكم ؟ . . ونحو ذلك
ثم يجيب عن السؤال، ويستمرُّ في حديثه بكلِّ سهولة ويُسْرٍ.
ولا شكّ في أنّ مخاطبته لجمهوره بهذا الأسلوب تحتاج إلى جرأة وثبات واطمئنان. فلا يفلح بها إلاّ الخطيب الذي يتمتَّع برباطة الجأش وقوّة الجنان .
ويجب أن نعلم أنّ هذه الصفة من أهمّ عوامل طلاقة اللّسـان وقوّة المنطق، وأمّا عيُّ اللِّسان وضعف المنطق فهما من بعض آثار الخوف والخجل اللَّذين ينتابان المتكلِّم.
وهذا العامل النفسيُّ نلاحظه بصورة واضحة عند الأطفال، فالطفل الجريء الشجاع طليق اللسان، يلفظ الكلمات بكلّ قوّة وثبات دون تلكُّؤ أو ضعف، بينما نجد الطفل الخجِل لا يقوى على التلفُّظ بالكلمات بطلاقة، وإنما تتعثَّر على لسانه، وتتلجلج في حّلْقه، وتنحبس معها أنفاسُه، وتضيق بها نَفْسه، فيُؤْثر الصمت على الكلام، ويتحرَّج غاية الحرج حين يُدفع إلى الحديث.


ثانياً ـ الصفات المتعلقة بمظهر الخطيب وهيئته
نتناول في هذا الجانب من صفات الخطيب ثلاث صفات، هي:
(أ) وقار لبسه وجمال مظهره .
(ب) وقفته حال أداء الخطبة .
(ج) حسن إشارته واتزان حركاته.
* *    *
(أ) وقار لبسه وجمال مظهره
إنّ حُسْن المظهر وجماله أمر حبَّذه الإسلام، وحضَّ عليه وخاصّةً في موطن العبادة، فقال سبحانه: خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ )) [65].
  وكان النبيُّ الكريم عليه الصلاة والسلام يوجِّه المسلمين إلى وقار المظهر وآداب الملبس، فلمّا رأى رجلاً ثائر الشَّعر، قال : (( أما وجد هذا ما يسكِّن به شعره )).
ولمّا رأى آخر يلبس ثوباً وَسِخاً قال: (( أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه )).
  وكان إذا أراد الخروج إلى أصحابه أصلح من ثوبه وشعره، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
  وكان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة ماءٍ، فجعل ينظر في الماء، ويسوِّي شعره ولحيته، فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟
  قال: (( إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليُهيِّىء من نفسه، فإنّ الله يحبُ الجمـال))
وعن ابن عمر رضي الله عنهما :
  أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر في المرآة وهو مُحرِم، وكان للرسول صلى الله عليه وسلم بُردة جميلة يلبسها للجمعة والأعياد.
  فوقار اللبس وجمال (الهندام) شيء نادى به الدِّين الحنيف، لأنَّه من مقتضى الآداب التي ينبغي أن يتحلّى بها المسلم، ولا يعني كلامُنا هذا أَنْ يتفاخر المؤمن بثيابه، ويتباهى بلبسه وجماله، ويتفق في سبيل ذلك وقته وماله شأن كثير من أهل زماننا، حتّى أصبح الملبس عندهم غاية لا وسيلة. فإنّ من ابتغى الشهرة والخُيلاء بثيابه، لم تُحمَد عاقبته، فقد قال عليه الصلاة والسلام.
  (( من لبِس ثوب شهرةٍ في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة، ثمّ ألهب فيه ناراً ))[66].
ولكن ما نعنيه هو أن يهتمَّ المؤمن بهيئته وتناسق لُبسه، فلا يخالف مألوف الناس بملبوسه بحيث يستشير عجبهم، ولا يرتدي من الثياب ما يزري به، ولا يكون قذر البدن والثوب.
ولقد سأل رجل سيّدنا عبدالله بن عمر ، رضي الله عنهما:
ما ألبَسُ من الثياب ؟
قال: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعيبك به الحكماء.
قال: وما هو؟
قال : ما بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهماً [67]
  وإذا كان هذا ما ينبغي أن تكون عليه عامّة الناس، فإنَّ من قام مقام الوعظ والإرشـاد، ووقف موقف التوجيه والتعليم جدير به أن يكون أشدّ اهتماماً بتناسق ثيابه ونظافته وحُسْن هندامه، لأنّه محطُّ أنظار الجماهير التي اجتمعت إليه تسمع كلامه، وتصغي إلى حديثه.
  وإنَّ لٍحُسن مظهر الخطيب وجمال هندامه وقعاً في نفوس السامعين وتأثيراً في ذواتهم، وتلك هي طبيعة النفس البشريّة التي تميل إلى المألوف، وتأنس بالكمال والاعتدال.
  وأمّا إذا اضطرب مظهر الخطيب، وامتُهِنَت ثيابه، واختلط (هندامه) كان ذلك سبباً في نفور الناس منه وإعراضهم عن سماعه واستهانتهم به . كما حدث لإياس بن معاوية المزنيّ عندما أتى حَلْقة من حِلَق قريش في مسجد دمشق، فاستولى على المجلس، ورأوه أحمرَ دميماً رثَّ الهيئة قشيفاً، فاستهانوا به، فلما عرفوه اعتذروا إليه، وقالوا:
  (الذنب مقسوم بيننا وبينك أتيتنا في زيِّ مسكين تُكلِّمنا بكلام الملوك)
  فمن أراد أن يقف موقف الواعظ المرشد عليه أن يظهر بثوب الوقار اللائق به في أهال زمانه بحيث يظهر في لبسه وسَمْته أثرُ جلال مقام الإرشاد والدعوة إلى الله .
  ومن مقتضى حُسْن السمت وجمال (الهندام) في الخطيب أن يسرِّح لحيته ويهذبها ويمشِّط شعره، فقد ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسرِّح لحيته بالمشط.
  وأن يستعمل من الطِّيب في بدنه وثوبه إن وجده، لأنّه ورد عن سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها:
أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يخرج الرجل إلى أصحابه تّفِل الريِّح، فكان يمسُّ من آخر اللَّيل طيِباً ـ ثمَّ يخرج إلى أصحابه.
  وهذا ما كان يفعله الإمام مالك بن أنس الأصبحيّ صاحب المذهب المشهور، رحمه الله تعالى، فقد ورد أنَّه كان إذا جاءه الناس لطلب الحديث، دخل مغتسله فاغتسل، ثمّ تطيَّب، ولبس ثياباً جُدُداُ، ووضع رداءه فوق رأسه، وأخذ معه العود يبخِّر به في مجلسه وهو يحدِّث حتى فرغ، فقيل له في ذلك، فقال:
( إنّي أُحبُّ أنْ أُعظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم )
هذا كله في عموم أحوال الخطيب .
  أما بخصوص خطبة الجمعة والعيدين والمناسبات الدينيَّة التي تُقام في بيوت الله تعالى، فمن المستحسن من الخطيب أن يلبس من الثياب ما يُنبِّه إلى مقامه، ويشير إلى منزلته كواعظ ومرشدٍ ومعلّم، ومن ذلك الجُبَّة والعِمَّة، فقد ورد سيدنا عبدالله بن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً:
  (( عليكم بالعمائم فإنَّها سيما الملائكة ))[68].
وفي حديث آخر عنه رضي الله عنه :
(( العمائم تيجان العرب، فإذا وُضِعت ذهب عزُّها ))[69]
وقد ذكر ابن قيِّم الجوزيَّة في (( زاد المعاد )) في ملابسه صلى الله عليه وسلم:
( كانت له عمامة تُسمَّى: السحاب، كساها عليّاً، وكان يلبَسُها ويلبَسُ تحتها القَلَنْسُوة. وكان يلْبَسُ القلنسُوة بغير عمامة، ويلبَس العِمامة بغير قَلَنْسُوة. وكان إذا اعتمَّ، أرخى عمامته بين كتفيه، كما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن عمرو بن حريث قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداءُ قد أرخى طرفيها بين كتفَيه .
  وفي مسلم أيضاً عن جابر بن عبدالله، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكّة وعليه عِمامة سوداء )[70].
  ولا بأس بلُبس العباءة أو البُرْد، والقَلَنْسُوة ونحوها من أغطية الرأس التي يتميَّز بها أهل العلم والدعوة من غيرهم.
  ويستحسن من الخطيب أن يلبس من الثياب البياض لما رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنّه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( أحسن ما زرتم الله عزَّ وجلّ به في قبوركم ومساجدكم البياض )).
ولما رواه أبو داود والترمذيّ عن ابنّ عبّاس، رضي الله عنهما :
أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم )).
(ب) وقفة الخطيب حال إلقاء الخُطبة
  إنّ لوقفة الخطيب حال إلقاء الخطبة أثراً في نفوس السامعين كما لها أثر في نفسه، لذلك ينبغي الاهتمام بكيفيَّة وقفته وهيئته فيها عند إلقاء خطبته .
  ولتوضيح هذه الناحية وتفصيل الحديث عنها نقول :
  يجب على الخطيب عند إلقاء خطبته أن يقف على مكان مرتفع حتى يتمكَّن الجمهور المستمع إليه من رؤيته، ويتمكَّن هو بدوره من رؤية الناس، لأنّ تلك الرؤية المتبادلة المستمرَّة خلال الخٌطبة بين الخطيب والمستمعين تُعتبر من عوامل التأثُّر والتأثير وأسباب التفاعل بين الفريقين ، ذلك أنَّ المستمع عند رؤية خطيبه يكون قد أشرك تلقّيه الخُطبة حاسَتي السمع والبصر، وفي إشراكهما سبيل إلى دقَّة استقبال الأفكار وتثبيتها في العقل واستقرارها في أعماق القلب. وإذا وقف الخطيب مستشرفاً جمهور الناس يجب أن تُصفي هيئة وقوفه عليه مهابة وجلالاً، وذلك بأن يعتدل في وقفته، ويبرز صدره إلى الأمام مع اتِّزان جسمه وارتياحه .
  ولا شكَ في أنّ الخطيب إذا ارتاح في وقوفه، ولم يحسّ بتعب أو ضيق، استطاع أن يؤدي خطبته على أتمّ وجه وأحسن حال.
  ويَُضاف إلى ما ذكرناه أنَّه ينبغي على الخطيب أن يتلفت حال أدائه الخطبة إلى اليمين مرّةً وإلى اليسار أُخرى، ليتمكَّن من استقبال الجمهور بوجهه من مختلف الجهات، فيستطيع الحاضرون جميعاً أن ينظروا إليه فيزيدهم ذلك إقبالاً عليه واستيعاباً لكلماته وفهماً لخطابه.
  ولا بأس في أن يعتمد الخطيب بإحدى يديه على طرف المنبر أو على كتف كرسيّ أو طرف منضدة ونحو ذلك، لأنّ في استناده تحقيقاً لاتزان جسمه وارتياحه في وقفته .
  وإذا صعد الخطيب المنبر أو منصَّة الخَطابة ـ إن كان في حفل ـ يحسُن به ألاّ يبدأ الكلام فوراً إلاّ بعد أن يستقرَّ في مكانه، ويهدأ نَفْسُه، وتسكن جوارحُه، ويسود المكان الهدوء، وتتهيأ أسماع الناس وأذهانهم للإنصات له.
  وإذا لم يكترث الخطيب لهذه الملاحظات، ولم يعبأ بهيئة وقوفه ، فرّبما فقد كثيراً من دواعي التأثير في النفوس، وخاصّةً إذا كان بعيداً عن نظر المستمعين إليه الذين مهما حاولوا أن يعيشوا مع الخطيب بأسماعه وقلوبهم فإنَّهم يتعرَّضون من حين إلى آخر لانصراف أسماعهم عن كلماته وشرود أذهانهم عن معاني خطبته .
  ومن الجدير أن نذكر في ختام هذه الفِقْرة أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام كان عندما يخطب يصعد إلى مرتفع حتى يرى الناس ويراه الناس، ذُكر ذلك عنه يوم فتح مكّة وفي حجّة الوداع يوم عرفة بل كان عليه الصلاة والسلام يرتفع في مسجده على جذع نخلة وهو يخطب، ولمّا أتي له سيّدنا تميم بن أوس الداريُّ بالمنبر ترك الوقوف على الجذع، فحنّ الجذع إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام وفي ذلك قصَّة روتها كتُب السير والشمائل .
  وكان عليه الصلاة والسلام يعتمد في وقوفه أثناء خطبته على شيء يستند إليه بيده، ونذكر هنا شاهداً على ذلك أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام خطب الناس في صبيحة عيد الفطر، ثمّ أتى النساء ومعه بلال رضي الله عنه، فوعظهنَّ، وأمرهنَّ بالتصدُّق، وكان يقف متكئاً على كتف بلال، رضي الله عنه .
(ج) حسن إشارة الخطيب واتزان حركاته
  لا يستطيع المتكلِّم مهما كان هادئاً أن يستغني عن الإشارة، فهو إذا لم يحرّك يده، حرَّك رأسه، وإذا لم يحرّك رأسه، حرِّك منكبه، وإذا لم يحرِّك منكبه، بدت الحركة في تغيُّر ملامح وجهه ونظرات عينيه، كأن يقطِّب جبينه، أو يحوّل عينيه، أو تنفرج أساريره. فالإشارة ـ إذا ـ جزء من بيان المتكلِّم، وأداة من أدوات تعبيره.
وهي ذات فاعليَّةٍ كبيرة وأثرٍ واضح في تنبيه السامع وإيضاح المعنى ونَقْله إلى الأذهان، لذلك قالوا:
استخدام الإشارة يزيد في إيضاح العبارة .
  وللإشارة ـ أيضاً ـ أثر في تقوية حماسة الخطيب وتفاعله في خطبته ولكن يجب أن يُراعي في استخدام الإشارة أمور عدّة، أهمُّها :
1- أن تكون ملائمةً للمعنى المراد من العبارة حتى تتحقَّق مؤازرتها لها في الإيضاح والتبيين.
فإذا لم توافق الإشارة المعنى المقصود، أصبحت ضَرْباً من العبث لا فائدة منه .
2-    أن تسبق القول المقصودة به أو تواكبه، لأنَّها تُعتَبر موطِّئةً له ومنبِّهةً إليه.
أمّا إذا جاءت الإشارة بعد القول، فلا فائدة منها، ولا يعود لها أيُّ معنىً، حيث تقدّمتها العبارة، وهي أبلغ في التوضيح والتعبير من الإشارة.
3-    أن تكون متَّزنة متناسقة، تُعطي مدلولها بكلِّ وضوح ورشاقة بعيدةً عن العنف المُفرِط والمبالغة الشنيعة .
  فإذا كثُرت، وزادت عن القدْر المطلوب، أصبحت نوعاً من الحركات المخرجة للخطيب عن حدّ الوقار والإجلال، وربَّما أدَّت زيادة الحركات وكثرتها إلى سقوط هيبة الخطيب من نفوس المستمعين إليه واستثارة ضحكهم [71]، وهذا ما لا يليق بجلال مقام الوعظ والإرشاد.
* *    *
عُـدَّة الخطيـب
  إنَّ أيَّ إنسان يريد أداء عملٍ ما لا يُفلح فيه إذا كان فاقداً عُدَّة القيام به.
  هذه حقيقة قائمة في واقع حياة الناس جميعاً في مختلف المجالات، فالنجَّار بلا عُدَّة النِّجارة لا يستطيع عمل شيء، والبنّاء بلا عُدَّة البناء لا يستطيع عمل شيء، والبنّاء بلا عُدَّة البناء لا يستطيع رفع الجدران ونصب السقوف ، والصانع بدون عُدَّة التصنيع لا يتمكَّن من صنع شيء، وكذلك الخطابة فهي أشبه ببناء البنّاء وصناعة الصانع، فالخطيب إذا كان لا يملك عُدَّة بناء الخُطبة وصنع أفكارها وصياغة ألفاظها وتراكيبها، فإنَّه لن يفلح في شيءٍ من القول لفقده آلة صنعه وأداة صياغته .
  من خلال هذا التمهيد القصير نستطيع طرح السؤال التالي:
تُرى ما هي عُدَّة الخطيب ؟
  وبكلِّ وضوح نجيب:
  إنّ عُدَّة الخطيب التي يجب أن تكون متوفِّرة لديه أشياءُ كثيرةٌ، من أهمِّها: العلم ـ تنوُّع الثقافة وسعتها ـ الاطلاع الدائم على كلِّ نبأ جديد ـ أدب اللُّغة العربية وبيانها ـ حفظ الكثير من القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة ـ علم المنطق ـ علم النفس الاجتماعيّ.
وفيما يلي نبسط القول عن كلِّ واحدٍ منها :
(أ) العـلم :
  لا شكَّ في أنّ أهمّ ما يجب أنْ يعتدَّ به الخطيب هو العلم، لأنَّه في مقامه معلِّم للمستمعين إليه، ومبيَّن لهم ما خفي عليهم من المسائل وما جهلوه من الأحكام ، وناشر للحِكْمة والموعظة على أرض عقولهم وفي ساحة قلوبهم، فوجب على الخطيب أن يكون متفقِّها في الدين عارفاً بأحكام الشريعة معرفةً تمكِّنه من بذل ما يحتاج إليه الناس من أمور إسلامهم وتصوّرات عقيدتهم .
  ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الخصلة الهامّة في حياة الجماعة المسلمة، فقال تعالى :
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }[72]
  فإذا كان الخطيب غزير العلم كثير المعرفة، كان نفعه أكبر وعطاؤه أعظم، فيأتي كلامه وفير النفع جمَّ الفائدة، وأمّا إذا نضَب معين معرفته، وفرَغت جَعْبة علمه، فسيأتي كلامُه قليل الرّواء ضئيل الغذاء، لا يعدو أن يكون رصف كلمات قاحلة وتنميق ألفاظٍ خاوية لا تبلغ القلوب والعقول وإن أشرقت في الأسماع، وانجذبت إلى وقْعها الآذان.
  والعلم يمُدُّ الخطيب بقُوَّة تمكِّنه من الاستمرار في كلامه ومتابعة حديثه إلى غايته دون أن يتلكَّأ أو يتحرّج.
  وأمّا الخطيب الذي قلّ علمه، وشحَّت معرفته، فإنَّ مقدرته على الاستمرار في حديثه منوطة بما في حوزته من العلم والأفكـار، فإذا نفِذ زاده، اضطرب موقفه، واختلَّ توازن حديثه، وأصبحت سلامته في إنهاء خطبته وختم كلمته.
  والخطيب الناجح هو الذي لا ينقطع عن الاستمداد وطلب العلم مهما غزُرت معارفه، وزادت علومه وعوارفه، لأنَّه في مقام الإمداد والإرشاد، فإذا انصرف عن موارد العلم، واكتفى بما في جَعْبته من الفوائد والعلوم، أَوْشَكَ بسبب استمرار إعطائه أن تفرغ محصِّلتُه، ويجفّ مخزونُه، فيضعف مردوده، وتقلُّ فائدتهُ.
  فهو بحاجة أبداً إلى التلقِّي والاكتساب، مهما بلغت معرفته، واتسـعت ثقافتُه.
ولقد أحسن الشاعر حيث قال:
  العـلم بحرٌ ليس يُسْبـَر غـورُهُ ورحـابُه لا يحتويها المُبصِـرُ
  مهما مضى الغوّاص في أعماقه  وقضى الزمـانَ بسَبْره لا يظفرُ
  وسُئل أحد علماء هذا العصر، وكان قد امتلاء علماً والمعارف كثيرة، أهمُّها سبيلان، هما :
1ـ الجلوس في مجالس العلماء، والتلّقي منهم والأخذ عنهم.
2ـ المطالعة الفرديَّة في المؤلفات والمصنَّفات العظيمة حيث أودع فيها جهابذة العلم والمعرفة السابقون خالصَ علمهم، وصفوةَ أبحاثهم ونتائجَ قرائحهم، وخلاصةَ أفكارهم .
(ب) تنُّوع الثقافة واتساعها
  تُعتبر سَعة ثقافة الخطيب وتنوُّعها من أسباب نجاحه وقوَّته ومن مقوِّمات نفعه وتأثيره، لأنَّه يغدو بثقافته المتنوِّعة ومعارفه المتعدِّدة أشبه بالحديقة الغَنّاء التي يضمُّ روضُها المناظر الخلاَّبة، والألوان المختلفة، والمياه الرقراقة، والأصوات النديَّة، والروائح الشذيَّة، فيأخذ كلُّ من يرتاد تلك الحديقة حاجته، وينال بُغيته حسب بواعث نفسه و وقْدَة أحاسيسه، ووفَق مستوى فَهمه وتدفُّق خواطره.
  وإذا اتسعت ثقافة الخطيب، واختلفت ألوانها، كان تأثيره في النفوس عميقاً واستيلاؤه على القلوب والمشاعر كبيراً، لأنّ الحاضرين يشعرون بإفادتهم منه مهما تنوَّعت ثقافتهم، وتفاوتت مفاهيمهم، واختلفت طباعهم وتصوُّراتهم. والخطيب الناجح هو من صُبَّت في ذهنه وقلبه علوم جَمَّة وثقافات متنوِّعة ومعارف كثيرة، فإذا تكلَّم، خاض في مختلف مجالات العلم وطَرَق معظم ميادين الثقافة بكلِّ قوَّة وثقة بالنفس وطلاقة في الحديث.
  فتجده فقيهاً يعرض الأحكام الفقهيَّة بلا خطأ إذا هو تكلَّم بالفقه، ومحدِّثاً لا يذكر إلاَّ ما صحَّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويجتنب المصنوع والمكذوب إذا هو تكلَّم بالحديث.
  وحافظاً للقرآن لا يغلط في إيراد آية، ولا يُخطئ في قراءتها إذا تلا شيئا من القـرآن .
  ومؤرِّخاً يأتيك بالخبر اليقين والرواية الصحيحة إذا هو تحدَّث بالتاريـخ.
  و لغويّاً يصُوغ أجمل العبارات، ويأتي بروائع الجمل وساحر البيان إذا هو خطب وتحدّث.
  وطبيباً إذا بحث في مسألة طِبِّيَّة، فيعرضها عرض الخبير الحاذق والطبيب الماهر.
  وعالم فلك إذا حدَّث عن الأفلاك ومداراتها، والنجوم وطوفان أنوارها، والكواكب ومساراتها، وعن المجرّات بأنواعها وعدد نجومها .
  وعالماً طبيعيّاً إذا تحدَّث عن الطبيعة .
  وسياسيّاً إذا تناول في حديثه السياسة .
  وقائد جيش إذا ذكر القتال، وتحدَّث عن الحروب والفتوحات.
  وإذا تنوَّعت ثقافة الخطيب، وازدادت معارفه، مكَّنه ذلك من خوض أصعب الأبحاث وأخطر المواضيع دون وَجَل أو عناء، بل يكون في ذلك كالطود الشامخ، ينثر الكلام، ويفصِّل الحديث، فيعالج المسائل ، ويكشف الأخطاء، ويقرِّر الأحكام، ويطرح الآراء بمنتهى البساطة وغاية السهولة .
  ومن أهمِّ وسائل تنويع الثقافة وتوسيع نطاقها:
  كثرة المطالعة في مختلف مجالات المعرفة وميادين الثقافة :
  في علوم الشريعة الإسلاميَّة.
  في التاريخ، والجغرافيا .
  في الاجتماع، وعلم النفس .
  قي اللُّّغة العربيَّة وعلومـها.
  وفي سائر علوم العصر ومعارفه.
  ومصدر ذلك كلِّه المصنَّفات القديمة، والمؤلَّفات المعاصرة، والمجلاَّت العلميَّة والثقافيَّة والأدبيَّة، والصحف والنشـرات والوثائق المختلفة.
(ج) الاطلاع الدائم على كلِّ نبأ جديد
   لا شكّ في أنّ تكرُّر لقاء الخطيب الناسَ بمختلف طبقاتهم وشتى مستوياتهم الثقافيّة يفرض عليه أن يكون بثقافته مفاهيمه منسجماً مع واقع الناس المتجدِّد في أفكاره وأحداثه، وهذا الانسجام المطلوب يحدو به إلى أن يكون دائم الاطلاع على كلِّ جديد ينشأ في واقع الحياة المتطوِّرة العصريّة فكريّاً، وعلميّاً، واجتماعياً، واقتصادياً، وتربويّاً، وإنتاجيّاً، ليتمكَّن من معالجة قضايا الناس المعاصرة وتقديم الحلول الناجعة لمشاكل حياتهم ومسائل عيشهم.
  وهذا الاطلاع المستمرُّ على مختلف المتجدِّدات الحيويَّة يجعل الخطيب قريباً من واقع الناس، عارفاً بأحوالهم، خبيراً بمختلف شؤون حياتهم، متفهِّماً لجميع الملابسات والظروف التي تطرأ على حركة نشاطهم الفكريّ والسلوكيّ.
  فهو بذلك أشبه بالطبيب الذي يتوقَّف نجاحه في معالجة المرضى ومعرفة أدوائهم على ما يرفِد به معلوماته الطبيَّة بكلِّ ما هو جديد في باب الطبِّ.
  وأمّا إذا اكتفى الخطيب بمعارف الماضي، واقتصر على ما في جَعْبته من علوم التراث وفِكْر السابقين، ونأى بفكره وسلوكه ومشاعره عن متجدِّدات عصره ومعطيات زمانه، فسوف يصبح هو في وادٍ وواقع الناس في وادٍ آخر، وبذلك لا يفلح في صرف العلاجات المناسبةِ لمختلف المشاكل التي تنشأ في حياة الناس، ولا يتمكَّن من إيصال مفاهيمه وأفكاره إلى قلوبهم وعقولهم، ولا ينجح في التأثير في نفوسهم والهيمنة على مشاعرهم .
وهذا شأن بعض الخطباء المتزمِّتين الذين يعلنون حربهم شعواءَ على التطوّر الفكريّ والصناعيّ، ويجعلونه ضرْباً من الكفر يجب القضاء عليه ، وربَّما نجد أحدهم يُوغل في تزمُّته، ويتشدَّد في إحجامه عن الواقع فيحرَّم ما لا يجوز تحريمه، ويعلن ذلك على الملأ بدافع المحافظة على الدِّين ومفاهيم الإسلام، بينما يكون الحقُ خلاف ما يقول، ويكون تعنُّته وتشدّده سبباً في نفور الناس منه وخاصّةً الناشئين منهم، حتى يمهِّد الطريق أمام اتِّهام الإسلام بالتخلُّف والجمود.
ومن أمثال هؤلاء : خطيب أعلن رفضه لحقيقة الصعود إلى القمر ، وقال: ليس صحيحاً ما يقال: إنّهم صعِدوا إلى القمر وإنّ الدِّين يرفض مثل هذه الخزعبلات ، وكذلك أعلن إنكاره لحقيقة كُرويَّة الأرض، واحتجَّ على ذلك بأنَّه لم يسمع من مشايخه مثل هذا الكلام، وما دام لم يسمع ذلك من أشياخه فهو باطل ومرفوض، ولا يجوز الاعتقاد بصحَّة وقوعه.
ونحن عندما نحضُّ الخطيب على مواكبة التطوُّر الفكريّ والعلميّ والحيويّ، ونرفض عزلته بسبب توغُّله في محيط الماضي لا نعني بذلك أن ينسخ الماضي من ذهنه، ويعيش في الواقع، بل عليه أن يربط الماضي المجيد بالحاضر الجديد، وأن يجعل الماضي الزاخر بتراثه الفكريّ والروحيّ والاجتماعيّ قاعدةً يرتكز عليها بناء الحاضر، إذ لا غنى لنا عن الماضي الأثيل الذي ضمَّ بين جنباته حقائق التراث الإسلاميّ الفكريّ والعلميّ والروحيّ والاجتماعيّ ومقوّمات الحياة البشريَّة في ظلّ الشريعة السمـحة.
فالخطيب الناجح هو الذي يَعرِض على الناس عطاء الماضي بما يتناسب مع ظروف الحاضر وملابسته، ويستلهم من واقعه الأساليب التي يسكب فيها مفاهيم الدِّين الحنيف ومحاسنه الجليلة، ويجعلها تنساب رُخاء إلى قلوب الناس وعقولهم، فيُقبلون عليها بكلِّ شغف وتقدير واقتناع.
وسبل الحصول على الأنباء الجديدة كثيرة، من أبرزها :
1ـ المؤلِّفات والرسائل الحديثة الفكريَّة والعلميَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة .
2ـ الصحف والمجلاّت .
3ـ الندوات والبرامج والأنباء الإذاعيّة والوثائق .
(د) أدب اللُّغة العربيَّة وبيانها
تعدُّ اللُّغة العربيَّة بألفاظها وتراكيبها وبلاغتها المَعْبرةَ التي يعبرُ منها الخطيب إلى عقول الناس وقلوبهم ، فهي القالَب الذي تُصَبُ فيه الأفكار والمعاني والوسيلة التي يتوسَّل بها الخطيب لمخاطبة الناس.
فإذا عرض المتكلِّم أفكاره ومفاهيمه بأُسلوب أدبيٍّ رفيع متألِّق يتمتَّع بسموِّ البلاغة وسحر البيان، عَذُب وَقْعُهُ في السمع، وهوى إليه القلب، وتأثَّرت به النفس، وبهذا تُؤتي خُطبة أُكلَها في نفوس المستمعين إليه وعقولهم حيث خضعوا لحسن بيانه وجمال تعبيره، وانساقوا راغبين إلى أفكاره ومعانيه المسبوكة في أروع الألفاظ وأبلغ العبارات.
فأدب اللغة العربيَّة وبيانها يمنح الخطيب قدرةً فعالة على التأثير في القلوب والهيمنة على النفوس، ولو عرض في بيانه أبسط الأفكار وأيسر المعاني وأكثرها شيوعاً، فهي تصل إلى قلوب المستمعين إليه وعقولهم عظيمة جليلة عميقة الأثر وكأنَّها شيء جديد عليهم لم يسمعوا به من قبل ، لأنَّها كُسيت بأجمل الألفاظ وأروع التراكيب .
ولقد ذُكر: أنَّ الإمام الزهريّ رحمه الله تعالى خرج ذات يوم من عند هشام بن عبدالملك، فقال:
ما رأيت كاليوم، ولا سمعت كأربع كلمات تكلَّم بهنَّ رجل عند هشام، دخل عليه فقال:
ما رأيت كاليوم أحفظ منِّي أربع كلمات فيهنَّ صلاح ملكك واستقامة رعيَّتك.
قال : ما هُنَّ ؟
قال: ( لا تَعِدْ عدَةٍ لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنَّك المرتقى وإن كان سهلاً إذا كان المنحدر وَعْراً، واعلم أنّ للأعمال جزاءً فاتّق العواقب، وأنَّ للأمور بغتاتٍ فكن على حذَر ).
يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى في هذه الحادثة:
ومعاني هذه الموعظة لا تغيب ـ فيما أحسب ـ عن أمثال الزهريّ، وإنّما جاء إعجابه ممّا كُسِيتْ به الإيجاز الساحر وسلامة الألفاظ وجمع الحِكَم الأربع في نسق جعلها كعِقد ملتئم الدُّرَر مُحكَم التأليف . ا هـ .
فإذا أهمل الخطيب هذه الوسيلة العظيمة، واستخفّ بها، وألبس معانيه وأفكاره والأسمال والرقاع من الكلام، واكتفى من الألفاظ والعبارات بما يدلُّ على المعنى فحسب دون أن يلتفت إلى روعة البيان وجمال التعبير وسموِّ البلاغة وبراعة الإيجاز، فسوف تفقد خطبته القدرة على تحريك المشاعر وتأجيج العواطف والتأثير في النفوس.
فالخطيب الحاذق والمتحدِّث اللامع هو الذي لا يستهين بشأن اللغة وأدبها، بل يجعلها الركيزة الأساسية لبثِّ أفكاره ومعارفه .
كما أنّ الخطيب الذي يمتاز بحسن بيانه ودقَّة تعبيره وسلامة لغته هو أقدر على إيضاح الحقِّ وكشف زيف الباطل من غيره.
بل نقول: كم من خطيب أو كاتب استطاع بقُوَّة لسانه وروعة بيانه ودقَّة تعبيره وجمال لُغته أن يُخضع بسطاء الناس لفكره الخاسر ورأيه البائر وبضاعته الباطلة، حيث أقنعهم بضلالة وأباطيله بإقامة الحجّة التي ألبسها أجمل أثواب الكلام، وحلاّها بأبدع قلائد البيان، فملك عليهم قلوبهم، واستولى على عقولهم وعواطفهم .
فجدير بالخطيب أن يتسلَّح بأدب العربيَّة ويتَّخذه عُدَّةً في سائر أحواله.
وإذا أردنا أن نعرف الوسائل التي تمكِّن الخطيب من تقويم لسانه وتسديد لغته وتجميل بيانه، نُجمل هنا ما فصَّلناه في بحث سُبُل تقوية الأُسلوب الخطابيّ فنقول: إنَّ أهم وسائل تمتين لغة الخطيب وضبط لسانه وتحسين بيانه أربعة ، وهي :
1ـ كثرة تلاوة القرآن الكريم وحفظ الكثير من نصوصه.
2ـ قراءة الحديث الشريف وحفظ عدد جيّد من الأحاديث .
3ـ قراءة خطب الصحابة والتابعين وبلغاء العرب المبدعين وحفظ عدد من تلك الخطب.
4ـ مطالعة مؤلفات تراث اللُّغة العربيَّة النثريّ والشعريّ وحفظ عدد لا بأس به من النصوص النثريَّة والشعريَّة .
(هـ) حفظ الكثير من القرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف
يُعتبر القرآن الكريم والحديث الشريف الموردين الأصليين اللَّذين يستمدُّ منهما الخطيب الأفكار والمعاني والمفاهيم والخواطر واللغـة.
فهما أكبر حُجَة فكرّية وروحيّة وتشريعيّة ولغويّة، فإذا تسلَّح الخطيب بهما أكسباه قوَّة يندفع بها في حديثه إلى نهايته مقتحماً كلَّ عقبة تعترضه ومتخلِّصاً من كلِّ مأزق يقع فيه .
وأمّا إذا ضعف اعتماد الخطيب على القرآن والحديث، وقلّ محفوظُه منهما فسيفقد بذلك قوَّة فكريَّة وبيانيّة تنجيه من أزمات القول واضطرابات الخطاب.
فالقرآن والحديث وزَرَان يلجأ إليهما من أعيته الأدلَّة وأعجزته الحُجج، فيستمدُّ منهما علميَّة وفكريَّة وحُججاً لغويَّة وبيانيَّة تزيد من همَّة حديثه وقُوَّة خطابته، وتُجنِّبه مصاعب الخطاب، وتخلِّصه من مواطن الحرج، ونذكر دليلاً على ذلك أنَّ أحد الخلفاء صعِد المنبر ليخطب فسقط الذُّباب على وجهه، فذبّه عنه، فعاد إليه، فذبَّه الثانية فعاد إليه، وتكرَّر ذلك منه، فضاقت به نفسه، واضطرب تفكيره، فتخلًّص من موقفه بأن قال :
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ }[73]
ثم نزل ، فاستحسن منه الناس هذا التخلُّص .
فانظر كيف كان القرآن الكريم مسعِفاً له في هذا الموطن الحرج والظرف الصعب، فلولا محفوظه من القرآن وتلاوته هذه الآية المباركة لاستمرّ حرجه، وزادت أزمة موقفه، واشتدَّت الأمور سوءاً عليه، ولكنَّه استطاع بفضل ما يحفظ من القرآن الكريم أن يخرُج من محنته بتلاوة نصّ من كلام الله، فأثار إعجاب الحاضرين بحسن تخلُّصه، وأثَّر في قلوبهم ببراعة حكمته حيث استنقذ نفسه بهذه الآية المباركة التي فاضت بالعبرة البليغة والعِظة الرشيدة .
ونضيف إلى ذلك أنّ استخدام الخطيب للآيات والأحاديث الشريفة يهب خُطبته قدرةً كبيرةً على التأثير في النفوس وإيقاظ المشاعر وتنبيه العقول.
وقد يحدث أن يصوغ الخطيب خطبته كُلها من آيات القرآن، فتكون أبلغ تعبيراً وأعمق تأثيراً، كخطبة مصعب بن الزبير التي ألقاها عندما قدم العراق، حيث صعِد المنبر ، ثمَّ قال : طسم{1} تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ{2} نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{3} إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ{4}[74].
 وأشار بيده نحو الشام .
 وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ{5}[75] وأشار بيده نحو الحجاز .
 وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ{6}[76] وأشار بيده نحو العراق.[77]
(و) علم المنطق والجدل
  قال تعالى (( وجادلهم بالتي هي أحسن ))[78]
  لمّا كان الخطيب يتوخىّ من خطبته إيصال أفكاره وأحاسيسه إلى عقول الناس ومشاعرهم، وكان الإقناع والتأثير غرضيْن أساسيَّيْن من إلقاء كلماتها، أصبح من المفروض على الخطيب أن يستعين بعلم المنطق، وأن يعرف قواعد الجدل والمناظرة وأساليب الإقناع، ليتمكَّن من طرح أفكاره وعرضها بطريقة تنقاد إليها العقول، وتميل نحوها القلوب.
  فإذا أراد أن يقرِّر فكرة ما، يغرس معناها عميقاً في عقول الناس، وجب عليه ألاّ يفرضها فرضاً دون أن يمهِّد بمقدِّمات تستوجب الإقناع، بل عليه أن يقدِّمها إلى المستمعين مشفوعة بالأدلَّة العقليَّة مع مزيج من العاطفة المشبوبة والحماسة المؤثِّرة.
  فإذا انقاد عقل السامع ومشاعره إلى الفكرة عبر درب المقدّمات المنطقيَّة المزدان بألق الوجدان، أصبح إيمانه بتلك الفكرة مؤكداً وإقباله على معاني الخطبة مضموناً .
  وإنّ الإنسان ليتأبَّى بطبعه على الخضوع للفكرة المجرَّدة إذا لم يشفعها تمهيد منطقيٌ عاطفيٌ وتفسير عقليٌ مقبـول.
  ونقول بصَدَد ذلك : لو أراد الخطيب أن يّرد على فكرة معيَّنة ، ويبيَّن بطلانها وزيفها ، لا يكفيه أن يقرّر رأيه في تلك الفكرة دون الاعتماد على تسلسُل منطقيّ عند مناقشتها ، لأنّ الجمهور المستمع لا يرضى أن يسلِّم بالنتائج، ويلتزم بالآراء دون الارتكاز على اقتناع ذاتيّ، لذا وجب على الخطيب أن يعالج الفكرة معالجةً هادئة، ويبيّن مآخذها بشكل واضح مع سطوع الحُجَّة وقوَّة البرهان وسلامة المنطق بحيث يسعى معه الجمهور إلى الاقتناع الكامل واليقين المطلق ببطلان تلك الفكرة المرفوضة وصحَّة حكمه عليها.
  والإلمام بقواعد التفكير المنطقيِّ وأساليب الجدل والإقناع العقليّ يحتاج إلى الرجوع إلى مصادر ذلك، نذكر من أهمّها :
1ـ أسلوب المنطق القرآنيّ المُبين :
  لقد تمكَّن القرآن الكريم من مخاطبة العقل البشريِّ بأسلوب حكيم مبين خضع به العقل للحقِّ، وأذعن للإيمان، حيث اتضحت له الحُجَّة، واستقام عنده الدليل بتنفيذ زعم الباطل، وانحسار غيهب الجهل.
  ومن أمثلة أُسلوب المنطق القرآنيّ في النِّقاش وإقامة الحُجَّة :
(أ)المعارضة : قال الله تعالى : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }[79]
قال تعالى : {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ [80]
(ب) استدراج الخصم ثم الفلج عليه بالحُجَّة القاطـعة: قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }
2ـ أسلوب المنطق النبويّ :
  لقد آتى الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من الحُجَة والبرهان ما جعله يُخضع إليه أصلَبَ العقول، ويستجيب لحكمه أعتى النفوس، ويتَّضح ذلك في كثير من الأحاديث النبوية الشريعة ومواقف السيرة المحمدِّية العطرة .
ومن أمثلة ذلك :
أولاً: ورد أنّ حُصينا والد عمران رضي الله عنه كان معظماً في قُريش، فسألوه أن يكلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكفَّ عن سبّ آلهتهم .
  فلمَّا أتاه أوسع له في المجلس، فقال حُصَين:
  ما هذا الذي بلغنا عنك: أنَّك تشتم آلهتنا وتذكرهم ؟
  فقال صلى الله عليه وسلم : (( يا حُصَيْن، كم تعبد من إله ؟))
  قال: سبعاً في الأرض وواحداً في السماء.
  فقال صلى الله عليه وسلم : (( فإذا مسَّك الضرُّ من تدعو ؟))
  قال حُصَيْن: أدعو الذي في السماء.
  فقال صلى الله عليه وسلم: (( فيستجيب لك وحده وتُشركهم معه؟!
  أرضيته في الشكر أم تخاف أن يُغلب عليك ؟))
  فقال حُصَيْن: لا واحدة من هاتين .
  فقال صلى الله عليه وسلم: (( يا حُصَيْن، أسلمْ تسلمْ ))
  فقال حصين : إنّ لي قوماً وعشيرةُ، فماذا أقول ؟
  فقال صلى الله عليه وسلم : (( قل: اللَّهمَّ أستهديك لأرشد أمري، وزدني علماً ينفعني))
  فقالها حُصَين، فلم يقم حتى أسلم [81].
  إنَّه حوار حكيم هادئ دار بين سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين حُصَيْن، وتجلَّت لنا من خلال ذلك الحوار منهجيَّة النبيّ الكريم في النقاش والأسلوب المنطقيُّ الرائع الذي تزاحمت فيه الحُججُ القاطعة والبراهين الساطعة التي تطامن العقل أمامها، وأذعن لها مستجيباً للحق الناصع الذي أنبثقت أنواره من خلالها. إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرض سلطانَ الحقِّ على حُصَيْن فرضاً، وإنَّما عقد بينه وبينه حواراً هادئاً حرَّر به فكرة من أغلال الجمود وأخرج 0من ظُلمة الخُرافة، فانطلق إلى الحقيقة يعلن إيمانه الصادق بها بعد قناعة كاملة بما ظهر له من أدلَّة واضحة، وتبيَّن له من براهين ساطعة تعرَّفها من خلال منطقيَّة ذلك الحوار، حيث تدرَّج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرح الأسئلة واستجوابه عنها، حتى وصل به إلى دائرة الحقّ التي دخلها بعقل تجرَّد من لوثة الأهواء وضغوط الخُرافة وغواشي الجحود. فآمن بأنَّه لا معبود بحقِّ في هذا الوجود إلاّ إله واحد، هو الله ربُّ العالمين .
  ثانيـاً: ورد في مسند الإمام أحمد: أنّ هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
إنَّك دعوتني إلى جنَّة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله!! فأين الليل إذا جاء النهار؟).
  يتجلَّى هنا أيضاً مظهر من مظاهر الأسلوب النبويّ في الإقناع وإعطاء الجواب على القضيَّة المستفسر عنها بطرح سؤال على السائل تتضمَّن الإجابة عن سؤال السائل.
  فهرقل سأل عن قضيَّة غيبيَّة لا يراها، وليس عنده أيُّ تصوُّرٍ عنها، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن طرح عليه سؤالاً عن قضيَّة أخرى محسوسة يشاهدها هرقل بنفسه، وتتكرَّر في حياته، وهي تعاقب اللَّيل والنهار، والقضيَّتان متشابهتان من حيث نوعيَّة الجواب، فإذا سلَّم هرقل بالثانيّة، وجب عليه محض الإيمان بالقضيَّة الأولى والتسليم بها.
  3ـ أساليب علماء الإسلام في النِّقاش وطرائقهم في الجدل المثمر:
  ويُعرف ذلك من خلال الاطلاع على طرقهم في الاستدلال والحصول على الأحكام وما كتبوه في مؤلِّفاتهم، وجاء في سيرهم حول هذا الموضوع، ومن أمثلة ذلك ذكر السبكيُّ في طبقاته:
  ـ حُكي أنَّ أحمد بن حنبل رحمه الله ناظر الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى في تارك الصلاة، فقال له الشافعيُّ:
يا أحمد ، أتقول إنّه يكفُر ؟
قال : نعم .
قال : إذا كفر كفراً فَبِمَ يُسلِم ؟
قال: يقول : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الشافعيّ : فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركْهُ .
قال: يُسِلم بأن يُصلِّي .
قال: صلاة الكافر لا تصحُّ، ولا يُحكَم بالإسلام بها، فانقطع أحمد وسكت.
ـ جاء في (( وفيات الأعيان )) لابن خَلِّكان :
أنَّ إياس بن معاوية سمع يهوديّاً يقول: ما أحمق المسلمين، يزعمون أنّ أهل الجنَّة يأكلون، ولا يحدِثون.
فقال له إياس: أفكُلّ ما تأكله تُحدِثه ؟
قال: لا ، لأنَّ الله تعالى يجعله غذاءً.
قال : فلِم تُنكر أنّ الله تعالى يجعل كلّ ما يأكله أهل الجنَّة عذاءً؟
وهكذا ردّ إياس على اليهوديِّ، وأقام الحُجَّة عليه بواسطة الاستجواب المفنِّد لمزاعمه.
4ـ الكتب التي تتحدَّث عن علم المنطق وقواعد الجدل آداب المناظرة:
  وهي كثيرة، منها: ((الكافية في الجدل)) لإمام الحرمين الجويني، ومنها في الحديث: ((ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة)) للدكتور عبدالرحمن حسن حبنّكه الميدانيُّ.
 (ز) علم النَّفْس الاجتماعيُّ :
  يواجه الخطيب في أغلب أحواله جمهوراً لا ينحصر في فئة معيَّنة من الناس مثِّفِقَة بواقعها الفكريّ والسلوكيّ والنفسيّ، وإنّما يجد نفسه في معظم أحواله في مواجهة جمهور يضمُّ شرائح مختلفة من الناس قد تباينت مفاهيمهم وأفكارهم، وتنوَّعت ثقافاتهم، وتعدَّدت اتجاهاتهم، وتلوَّنت طِباعهم، وتفاضلت طبقاتهم، ففيهم الصغير والكبير، والمثقَّف والعامِّيّ، والغنيّ والفقير، وسهل الطبع وجِلْفه، والمتحرِّر والمتزمِّت، والمتعصِّب، والمعتدل، والشريف والوضيع.
  ولا ريب في أنّ جمهوراً يحوي مثل هذا الخليط من العقول والنفوس والطِّباع يحتاج وّعْظُه ومخاطبته إلى غاية الدقَّة ومنتهى الحِكْمة، إذ كلٌ منهم يفتقر إلى أُسلوب معيَّن من الخطاب ونوع مناسب من المعارف والمواعظ. وهنا يتركَّز ثقل مهمَّة الخطيب حيث ينبغي عليه أن يختار من الأبحاث والكلام والأساليب ما يتناسب مع مختلف أنماط المستمعين إليه وطبقاتهم، ليتمكَّن من تحقيق الفائدة المرجوَّة من خطبته ونقل أفكاره وأحاسيسه إلى سائر جمهوره.
  وأمّا إذا توجَّه إلى طبقة معيَّنة من الجمهور، وأهمل سائر الطبقات، فسوف ينعزل في خطبته عن تلك الطبقات التي أهملها، لأنّها انفصلت عنه فكريَّا ونفسيًّا وروحيًّا.
  وإزاء هذه المهمَّة الثقيلة أصبح لِزاماً على الخطيب أن يكون عارفاً بأحوال النفس البشريَّة في تقلًّباتها واختلاف أطوارها دارساً دراسة واعية لظاهرة التفاوت النفسيّ والسلوكيّ في نطاق مجموعة من الناس وكيفيّة مخاطبتها وتوجيهها ووعُظها .
  وبمعنى آخر: يجب على الخطيب أن يكون مٌلِمًّا بعلم النَّفس الاجتماعيّ عالماً بقواعد منهج تربية النفس البشريّة ووسائل تسليكها عبر الحياة الإنسانيّة في شتَّى علاقاتها ومختلف اتجاهاتها .
  ويستطيع الخطيب اكتساب القُدرة على معالجة النَّفس الإنسانيّة ومعرفة توجيهها بالرجوع إلى مصادر التربية النفسيّة والتوجيه السلوكيّ.
  وفي مقدمة هذه المصادر التربويَّة :
  1ـ القرآن الكريم :
حيث يطَّلع على منهجه الرائد في معالجة النفس البشريّة وتوجيهها ونقلها من التخبُط الخانق في لجج الضلال وظلمات الجمود إلى الهدوء والاستقرار الآمن في دوحة الهداية ورياض الإيمان .
  وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : (( إنَّ هَذَا القُرءَانَ يَهْدِي للَِّتي هِيَ أَقوَمُ ))[82]
  وما أكثر النصوص القرآنية التي قدَّمت للإنسان مناهج التربية وأصول التسليك وقواعد المعالجات النفسيّة لأعقد الحالات وأحلك الظروف التي يمرُّ الإنسان.
  ونضرب مثلاً على ذلك قوله تعالى في خطابه للنبيّ عليه الصلاة والسلام محدِّداً له سلوكه مع قومه الذين كانوا قد أدبروا عن دعوته، وأساؤوا إليه:
(( خُذِ العَفْوَ وأمُرْ وَ أَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ ))[83].
وقوله تعالى محدِّداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم طريقته في التعامل مع أصحابه:
(( فَبِماَ رَحْمَةَ اللهِ لِنتَ لَهُم وَلَوْ كُنتَ فظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لاَنفضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاْعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فيِ الأَمْرِ فَغِضّا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوِكِّليِنَ ))[84] .
2ـ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنَّته الشريفة :
  وذلك بالاطلاع على منهجه التربويّ الرائع الذي تجلَّت آثاره في واقع الحياة حيث خرَّج إلى الوجود أعظم أمَّةٍ ظهرت على وجه الأرض، وإذا سألنا. مَنْ هم أولئك الذين ربّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصنع منهم تلك الأٌمَّة الفريدة؟
  فسوف نجد الجواب مدهشاً للعقول ومذهلاً للخواطر:
  إنَّهم أولئك الجُفاة القُساة من بني البشر الذين كانوا يعيشون في وسط ركام من الفساد الخُلُقيّ والفكريّ، وفي لُجَّة تمزُّقٍ نفسيّ رهيب، فاستطاع عليه الصلاة والسلام أن يصلح بناءهم الإنسانيّ، فقوَّم أفكارهم، وهذَّب نفوسهم ونقَّى طبائعهم، فأصبحوا خير أُمَّة أُخرجت للناس، نزل في وصفها قول الله تعالى:
  ((كُنْتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس تَأمُرُون بِالمَعْرُوفِ و تَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ باللَّهِ))[85].
وقد بنى الرسول عليه الصلاة والسلام منهجه التربويّ العظيم على قاعدة: (( أُمِرتُ أن أُخاطِب النَّاس على قدر عُقولهم ))[86].
وإذا ابتغينا مثالاً لآثار هذا المنهج السلوكيّ الخالد نذكر الحادثة التالية :
عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال :
جاء شابٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له :
يا رسول الله ، إئذن لي في الزنا.
فتصايح الناس، وأنكروا قوله، ولكَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدناه منه، ودار بينهما هذا الحوار :
ـ هل ترضاه لأمِّك ؟
ـ لا.
ـ كذلك الناس لا يرضونه لأمَّهاتهم .
ـ هل ترضاه لأختك ؟
ـ لا.
ـ كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم .
ـ هل ترضاه لابنتك ؟
ـ لا.
ـ كذلك الناس لا يرضونه لبناتهم .
  ثمَّ بعد هذا النقاش المنطقيّ الذي ينمُّ عن مدى عمق إدراك الرسول صلى الله عليه وسلم لطبيعة النَّفس البشريَّة وكيفيَّة علاجها من أدوائها وصرف الدواء المناسب لها، دعا للشابّ بدعوات مُوحية ذات مغزى عميق، فقال : (( اللهمَّ طهِّر قلبه، وحصَّن فرجه، وغضَّ بصره )).
قال الشابّ: فوالله ما التفتُّ بعدها لشيء من ذلك أبداً.
3ـ سِيَر السابقين واللاَّحقين وما كتبوه حول هذا الموضوع :
  إنَّ من سبل اكتساب الخطيب معرفة قواعد التسليك والتوجيه وحسن مخاطبة النفوس على اختلاف صبغاتها اطلاعَه على ما كتبه العلماء السابقون واللاحقون في طُرُق التسليك ووسائل التأديب والتهذيب والاستفادة من مناهجهم التربويّة الصالحة التي أُثِرت عنهم فيما جاء في سِيرَ حياتهم، وما نقله الناس عنهم بالمشاهدة.
ونذكر فيما يلي أهمَّ الكتب المؤلفة في هذا الموضوع :
ـ (( إحياء علوم الدِّين ))، للإمام الغزالي.
ـ (( أدب الدنيا والدِّين ))، لأبي حسن الماوردي.
ـ (( أدب الإملاء والاستملاء ))، للسمعاني .
ـ (( تذكرة السامع والمتكلِّم، في أدب العالم والمتعلِّم ))، لابن جماعة الكناني .
ـ (( المعيد في أدب المفيد والمستفيد ))، لعبد الباسط بن موسى الَعَلْمَوي .
ـ (( مختصر منهاج القاصدين ))، لابن قدامة المقدسيّ.
ـ (( الذريعة إلى مكارم الشريعة ))، للراغب الأصفهانيّ .
نضيف إلى ذلك الكتب والمؤلِّفاتِ الحديثة التي تناولت موضوع التأديب والتسليك وقواعد تربية النفس الإنسانيَّة ومعالجة أمراضها وآداب خطابها على اختلاف أطوارها وتنوُّع أمزجتها.
  وهذه الكتب كثيرة الموارد غزيرة الفوائد للقارئين يمكن الرجوع إليها في كلّ وقت .
* *    *


إلى كلّ خطيب
  ثمّة أمور ينبغي لكلّ خطيب الالتزام بها والحرص عليها، لأنّها ذات أثر خطير في قوة خطابته وسلامة خطبته .
* أولاً :
  يجب على الخطيب أن يتجنَّب التقريع وفظاظة القول، فإنّه سبيل العاجز الذي لا يحسن الإقناع، ولا يملك الحُجَة الدامغة والقول الصائب ، وأن يجعل رائدة قول الله سبحانه :{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }[87]
  فكلام الواعظ لا يدخل إلى قلب السامع إلاّ إذا كان الواعظ نفسه قريباً من قلب سامعه ، فإذا نفرت القلوب من خطاب واعظها بسبب غِلْطَته وفظاظته، فَقَدْت موعظته تأثيرها، وصُمَّت الأذان دونها، ولقد كشف الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في قوله : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [88]
  فاللَّين بالموعظة والتلطُّف بالخطاب يجعلان الخطيب قريباً من قلوب سامعيه، ويمنحه القُدرة على أن ينفذ خطابهُ إلى أعماقهم، ويؤثر في نفوسهم .
  وهكذا كانت وصيّة الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله عند تبليغهم رسالاته وإرشادهم الناس إلى هدى دينه .
    فلمّا أرسل الله تعالى سيّدنا موسى وهارون عليهما السلام وخاطيهما بقوله : {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى{43} فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى{44}[89]
    ثمّ علَّم الله سبحانه سيِّنا موسى عليه السلام القول اللَّيِّن الذي يخاطب به فرعون الطاغية، فقال: {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى{18} وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى{19}[90]
* ثانياً :
  إذا استنكر الخطيب من الناس أمراً، فليحذر توبيخهم بأسلوب يستفز مشاعرهم، ويُؤذي كرامتهم، كأن يوجِّه إليهم التَّعْنيفَ [91] فيقول :
-  (كُفُوا عن العصيان أيُّها المسلمون) .
-  ( إلى متى وأنتم تأكلون الرّبا وترتكبون الموبقات ).
-   ( هل استمرأتم أيُّها الناس حياة الفسق والفجور ، وطاب لكم فضح الأعراض وارتكاب الفواحش ومحاربة الديّان ؟)
أو يصفهم بأوصاف ذميمةٍ تشمئزُّ منها النُّفوس، كأن يقول لهم :
-  (ما لي أراكم أصبحتم مثل الخنازير، لا تهتزُّ ضمائركم أمام هذا الفجور الفاضح).
-  ( هل ماتت النخوة في رؤوسكم وتبلَّدت مشاعركم؟)
-  ( إنّكم أصبحتم مثل الكلاب حيث تهالكتم على حبّ الدنيا ).
أو يناديهم بما يخالف أدب المخاطبة، كأن يقول :
-  ( أيُّها الجاهلون الغافلون ) .
-  ( يا أيُّها المعطلّون لشريعة الحقّ، والمعرضون عن درب الهداية ).
-  ( انظروا أيُّها الغارقون في مستنقع الشهوات ماذا حلَّ بشبابكم وفتياتكم ).
إنّ مثل هذا الندّاء لا يتَّفق مع حسن الحديث وأدب الخِطاب، بل هو ضَرْب من الهجوم السافر، يتنافى مع طبيعة الوعظ وخِصال الإرشاد.
وإذا قرأنا القرآن الكريم في مجال خطابه للعباد وندائه إيّاهم، وجدناه يناديهم بشريف الأسماء وجميل الألقاب، نحو قوله سبحانه :
(( يأيُّها النّاس .... )).
(( يأيُّها الذين ءامّنُوا .... )).
(( يأهل الكتاب .... )).
(( يَأُوليِ الأبصار .... )).
(( يأولي الألباب .... )).
 ونجد الرسول عليه الصلاة والسلام حين وجَّه كتاباً إلى هرقل ملك الروم قال في مطلعه :
-  ( من محمّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ... ).
  فوصف هرقِل بالعظيم وهو مشرك انطلاقاً من الحكمة والموعظة الحسنة التي أمره الله سبحانه بها ، وتجلّت حقيقةً سادت سائر توجيهاته وإرشاداته عليه الصلاة والسلام .
  وإذا وجد الخطيب نفسه مضطراً إلى الإنكار على فئة من الناس ليحرِصْ كلَّ الحرص على ألاّ يوجِّه الخطاب إلى أُناس معيَّنين، بل يرسل الخِطاب عامّاً، وهذا ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم حال إنكاره على أحدٍ من المسلمين أمراً ما، ومن ذلك قوله:
 (( ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلَمهم بالله وأشدُّهم له خَشْيَة )) [92].
 ومنه أيضاً إنكاره على معاذ بن جبل إطالته الصلاة بالناس لمَّا شكا إليه رجل ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام .
 (( يأّيُّها الناس إنَّكم منفِّرون، فمن صلَّى بالناس فليُخفِّف، فإنَّ فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة))[93].
  ومن مظاهر التقريع أيضاً ما يقع به بعض الخُطباء الذين يفقدون القدرة على السيطرة على الموقف والهيمنة على الحاضرين، فتجدهم يقذفون عبارات التقريع والزجر في وجوه الناس، لكي يجبروهم على الإصغاء إليهم. كما ذُكر عن خطيب جمعةِ أنَّه خطب الناس خُطبة طويلةً، ثم قال في نهايتها لمّا أحسّ بتذمُّرهم :{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }[94]
  والجدير بالخطيب في مثل هذا الظرف إذا أحسّ بإعراض الناس عنه وتشاغلهم عن خطبته أن يُحسن التصرُّف بأن يجدِّد نشاطهم معه بنادرةٍ طريفة أو حادثةٍ مشوِّقةٍ أو حديث شريف أو آية قُرآنية أو عبارة مُلْهِبةٍ يُشوقهم بها إلى حديثه، فيعيدهم إلى جادَّة خُطبته ومجال كلمته .
  ويجب على الخطيب تبَعاً لما ذكرناه من لين الخطاب وأدب الحديث أن يعمل بمقتضى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم .
 (( فسدِّدوا وقارِبوا وبشِّروا ويسَِّروا .... )) [95].
  فيجب ألاّ تخلو خطبة الخطيب من التبشير، لأنّه سبب في بعث الأمل في نفوس المذنبين وطرح اليأس عن قلوب العصاة المفرطين .
  فإذا عكف الخطيب على الإنذار والتخويف، وأهمل البشر والتبشير، فلن يفلح في إصلاح النفوس الناس وإحياء قلوبهم بالتوبة والرجوع إلى الله ، لأنّه جعلهم يقبعون في ظلمات اليأس ووحشة الخوف.
  وقد عرض القرآن الكريم المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه كلُّ خطيبٍ واعظٍ وكلُّ متكلِّمٍ مرشد، وذلك بأنّ يجعل الإنذار والتبشير مهيمنين على خطبته، بل نجد القرآن الكريم يُفصح للرسول صلى الله عليه وسلم عن أدقِّ خصائص تبليغ رسالة الله وأهمَّها ، فيقول سبحانه :
((ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً{45} وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً{46})) [96]
  وهذا التبشير يجب أن يبدو في محيّا الخطيب، ويتجلّى في ملامحه، كما يجب أن يتجلّى أيضاً في طريقة إلقائه وأسلوب أداء خطبته .
·   ثالثاً :
يجب على الخطيب أن يتدرَّج في مطالبة الناس بتطبيق الشريعة وأحكام الدِّين الحنيف، وليحذر مطالبتهم بالتنفيذ الشامل السريع لمبادئ الدِّين حتى لا يتركوه جملة .
وإنّ في منهج القرآن الكريم لأسمى دليل وأعظم برهان على هذا الأُسلوب والنمط السلوكيّ الحكيم .
فتحريم الخمر مثلاً لم ينزل حكمه جُملةً واحدة على الناس، وإنَّما تدّرج نزول حكم التحريم في القرآن حتى تهيَّأت نفوس الناس، واستعدّت لاستقبال الحكم القاطع الذي هو التحريم، فكان أوّل ما نزل في الخمر أنّها مفسدة، إذ قال الله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }[97]
ثمَّ منع شربها عند إرادة الصلاة ، إذ قال سبحانه : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ))[98]
ثمّّ نزل حكم تحريمها القاطع في سائر الأحوال وعلى كلّ الناس فقال تعالى : (( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))[99]
وحُكي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إنّ ابنه عبد الملك قال له : ما لك لا تُنّفِذ الأُمور، فوالله لا أُبالي لو أنَّ القُدور غلت بي وبِكَ في الحقِّ .
فقال له عمر رحمه الله :
لا تعجل يا بُنيّ، فإنّ الله ذمَّ الخمر مرَّتين، وحرّمها في الثالثة وإنَّني أخاف أن أحمل الحقّ على الناس جُملةً، فيدفعوه جملةً، وتكون في ذا فتنة .
* رابعاً :
يجب على الخطيب أن يكون أميناً في خطبته مجافياً للخيانة متجنباً للغشِّ، وإنّ من أبرز مظاهر غشِّ الخطيب وخيانته ألاّ يُعَد خُطبته إعداداً مناسباً يحقِّق فيه النفع والفائدة للناس المستمعين إليه الذين أقبلوا عليه لكي ينالوا منه ما يفيدهم به من أمر دينهم وآخرتهم. فإذا أهمل الخطيب إعداد خطبته، وارتجلها خاوية من المعاني فارغة من الفوائد، واكتفى منها بمجرّد رفع العتب عليه في أنَّه أهمل أداء ركن من أركان الجمعة ، فإنّ هذا الخطيب وأمثاله ليس إلاّ لِصّاً خائناً، يبتزُّ الناس أوقاتهم، ويمنعهم حقوقهم .


وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الإمام :
(( من صلى بقومٍ فاختص نفسه بالدعاء فقد خانَهم )) [100].
فإنّ الخطيب الذي يستهين بشأن جمهوره أشدُّ خيانةً وغِشّاً .
ولقد سمعتها نصيحةٍ من عالمٍ جليل :
اعلم أنّ الله ائتمنك على هذا المنبر، فإيّاك أن تُهمِلْ تحضير خُطبتك وإعدادها بما ينفع الناس، لأنّهم إنّما جاؤوك ليستفيدوا منك، فأنت مسؤول عنهم أمام الله يوم القيامة ، فإنْ لم تهتمَّ بهم وتُعِدَّ لهم حاجتهم من النفع والفائدة، كنت خائناً لهم مضيَّعاً للأمانة .
* خامساً :
يجب على الخطيب أن يتجنّب التهجُّم على أقرانه الخُطباء، ويتحاشى من الاستخفاف بآراء العلماء، ويحذر كلّ الحذر ذكر اسم واحد منهم في معرض الذمِّ، لأنّ ارتكاب مثل هذا التصرف الممقوت يكون سبباً في إفساد قلوب حديثي الإيمان وبذر الشِّقاق بين الناس، إضافة إلى أنّه يحمل صاحب الرأي الباطل على التعصُّب لرأيه والتمسُّك بفكرته بسبب مناصبته العداء والتشهير به.
وإذا اضطُرَّ الخطيب إلى الردّ على رأي باطل صدر عن خطيب أو عالم أو مفكِّر ، فالحِكْمة في مثل هذا الموقف أن يناقش الخطيب الرأي الباطل بكامل الهدوء والاتِّزان ومُطلَق الأدب والاحتشام ، ويتجنَّب مختلف أساليب الهجوم والتهكُّم والتحقير.
* سادساً :
وأخيراً يجب على الخطيب أن يهجر الإطالة والإطناب في الكلام، لأنّ ثمرة الخطبة تتحقَّق في قِلَّة الكلام وقِصَر المُدَّة، بحيث تتمكَّن أذهان عموم المستمعين إليه من إدراك ما قاله الخطيب وفهم معظم أفكار خُطبته .
وفي الإطالة إرهاق للخطيب وللسامع معاً، لذا وجدنا السابقين إذا قام أحدهم مقام الموعظة، جافى الإطالة، وتجنَّب الاسترسال، وأتى بالموجز من الكلام العميق في معناه مع بلاغة نسجه وحُسن أدائه. فكان معظم الناس يحفظون من كلام هؤلاء السابقين الكثير، ويتناقلونه فيما بينهم حتى وصلنا منه محصول طيِّب ورصيد محمود. ولكنَّنا نرجع لنؤكِّد ما ذكرناه في بحث سابق [101]: أنّ الإطالة والإيجاز أمران نسبيَّان يتوقَّفان على نوع الموضوع والمناسبة والخطيب.


مكتبة الخطيب
  تقدّم معنا في بحث سابق أنّه ينبغي للخطيب أن يتحلى بسَعة في أُفُقه الثقافي والعلميّ، ويكون مُلماً بألوان من المعارف والثقافة العصرية إلى جانب معارفه وثقافته الدينيّة واللُّغويَّة. وكُلَما اتسعت ثقافة الخطيب، وازداد علمه وغزرت معارفه، أصبح أبلغ تأثيراً في النفوس وأكثر نفعاً للناس وأقْدر على كَسْب ثقتهم وتحقيق غايته السامية في إصلاحهم وإرشادهم.
  والخطيب الناجح المؤثِّر هو الذي يتَّصف إلى جانب إخلاصه وصِدقه وأمانته بدَأْبه على قراءة العلم ومطالعة كُتُب التراث ودراسة آثار الفِكرْ المعاصر والثقافة الحديثة والمعارف الجديدة، فيربط بين ثقافات الماضي والحاضر، وينظر في دقائقها، ويستخلص ويبدع حتى يغدو مصدراً ثرّاً من مصادر المعرفة والفكر في عصره. وأوّل الغيث قَطْرة، وكلّما ازداد الإنسان تلقّياً للعلم وإنفاقاً له، ازدادت معارفه، وشاعت فوائده ومنافعه ، ولقد صدق من قال : العلم يزكو بالإنفاق .
  وفي سبيل تتميم الفائدة، بعد أن تحدَّثنا عن أهمّ خصائص الخطيب وأبرز صفاته، سنورد فيما يلي جدْولاً منظّماً لأهمّ الكتب والمراجع التي ينبغي للخطيب المبتدئ أن يجعلها نواة مكتبته .
القرآن الكريم
  (أ) الفهارس :
  1- ((المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم))، لمحمد فؤاد عبدالباقي .
  2- (( تفصيل آيات القرآن الحكيم ))، لجول لابوم .
  3- (( المفردات في غريب القرآن ))، للراغب الأصفهاني .
  (ب) التفسير :
  1- (( تفسير القرآن الكريم ))، لابن كثير .
  2- (( الجامع لأحكام القرآن ))، للقرطبي .
  3- (( الكشّاف ))، للزمخشري.
  4- (( حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي )).
  5- (( حاشية الجمل على الجلالين ))، لابن عمر الشافعيّ .
  6- (( نظم الدُّرَر ))، للبقاعي.
  7- (( تفسير الشعرواي ))، للشيخ محمد متولي الشعروايّ .
  8- (( في ظلال القرآن ))، لسيد قطب .
 


(ج) علوم القرآن :
  1- (( لباب النقول في أسباب النزول ))، للإمام السيوطي .
  2- (( مناهل العرفان ))، للزرقانيّ .
الحديث
  (أ) متـون :
  1- (( صحيح البخاريّ ))، للإمام البخاريّ .
  2- (( صحيح مسلم ))، للإمام مسلم .
  3- (( كنز العمال ))، للهنديّ .
  4- (( مسند الإمام أحمد ))، للإمام أحمد بن حنبل .
  5- (( الجامع الصغير ))، للإمام جلال الدين السيوطيّ .
  (ب) معـجم :
  1- (( المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبويّ )).
  2- (( برامج فهرسة ألفاظ الحديث ونصوصه وشروحه وسنده بواسطة الكمبيوتر )).
  (ج) مواضيع وأبحاث :
  1- (( البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف))، للدكتور الحسيني عبدالمجيد هاشم.
  2- (( التاج الجامع للأصول ))، للشيخ منصور على ناسف .
  3- (( نيل الأوطار ))، للشوكانيّ .
  4- (( رياض الصالحين ))، للإمام النوويّ .
  5- (( الترغيب والترهيب ))، للإمام المنذريّ.
  6- (( تهذيب الأخلاق ))، لعبد الحيّ فخر الدين الحسنيّ.
  7- (( الأذكار ))، للإمام النوويّ .
  8- (( جامع العلوم والحِكَم ))، لابن رجب الحنبليّ.
  9- (( كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ))، للعجلوني .
  10- (( اللآئـي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ))، لجلال الدّين السيوطيّ .
السيرة النبويّة
  1- (( سيرة ابن هشام ))، لابن هشام . 
  2- (( السيرة النبويّة ))، لأبي الحسن النّدْويّ .
  3- (( فقه السيرة ))، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطيّ .
  4- (( فقه السيرة ))، لمحمد الغزالي رحمه الله .
  5- (( فقه السيرة ))، للدكتور مصطفى السباعيّ رحمه الله .
  6- (( دراسة في السيرة ))، للدكتور عماد الدّين الخليل .  
  7- (( نور اليقين ))، للشيخ محمد الخضريّ .  
  8- (( الرسالة المحمديَّة ))، لسليمان النَّدْويّ رحمه الله .  
  9- (( محمد رسول الله ))، لصادق عرجون .
  10- (( الرسول القائد ))، للّواء محمود شيت خطّاب.
  11- (( محمد رسول الله ))، للشيخ عبد الله سراج الدّين .
  12- (( محمد النبيّ ))، للشيخ عبد الكريم الخطيب .
  13- (( الشفاء ))، للقاضي عياض .
  14- (( بطل الأبطال ))، لعبد الرحمن عزّام .
تراجم الصحابة
1-    الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر .
2-    (( حياة الصحابة ))، لمحمد يوسف الكاندهلويّ .
3-    (( تاريخ الخلفاء ))، للإمام السيوطيّ.
4-    (( رجال حول رسول ))، لخالد محمد خالد .
    التاريخ والسّير
1- (( البداية والنهاية ))، لابن كثير .
2- (( المختصر في أخبار البشر )) .
3- (( قصص القرآن ))، لمحمد أحمد جاد المولي .
4- (( قصص الأنبياء ))، لعبد الوهاب النجّار .
5- (( صفة الصفوة ))، لابن الجوزيّ.
التربية والسلوك والأخلاق
1-    (( إحياء علوم الدّين ))، للإمام الغزاليّ .
2-    (( مختصر منهاج القاصدين ))، لابن قدامة المقدسيّ .
3-    (( أدب الدنيا والدّين ))، لأبي الحسن الماورديّ.
4-    (( حُجّة الله البالغة ))، لولي الله الدهلوي.
5-    (( لواقح الأنوار القدسيّة في بيان العهود المحمّديّة ))، للإمام عبد الوهّاب الشعرانيّ .
6-    (( الذريعة إلى مكارم الشريعة ))، للراغب الأصفهانيّ .
7-    (( تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ))، لمِسكوية.
8-    (( الرعاية لحقوق الله ))، للمحاسبي .
9-    (( البصائر في تذكير أهل العشائر ))، لمحمد عبد الحي السورتيّ .
10-(( لطائف المعارف ))، لابن رجب الحنبليّ .
11-(( سمير المؤمنين ))، للشيخ محمد الحجّار .
12-(( صفحات مشرقة من حياة السابقين ))، لنذير مكتبي .
13- (( صفحات نيّرات من حياة السابقات ))، لنذير مكتبي .
في الدعوة إلى الله
1- (( كيف ندعو الناس ))، لعبد البديع صقر.
2- (( أصول الدعوة ))، للدكتور عبد الكريم زيدان .
اللُّغة والأدب
1- (( البيان والتبيين ))، للجاحظ .
2- (( العقد الفريد ))، لابن عبد ربَّه .
3- (( عيون الأخبار ))، لابن قتيبة .
4- (( من وحي القلم ))، لمصطفى صادق الرافعيّ .
المعارف والعلوم المعاصرة
(أ) علوم الكون
1- (( الإنسان والكون ))، للدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر .
2- (( آيات الله تعالى ))، لمحمد وفا الأميري .
3- (( مع الطبّ في القرآن ))، للدكتور عبد الحميد دياب والدكتور أحمد قرقوز .
4- (( براهين ))، لمحمود قاسم .
5- (( آيات الله في مشكاة العلم ))، للدكتور يحيى المحجريّ .
6- (( الإنسان في الكون بين القرآن والعلم ))، للدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر .
7- (( خلق الإنسان بين الطب والقرآن ))، للدكتور محمد علي البارّ.
8- (( مؤلفات الدكتور أحمد زكي )).
9- (( مؤلفات الأستاذ عبد الرزاق نوفل )).
10- (( الطبُّ النبوي ))، للدكتور محمود ناظم النسيميّ .
(ب) كُتب تعالج قضايا العصر على ضوء المنهج الإسلامي
وهي كثير، منها : مؤلفات الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ المرحوم محمد الغزالي ، والشيخ أبي الحسن النَّدْوي، والدكتور علي عبد الواحد وافي. ومن أهمّها التي تتناول المواضيع الآتية :
1- الزاوج.
2- المرأة .
3- تربية الأولاد .
4- الأخلاق .
5- وجود الله .
6- منهج الإصلاح في المجتمع البشريّ .
7- مقارنات بين واقع المسلمين وواقع الغربيين .
8- خصائص الدعاة ومسالكهم في الدعوة والإرشاد .
9- قضايا الشباب .
10-قضايا الفتيات .
 ونضيف إلى ذلك كّله سلسلة مكتبة المسلم العصريّة التي تصدر تحت إشراف الجمعيّة الشرعية الرئيسية لتعاون العاملين بالكتاب والسنّة المحمديّة بالقاهرة .
* * *
فهرسة مواضيع الخُطّب ومصادرها
 ونعني بفَهْرَسة المواضيع والمصادر أن يقوم الخطيب بجمع معارفه وأفكاره التي اكتسبها من خلال مطالعاته الدائمة للكتب والمؤلفات والمجلاَّت والصُّحُف والنشرات المختلفة التي تُعَدُّ المصادر الهامَّة لثقافته المتنوِّعة، ونظراً لتعرُّض الخطيب بل القارئ والباحث ـ مهما كان مستوى ثقافته وفهمه ـ لنسيان جزء كثير أو قليل هام أو غير هام من الأفكار والمعارف والأبحاث والأخبار التي يقرؤها في تلك المصادر المتنوِّعة المتجدِّدة، فلابد من استخدام وسيلةٍ نافعةٍ لجمع تلك الأفكار والمعارف المختلفة وتنظيمها حسب المواضيع بحيث يتمكَّن الخطيب من الرجوع إلى تلك المعارف والأفكار بكلّ سهولةٍ متى يشاء دون أن يفوته شيء مما يريد، ولا ريب في أنّ هذه المسألة مُهِمَّة جدّا لكلّ عالمٍ أو متعلم أو باحث أو دارس أو مطلع، بل لكلّ مثقَّفٍ حريص على المعرفة والعلم .
وفهرسة المواضيع والمصادر تتَّخذ طُرُقاً عديدة أبسطها استخدام البطاقات، وهي طريقة ناجحة ومُجدية، ولا تحتاج من الخطيب إلاّ إلى اليقظة والانتباه المستمرّ خلال مطالعته الدائمة لكلّ ما يصل إليه من مصادر الأفكار والمعارف والأخبار، ثمَّ المبادرة إلى تسجيل اسم الكتاب واسم المؤلف وعنوان البحث ورقم الصفحة على البطاقة .
 ونوضِّح هذه الطريقة بما يأتي :
نأخذ مجموعة من البطاقات الفارغة، ثمَّ نسجِّل فيها عنوان الموضوع الذي طالعناه في كتاب أو مجلّة أو أي مصدر كتابيّ آخر ، ثم نكتب في البطاقة نفسها اسم الكتاب واسم المؤلف وعنوان البحث ورقم الصفحة ، ثمَّ إذا طالعنا الموضوع نفسه في كتاب آخر أو في أيّ مصدر غيره، كتبنا على البطاقة نفسها اسم ذلك الكتاب أو المجلة أو الصحيفة ثمَّ اسم المؤلف أو تاريخ عدد المجلّة أو الصحيفة ثمَّ عنوان الموضوع ورقم الصفحة على نحو ما قمنا به في المصدر الأوَّل، وهكذا نفعل في كلّ مصدر نطالع فيه الموضوع نفسه وعلى البطاقة نفسها إذا بقي فيها مكان فارغ .
 
ولتوضيح ذلك أكثر نضرب المثال الآتي :
 قرأنا في كتاب ((مختصر منهاج القاصدين))، فمررنا على موضوع (الصوم)، ثمَّ قرأنا في كتاب (( حُجَّة الله البالغة )) فمررنا فيه أيضاً موضوع (الصوم)، ثمَّ قرأنا في كتاب (( البصائر في تذكير العشائر )) فمررنا فيه أيضاً على موضوع ( الصوم )، ثمّ طالعنا في كتاب (( الطبّ النوويّ )) للدكتور محمود ناظم النسيميّ، فقرأنا فيه أيضاً موضوع ( الصوم )، وعندما قمنا بقراءة كتاب (( معجزات في الطبّ للنبيِّ العربيّ محمد صلى الله عليه وسلم )) للدكتور محمد سعيد السيوطي ، مررنا فيه أيضاً على بحث (( الصوم )) ، فأكسبتنا مطالعتنا لهذه الكتب الخمسة معرفةً لمجموعة من الأبحاث والمواضيع ، منها بحث الصوم، وبذلك أصبح لدينا عن موضوع
( الصوم ) خمسة مصادر تفيدنا معرفةً به ودراسة جيِّدة حوله، فإذا حاولنا في المستقبل أن نكتب موضوعاً عن ( الصوم ) أو نحضِّر خُطبة عنه، يمكننا جمع أفكاره وإعداد موضوعه بالرجوع إلى تلك المصادر الخمسة ، ولكي تسهُل علينا عمليّة الرجوع إلى تلك المصادر، ولا يغيبَ عن أذهاننا بعضُها أو أحدها بسبب طول العهد، فإننا تُعٍدُ البطاقة على الشكل الآتي :
ص   الصوم
المصدر   المؤلف عنوان البحث الصفحة
1- مختصر منهاج القاصدين  ابن قدامة  
2- حُجة الله البالغة  ولي الله الدهلوي    من أبواب الصوم    2/48
3- البصائر في تذكير العشائر محمد عبدالحيّ السورتيّ البصيرة الثامنة عشرة في رمضان  291
4- الطبّ النبويّ    د. محمود ناظم النسيميّ  الصيّام والطبّ  296
5-    معجزات في الطبّ للنبي د. محمد سعيد السيوطي   المعجزة السابعة
    العربي محمد @  فوائد الصوم   81

 وكذلك نفعل في موضوع آخر مثل: ( التقوى ) أو ( الإيمان )، ونفرد لكلّ موضوع بطاقةّ مستقلّة. وإذا لم تكف للموضوع الواحد بطاقة واحدة ، استخدمنا أكثر من بطاقة لكي نثبت فيها أسماء كلّ المصادر التي قرأناها حول ذلك الموضوع، ثم نُصنِّف تلك البطاقات العِدّة مضموماً بعضها إلى بعض .
 وعندما نجمع عدداً من البطاقات لمواضيع مختلفة، نقوم بتنظيم تلك البطاقات وترتيبها حسب الأحرف الأبجديَّة ، فإذا حصلنا مثلاً على بطاقات تحمل المواضيع الآتية :
(الإيمان ـ الجهاد ـ التقوى ـ الحبُّ في الله ـ البِرّ )
 
فإننا نقوم بترتيبها على حسب ترتيب أحرف الهجاء ، فتأتي كما يلي :
( الإيمان ) فـ ( البر ) فـ ( التقوى ) فـ ( الجهاد ) وآخرها ( الحبُّ في الله ) .
 ونحاول أن نُبرز من طرف البطاقة العلويّ جُزءاً نكتب عليه الحرف الذي يبتدئ به اسم الموضوع كما هو مبيّن في الأنموذج السابق .
وإذا ابتدأت عدّة مواضيع بحرف واحد كالصاد مثلاً : صنفناها خلف بعضها بحسب الحرف الثاني أو الثالث ـ إذا اتفقت بالحرف الثاني أيضاً ـ ولبيان ذلك نقول :
عندنا مثلاً بطاقات تحمل المواضيع التالية :
( الصوم ـ الصلاة ـ الصِّدق ـ الصبر )
فعندما نصنفّها نراعي في ترتيبها الألفبائيّ بحسب الحرف الثاني، لأنّها اتفقت جميعاً بالحرف الأول وهو الصاد، فيصبح تنظيمها مرتِّباً بعضها خلف بعض كما يأتي :
( الصَّبر ـ فالصّدق ـ فالصلاة ـ فالصوم )
 ثمَّ نضع البطاقات بعد تصنيفها بوَضْع شاقوليّ في دُرجٍ خاصّ بحيث يكون الجزء الذي سُجل عليه الحرف الهجائيُّ بارزاً إلى الأعلى ، وبذلك تَسْهل علينا إعادة البطاقة إلى مكانها بعد سحبها عند الحاجة .
  وهذه الطريقة تتزامن ـ كما أسلفنا ـ مع مسيرة مطالعتنا وقراءتنا المستمرَّة، وهي طريقة ـ كما أشرنا سابقاً ـ تحتاج إلى وقت ودأب وانتباه، ولكنّ التقنيّة الحديثة عوَّضتنا عن هذه الطريقة ونظائرها بجهاز ( الكمبيوتر ) الذي امتاز بصلاحيته لكلّ الاستعمالات في مختلف مجالات الحياة، واستطاع أن يغزو أجواء أعمالنا ومعايشنا وأوضاع علاقاتنا وسائر جوانب حياتنا .
 ومن هذه المجالات التي أثبت فيها ( الكمبيوتر ) جدارته الفائقة وصلاحيته التامة تنظيمُ مواضيع الخطب بحسب مصادرها ، وحفظها في ( ديسكات ).
 ولكن نظراً لعجز طائفة كبيرة من الدارسين والباحثين والقُراء والمطَّلعين عن الحصول على هذا الجهاز، بسبب قلّة ذات اليد أحياناً أو عدم توفُّر قطعة للجميع أحياناً أخرى .
 ونظراً لتعرُّض مثل هذا الجهاز للأعطال الفنِّيّة ، وحاجته إلى الإصلاح وتوفُّر الخبراء والفنِّيِّن والأدوات الإصلاحيَّة ، فإنّ استعمال طريقة البطاقات أيسَر وأفضل وأقلُّ كُلْفَة وأكثر ذيوعاً وانتشاراً لدى الباحثين والقُرَّاء والمطَّلعين، ونخصُّ منهم الخُطباء، لأنّهم بيت القصيد في هذا البحث .
*   *   *
 
 
 


العرافة الخطابية
 بعد أن تعرَّفنا في الفصول السابقة أهمّ خصائص الفنّ الخطابيّ، واتّضحت لنا مقوِّمات الخُطبة وسماتها وأحوال الخطيب وصفاته بحسب موقفه وموضوع خُطبته ومناسبتها، آن لنا بعد هذا كلّه أن نتعرّف فنّ العرافة.
* تعريفها
 العَرافة فنُّ مخصوص من فنون الخَطابة له سماته وخصائصه المتميزة، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحافل الدينيّة والثقافية والأدبية وحفلات المناسبات الوطنيَّة والندوات الفكريّة والتربويّة وغيرها.
 ونعني بالعرافة هنا تقديم فقرات برنامج الحفل، لأنّ وظيفة المقدّم الخطابيّة تقتصر على تعريف الجمهور بفقرات الحفل المكوّن من الخُطباء والقرّاء والشعراء أو المحاضرين والباحثين ونحوهم ، وتَهْييء أسماعهم وأفكارهم ومشاعرهم لكلّ فِقْرة من فقراتِ البرنامج.
 وسُمِّي المقدِّم عريفاً، لأنّه بمنزلة القائدة والرئيس الذي يقوم بتنظيم برنامج الحفل وضَبْط أداء فقراته من بدايته إلى نهايته .
ولقد جاء في (( القاموس المحيط )).
 و ( عَرُفَ ) ككرُم وضَرَب ( عَرافةً ) صار عريفاً، و( العَريفُ ): كأمير من يُعرَّف أصحابه.
وقال صاحب (( القاموس )) أيضاً :
والعريفُ رئيس القوم، سمِّي ، لأنَّه عُرِف بذلك، أو النقيب . أهـ .
* خصائص فنِّ العَرافة
 بعد هذه التوطئة نشرع في الحديث عن أهمّ خصائص فنّ العرافة وسماته، ونلخصها بما يأتي :
 أولاً : أن يحقق العريف مهمَّته في تنظيم برنامج الحفل أو الندوة وإدارة فقراتها .
ثانياً : أن يؤدي العريف وظيفته الخطابيّة في تشويق الجمهور وإعدادِه للإصغاء إلى من يقدِّمهم إليه من القرّاء أو الخطباء أو الشعراء أو المحاضرين أو الباحثين أو غيرهم .
ثالثاً : أن يحقّق مفهوم التعريف من خلال تقديمه، فيعطى كلّ من يقدِّمه حقِّه واعتباره في التعريف، وذلك عملاً بقاعدة (( أنزلوا الناس منازلهم )).
 فلا يصحُّ أن يمنح بعض المقدَّمين ألقاباً وأوصافاً يميّزهم بها عن أقرانهم حال تقديم الجميع، فيقول مثلاً :
ـ ( أُقدِّم إليكم العالم الفاضل المربِّي الكبير فضيلة الشيخ فلان ........ ).
ثم يقدِّم غيره ممَّن لا تقلُ منزلته عن الأوّل بقوله :
ـ ( أُقدم إليكم الأستاذ فلاناً......)
وكذلك لا يصحُّ في أدب التقديم أن يجعل الجميع في منزلة واحدة حال تقديمهم، وقد اختلفت مراتبهم العلميَّة ومنازلهم في التقوى والصلاح والسنّ، بل ينبغي على عريف الحفل أن يعطي كلّ خطيبٍ من خطباء ذلك الحفل حظَّه اللاَّئق به من التكريم والتعريف .
وأمّا الاعتبارات والمقاييس المادّية فلا ميزان لها ولا قيمة أمام العلم والإيمان والتقوى والصلاح.
وتاريخ الإسلام يحمل لنا شواهد رائعة ، نستشِفُّ منها بعضَ ملامح هذا المنهج الأدبيّ في التعريف :
فلقد حدّثنا التاريخ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أشرف بنفسه على دفن شهداء غزوة أحد كان يقدِّم في الدفن الأكثر أخذاً للقرآن، فميزان التفاضل هو القرآن والعلم، ولا ريب في أنّ عمل الرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إشعار بتقديم الناس حسب مراتبهم في العلم والدّين.
وينبغي على العريف في مراعاته هذه الناحية أن يراقب نشاط الجمهور وتفاعله واستعداده للاستماع والإنصات، فيقدِّم الأكثر علماً ومعرفةً والأكرم منزلةً في الدِّين في الفترة التي يكون فيها الجمهور في أوج نشاطه.
وأمّا ما يفعله بعض العُرَفاء من تأخير ذلك العالم الكبير في الكلام وجعله قِدحاً للقوم بحُجَّة القول : ( إنّه مسك الختام )، فهذا ليس من الحكمة والسداد والأدب ، لأنّ المتكلّمين الذين تقدَّموا في الكلام على ذلك العالم المؤخر استنفدوا طاقة استماع الجمهور ونشاط إصغائه وانتباهه، فتنزل بهذا كلمة ذلك العالم المؤخِّر في منزلها المناسب من نفوس الناس وعقولهم، لأنّهم سينصرفون ـ لا محالة ـ عن معظم معاني موعظته وأفكار خُطبته بسبب طول الوقت عليهم وامتلاء عقولهم بما استمعوا إليه من المتكلِّمين قبله. ولا تشفع له قوّة خُطبته وبلاغة كلمته في أن يعيره ذلك الجمهور سمعه وحُسْن إقباله عليه في رغبةٍ كاملة ونشاط تامٍّ.
كما ينبغي على العريف ألاّ يجعل ذلك العالم المتميّز برفعه شأنه وجلالة قدره وغزارة علمه أوّل المتكلِّمين في بداية الحفل وخاصّة إذا كان الناس ما يزالون يتوافدون على قاعة الاحتفال أو ندوة المحاضرات، بل يحرص على تقديم صغار المتكلّمين في بداية الاحتفال حتى إذا تكامل عدد المدعوِّين، وبلغوا أوج نشاطهم في الإنصات والانتباه، قام العريف بتقديم ذلك الخطيب العالم والواعظ المرشد.
رابعاً: ينبغي على عريف الحفل ألاّ يتجاوز حدود مهمَّته في تقديم من يقدِّمه من المتكلمين أو القُرَّاء أو الشعراء أو غيرهم ، فإذا يتجاوز الحدّ في التقديم ، وأطال بحيث أصبح تقديمه خطبةً مستقلَّة، واستنفذ فيه الوقت المخصَّص وطاقة الجمهور في الاستماع، فقد ارتكب بذلك أسوأ عيبٍ في العَرافة والتقديم، وهذا ما يمارسه بعض عرفاء الحفلات والمناسبات, وهو عيب قبيح يسلب العرافة رونقها وتأثيرها، فيجب على كلِّ من احتلَّ منصب العرافة الخطابيّة أن يتجنَّب شرَّ الوقوع فيه، ويحرص على القيام بمهمَّته بشكل صحيح ووضع مقبول، فيقصر تقديمَه على التعريف اللاَّئق بمن يقدِّمه وتشويق والناس للاستماع إليه.
ولا بأس في أن نذكر هنا نادرةً حصلت في أحد الاحتفالات، وملخِّصها أنّ مقدِّم الحفل قام وقدَّم أحد العلماء، واستفاض في الحديث مدّة نصف ساعة أو يزيد حتى إذا أعيا الناسَ تطويلُه، وأتعب الأسماع حديثُه، قال : ـ( ونستمع الآن إلى موعظة بليغة من فضيلة الشيخ فلان ).
فقام ذلك الشيخ، وتقدّم نحو المكبِّر الصوتيِّ، وحيَّا الجمهور بتحيَّة الإسلام، ثمَّ قال:
 ( أما بعد. فيا أيُّها الإخوة الكرام، لقد أدَّى عريف حفلنا ما يجب أن أقوله، وأعطاكم ما ينبغي أن تسمعوه، فجزاه الله عنا كلّ خير ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، ثمَّ غادر منصّة الإلقاء وعاد إلى مكانه .  
وجدير بنا هنا أن نذكر فُشُوَّ مثل هذا العيب في الندوات العلميّة والثقافيّة التي كثيراً ما تنقل عبر الإذاعة أو التلفاز، حيث نجد بعض عرفاء تلك الندوات ومديرو حلقات البحث فيها يطرح السؤال على أحد المشاركين في الندوة، ثمّ لا يفسح المجال لذلك العالم أو الباحث للإجابة والشرح بكامل الراحة والحرّية ، بل نجده : إمّا أن يقطع الكلام على المتحدّث المجيب أكثر من مرّة، وإمّا أن يجيب هو عن السؤال الذي طرحه عليه، كأن يقول : (قصدكم أن تقولوا : كذا وكذا)، ثمّ يأخذ في تفصيل الإجابة دون أن يبقي للمسؤول فرصةً للكلام أو التعليق، وهذا من المضحك المبكي في تلك الندوات واللّقاءات العلميّة والفكريّة، إذ يصبح فيها العريف سائلاً مجيباًَ في وقت واحد، فتفقد الندوة بذلك وقارها واتزانها، ولا تحقِّق فائدتها .
خامساً : من الأدب اللاّئق بالعرافة أن يحرص العريف على شُكر من يُقدمه بعد أن ينهي المقدّم خطبته أو تلاوته أو شعره، ويختار الأُسلوب المناسب للشكر، فإن كان المتحدِّث شيخاً عالماً كبيراً قال في شكره مثلاً:
 ( جزى الله عنّا فضيلة العالم الجليل فلان خيرَ الجزاء لِما أفاضه علينا من مَعِين العلم والهداية، وأرشدنا إليه من سبيل الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة ).
و إن كان المقدَّم شابّاً صغيراً شكره بقوله مثلاً:
( استمعنا إلى هذه الخطبة الرائعة التي تفيض بحيويّة الشباب وقوّة الإيمان، فجزى الله عنا خطيبنا الشابَّ فلاناً خير الجزاء ، ونسأل الله تعالى أن يجعله نِبْراساً مشرقاً لأجيال هذه الأُمَّة ).
* العرافة بين الإعداد والارتجال
 مرَّ معنا الحديث عن الإعداد والارتجال وأهميّة كلَّ منهما في الخطبة، وتبيَّن لنا أنَّ الخُطبة التي تفقد صفة الإعداد، ويقتصر خطيبها على ارتجالها دون التحضير السابق لها ، تكون خطبةً قصيرةَ النَّفَس عُرضةً للاضطراب والتفكُّك، وكذلك الخطبة التي تنحصر في نطاق الإعداد قد لا تكون كاملة النجاح إذا لم يتكيَّف خطيبها بحِِكْمة مع الظروف الطارئة، ويتَّخذ مع الارتجال سبيلاً لمعالجة تلك الظروف، فالخطيب الناجح هو الذي يجمع في خطبته بين الإعداد والارتجال، ويؤلف بينهما، ولكنَّ الإعداد يبقى في الخطبة غالباً على الارتجال .
 وأما العرافة فإنّ الارتجال يكون فيها أظهر وأهم من الإعداد، لأنّ العريف يكون أكثر تعرُّضاً لتبدُّل الأحوال والظروف الطارئة من الخطيب الذي حدَّد موضوع خُطبته مسبقاً حسب المناسبة، فلا يحتاج إلى تغيير أو تبديل في أفكار كلمته ومعانيها إلاّ نادراً، حيث تكون نسبة الإعداد في خُطبته أكبر من نسبة الارتجال، وتفسير ذلك:
 أنّ العريف قد يتعرَّض لتغيُّب أحد الخطباء المكلّفين بإلقاء كلمة الحفل، فيختلُّ بذلك ميزان إعداده، ويُضطرُّ إلى تغيير خطَّته في التقديم على حسب تغيُّب أو حضور أو تأخُّر من يُقدِّمهم إلى الجمهور ، لهذا ينبغي للعريف أن يتمتَّع بالنباهة والحِذْق وسرعة البديهة وحُسْن التصرُف في استغلال المواقف ومعالجة الظروف الطارئة .
*   *   *


   نهاية المطاف
  وفي نهاية المطاف نختم حديثنا بخلاصة ونصيحة قيِّمة .
* خلاصة في محاسن الخُطبة وعيوبها
  ومن خلال الأبحاث والمواضيع التي عالجناها في الصفحات الماضية نتوّصل إلى إدراك محاسن الخطبة وعيوبها التي نلخِّصها بما يأتي :
(أ) محاسن الخطبة :
  1- اختيار الوقت والمجال المناسبين لإلقاء الخطبة .
  2- حسن انتقاء الموضوع .
  3- حسن افتتاح الخطبة والدخول في الموضوع .
  4- روعة العرض وجمال الأسلوب .
  5- الابتكار والتجديد .
  6- حسن الأداء وقوّة الإلقاء .
  7- الإتيان بالشواهد القرآنية والأحاديث النبويّة المناسبة .
  8- تثبيت الأفكار بضرب الأمثال وذكر القصص المناسبة .
  9- حسن ختم الخطبة وإنهائها .
  10- عدم التطويل المملّ والإيجاز المخلّ .
(ب) عيوب الخطبة :
  1- عدم مناسبة الموضوع للوقت والظرف والجمهور .
  2- التطويل الممجوج المستِم للنفوس .
  3- فشل المقدّمة وسوء البداية .
  4- اضطراب الأسلوب ، وضعف الأداء .
  5- التقليد الممجوج وتكلُّف السجع ونحوه .
  6- خلوّ الخطبة من الاستشهاد .
  7- كثرة الاستطراد المضلّ لذهن الجمهور الممزّق لوحدة الموضوع .
  8- كثرة التقريع والاتهام الموجّه من الخطيب إلى جمهوره .
  9- خلوّ الخطبة من الحماسة ووقدة العاطفة .
  10- بَتْر الموضوع وسوء إنهاء الخطبة .
 
 
 
 
* نصيحة قيِّمة
  مرّ بِشْر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السَّكونيّ الخطيب ، وهو يعلِّم فتيانهم الخَطابة، فوقف بشر يستمع، فظنَّ إبراهيم أنَّه إنَّما وقف ليستفيد، أو يكون رجلاً من النظّارة، فما كان إلا أن سمع بشراً يقول : اضربوا عمّا قال صفحاً، واطووا عنه كَشْحاً[102]، ثمَّ دفع إليهم صحيفة من تَنْميقه وتحبيره[103] فيها :
  خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إيّاك، فإنَّ قليل تلك الساعة أكرم جوهراً، وأشرف حسباً، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكلّ عينٍ وغُرَّةٍ من لفظ شريف ومعنىّ بديع، واعلم أنّ ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطاولة والمجاهدة بالتكليف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولاً قصْداً وخفيفاً على اللِّسان سهلاً، كما خرج من يَنْبوعه، ونَجَم[104] عن معدته، وإيّاك والتوغُر [105] ، فإنَّ التوغُّر يُسْلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلِكُ معانيك، ويشين[106] ألفاظك. ومن أراد معنىً كريماً، فلْيلتَمِس له لفظاً كريماً، فإنّ حقّ المعنى الشريف اللَّفظ الشريف، ومن حقِّهما أن تصونها عمّا يفسِدهما ويهجِنهما [107] وعمّا تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالاً منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقّهما، وكن في ثلاث منازل: وإنّ أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عذْباً وفَخْماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً وقريباً ومعروفاً، وإمّا عند الخاصّة إن كنت للخاصّة قصدت، وإمّا عند العامّة إن كنت للعامةً أردت .
  والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصّة ، وكذلك ليس يتَّضح بأن يكون من معاني العامّة ، وإنّما مدار الشَّرف على الصّواب ، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكلّ مقام من المقال ، وكذلك اللَّفظ العامّيُّ والخاصِّيُّ، فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدارك على نفسك على أن تُفهم العامّةَ معانيَ الخاصّة، وتكسوها الألفاظ المتوسِّطة التي لا تلطف عن الدهّماء، ولا تجفو [108] عن الأكفاء، فأنت البليغ التام .
  فقال له إبراهيم بن جبلة :
  جُعِلْتُ فِداك، أنا أحوج إلى تعلُّمي هذا الكلام من هؤلاء الغِلْمة [109] أ هـ .


المراجع
·  "أدب الإملاء والاستملاء" ، للإمام عبدالكريم بن محمد السمعاني .
·  " إعانة الطالبين" ، للبكري.
·  "إعجاز القرآن" ، لعبد الكريم الخطيب.
·  "إعجاز القرآن" ، لأبي بكر الباقلاني.
·  "الأنوار المحمدية" ، للشيخ يوسف النبهاني.
·  "البيان والتبين" ، للجاحظ.
·  "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم" ، للإمام بدر الدين بن جماعة الكناني.
·  "حياة الصحابة" ، لمحمد يوسف الكاندهلوي.
·  "الخطابة العربية في عصرها الذهبي"، للدكتور إحسان النص.
·  "الدعوة إلى الإصلاح" ، للشيخ محمد الخضر حسين.
·  "زاد المعاد" ، للإمام ابن قيم الجوزية.
·  "زهر الآداب" ، للقيروانيّ.
·  "شرح البيقونية" ، للشيخ عبدالله سراج الدين.
·  "الشفا في شمائل المصطفي" ، للقاضي عياض اليحصبي.
·  "العقد الفريد" ، لابن عبد ربه.
·  "كتاب الخطابة" ، لمجموعة من المؤلفين، من منشورات وزارة الأوقاف بدمشق.
·  "كنز العمال" ، للعلامة ابن حسام الدين الهندي البرهان فوري.
·  "كيف تكون خطيباً" ، لعليّ الرفاعيّ.
·  "كيف ندعو الناس" ، لعبد البديع صقر.
·  "محاضرات في الخطابة وفن تبليغ الدعوة" ، للدكتور محمد عبدالسميع جاد.
·  "محمد رسول الله" ، للشيخ عبدالله سراج الدين.
·  "نور اليقين" ، للشيخ محمد الخضري.


المحتوى
الموضوع
* الإهداء.
* مقدمة الطبعة الثانية.
* مقدمة الكتاب.
* لمحة تاريخية.
·  الخطابة في العصر الجاهلي.
ـ مكانة الخطيب عند العرب الجاهليين.
ـ أنواع الخطابة العربية قبل الإسلام.
1 – خطب القتال والحض على الأخذ بالثأر.
2 – خطب الصلاح.
3 –خطب الوعظ والإرشاد.
4 – خطب الوفود.
5 – خطب النكاح.
* الخطابة في العصر الإسلامي.
 ـ أنواع الخطب في العصر الإسلامي.
1 – الخطب الدينية.
2 – خطب الجهاد.
3 – خطب المحافل والوفود.
4 – خطب المنافرات والمفاخرات.
5 – الخطب السياسية.
6 – خطبة النكاح.
 ـ أشهر خطباء الإسلام في الصدر الأول.
* الخطابة بعد عصر الخلافة الراشدة وإلى مشارف العصر الحديث.
* الخطابة في العصر الحديث.
* مقدمة لغوية
* هذا العلم
* الخطبة
·  أقسام الخطبة
( أ ) المقدمة
(ب) الموضوع
(ج) الخاتمة
   * أسلوب الخطبة
ـ تعريفه
ـ أثره وأهميته
ـ خصائصه
ـ وسائله
   الألفاظ
   التراكيب
ـ أنواع الأسلوب
ـ سبل تقوية الأسلوب
ـ أهم مصادر العربية الفصحى لتقوية الأسلوب
ـ القرآن الكريم
ـ الحديث النبوي الشريف
ـ كلام الصحابة رضي الله عنهم
ـ كلام التابعين
ـ التراث اللغوي العربي النثري والشعري
* الاستشهاد في الخطبة
ـ تعريفه
ـ أهميته ومكانته
ـ شروط الشاهد
ـ أنواع الشاهد
( أ ) القرآن الكريم
شروط الاستشهاد بالقرآن الكريم
(ب) الحديث النبوي الشريف
شروط الاستشهاد بالحديث الشريف
خلاصة في الحديث الموضوع (هامش)
(ج) الأقوال المأثورة
شروط الاستشهاد بالأقوال المأثورة
(د) أقوال الاستشهاد بأقوال أهل الفكر
شروط الاستشهاد بأقوال أهل الفكر
(هـ) المثل
أمثلة على ضرب الأمثلة
(و) القصة
أمثلة على الاستشهاد بالقصة
(ز) الأنباء والحوادث المعاصرة والإحصائيات
أمثلة على الاستشهاد بها
·  الخطبة بين الإبداع والتقليد
·  موضوع الخطبة بين التكرار والتجديد
·  الخطبة بين التطويل والتقصير
·  الارتجال
·  الإعداد
ـ الإعداد الذهني والإعداد الكتابي
أنواع الخطب الإسلامية
ـ تقديم
* الخطب الدينية المنصوص عليها شرعاً
ـ خطبة الجمعة
ـ خطبة العيد
ـ خطبة الاستسقاء
ـ خطبة الكسوف والخسوف
* الخطب الدينية غير المنصوص عليها شرعاً
ـ خطبة مناسبة ذكري مولد الرسول r
ـ ذكري الإسراء والمعراج
ـ خطبة ذكرى الهجرة النبوية الشريفة
ـ خطبة ذكرى غزوة بدر الكبرى


* الخطيب
·  صفات الخطيب
·  الصفات المتعلقة بذات الخطيب قبل الخطبة
ـ الاستعداد الفطري
ـ قوة البيان وفصاحة اللسان
ـ الزاد العلمي
ـ قوة الشخصية
ـ حسن الأخلاق
ـ الإخلاص
* الصفات المتعلقة بذات الخطيب أثناء الخطبة
ـ حسن الإلقاء
ـ سرعة البديهة
ـ أمثلة على سرعة البديهة
ـ الحماسة وتأجج العاطفة
ـ رباطة الجأش وقوة الجنان
* الصفات المتعلقة بمظهر الخطيب وهيئته
ـ وقار لبسه وجمال مظهره
ـ وقفة الخطيب حال أداء الخطبة
ـ حسن إشارة الخطيب حال واتزان حركاته
* عدة الخطيب
ـ العلم
ـ تنوع الثقافة واتساعها
ـ الإطلاع الدائم على كل نبأ جديد
ـ أدب اللغة العربية وبيانها
ـ حفظ كثير من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف
ـ علم المنطق والجدل
ـ علم النفس الاجتماعي
ـ المصادر التربوية التي تعين على معالجة النفس الإنسانية
 
* إلى كل خطيب
* مكتبة الخطيب
* فهرسة مواضيع الخطب ومصادرها
العرافة الخطابية
·  تعريفها
·  خصائص فن العرافة
·  العرافة بين الإعداد والارتجال
نهاية المطاف
* خلاصة في محاسن الخطبة وعيوبها
* نصيحة قيمة
فهرس المراجع
فهرس الموضوعات
 
 
 


--------------------------------------------------------------------------------

[1]طه: الآيات25- 28.
الأنعام: آية 83.
 الأعراف آية 65.
الأعراف: آية73.
الأعراف: آية85.
الحجر: آية 94.
الأعراف: آية158.
الأصل في ابن كثير ج1 ، من رواية للإمام أحمد. النحل: آية125
 
 
[2] (1) المفضَّليات ، القصيدة(91).
 (2) كُظَّماً: سكوتاً لا يتكلمون.
 (3) الجِبْس: الجبان.
[3] (1) الأمالي ، لأبي علىّ القالي 1/92.
 (2) البيان والتبيين1/122.
[4] قال ابن حجر بضعف الحديث من جميع طرقه ، وقال ابن الجوزيّ ببطلانه.
داج: مظلم ساج: ساكن هادىء.
أبراج: أركان   تزهر : تضيء.
تزخر: تمتلىء   مرساة: ثابتة.
مدحاة:مبسوطة  الكَلكَل: الصدر
المصادر: ج (مصدر) : وهو الرجوع من المورد بعد الشُّرب.
غابر: الماكث ، الباقي.
 
[5] [5]-—العقد الفريد2/42 2- الباذخ: العالي.   3-الأرومة: الأصل
4-الجرثومة: الأصل. 5-بسق: طال 6—سدنة البيت: خدمه
7-أشخصنا:أحصرنا. 8- فدحنا: أهله    9- المرزئة: المصيبة
10-السّفْر :جمع سافر: وهو المرتحل.11- ظعن: رحَلَ وغادر.   12- العقد الفريد2/182.
[6] (1) متّفق عليه
[7][7](1) النُّجعة: القصد والطلب.
 (2) الطُّرّاء: الغرباء.
 (3) التوبة: آية 33، الفتح : آية 28، الصف: آية 9.
 (4)تاريخ الطبري.
[8](1) طه:آية95.
   (2) الحجر: آية57
[9] وهذا نص خطبته :
( أيُّها الناس، أين المفرّ ؟ البحر من ورائكم والعدوُّ أمامكم ، وليس لكم والله إلاّ الصدق والصَّبر، واعلموا أنَّكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللّئام ، وقد استقبلكم عدوُّكم بجيشه ، وأسلحته وأقواتُه موفورة ، وأنتم لا وزر لكم إلاّ سيوفكم، ولا أقواتَ إلاّ ما تستخلصونه من أيدي عدوِّكم، وإن امتدّت بكم الأيَّام على افتقاركم ، ولم تُنجزوا لكم أمراً، ذهب ريحكم ، وتعوَّضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم ، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية. فقد ألقتْ به إليكم مدينته الحصينة . وإنَّ انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت . وإنِّي لم أحذِّركم أمراً أنا عنه بنجوةٍ ، ولا حمَّلتكم دوني على خطةٍ أرخصُ متاعٍ فيها النفوسُ، أبدأ بنفسي ، وأعلموا أنَّكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا أنفسكم عن نفسي، فما حظّكم فيه بأوفر من حظّي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات الصحيحة، وقد انتخبكم الوليد بن عبدالملك أمير المؤمنين من الأبطال ثقةٍ منه بارتياحكم للطعان وسماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظُّه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة ، وليكون مغنمها خالصةً لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم ، والله تعالى وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين . واعلموا أنِّي أوَّل مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأنِّي عند ملتقى الجمعين حاملٌ بنفسي على طاغية القوم ( لذريق ) فقاتلُه إن شاء الله تعالى ، فاحملوا معي ، فإن هلكتُ بعدَه ، فقد كُفِيتم أمره ، ولم يعوزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه ، وإن هلكتُ قبل وصولي إليه، فاخلفوني في عزيمتي هذه ، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهمَّ من فتح هذه الجزيرة بقَتْلِه. )
[10] زوَّرت : أعددت
[11] قضيباً : مرتجلاً. خشبياً: رديئاً لم يعدّ. الهائت: الكلام المسرود، هتَّ : سرد الكلام. المحكَّك : الذي ينتج عن رأي وفكرةٍ .
[12] الحِجر : آية 9 .
[13] الجمعة : آية 9 .
[14] رواه أبو داود.
[15] وهو مسجد معروف قد جُدِّد بناؤه قريباً من مسجد قباء .
[16] هذه الشروط في مذهب الإمام الشافعيِّ .
[17] هذه الأركان في مذهب الشافعيَّ.
[18] رواه ابن ماجة .
[19] النساء : آية 1
[20] الحج : آية 1
[21] آل عمران : آية 102
[22] الأحزاب : آية 70
[23] الأحزاب : آية 56
[24] النحل : آية 90
[25] رواه الطبراني في الأوسط عن أنس .
[26] رواه مسلم .
[27] رواه مسلم .
[28] نوح الآيات 10-12
[29] نوح الآيات 10-12
[30] الحج : الآيتان 1 ـ 2
[31] التكوير : الآيتان 1 ـ 2
[32] القيامة : الآيات 7 ـ 10
[33] المائدة : آية 3.
[34] لقد استحسن كثير من علماء المسلمين في الأزمنة المتأخرة إظهار الفرحة والابتهاج بحلول ذكرى ميلاد النبيّ محمد عليه الصلاة والسلام، ورغّبوا بالاستكثار من فعل الخير والصدقات في تلك المناسبات العظيمة، ولقد أورد صاحب كتاب ((إعانة الطالبين)) كلاماً للإمام أبي شامة في هذا الموضوع يقول فيه : ومن أحسن ما ابتُدع في زماننا ما يفعل في كلّ عامٍ في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإنّ ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء يُشعر بمحبَّة النبيّ صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك، وشكر الله تعالى على ما منًّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمةً للعالمين صلى الله عليه وسلم .
[35] رواه عبد القادر الرهاوي في الأربعين بلفظ : (أقطع)
[36] ـ الخطبة التي ى تُفتتح بالحمدلله تُسمى (بتراء)
   ـ والخطبة التي تخلو من القرآن الكريم تُسمى (شوهاء)
   ـ والخطبة التي تخلو من الشهادة والحمدلة تُسمى (جذماء)
[37] من المظاهر الطيِّبة والعادات الحسنة أن اعتاد الناس في كثير من بلاد المسلمين أن يعبِّروا عن أفراحهم في مختلف مناسبات حياتهم بقراءة المولد الشريف، وكأنَّهم بذلك يتوَّجون فرحتهم الصغرى بفرحتهم الكبرى، وهي ولادة المصطفى عليه الصلاة والسلام ومبعثه بالإسلام . يفعلون ذلك في أعراسهم ونجاحهم وشفاء مريضهم وعودة غائبهم . . وغير ذلك من مناسبات سرورهم وابتهاجهم .
[38] البقرة : آية 249 .
[39] البقرة : آية 249
[40] البقرة : آية 249.
[41] الأنفال : آية 17 .
[42] التوبة : آية 111.
[43] محمد : آية 7 .
[44] النساء: آية 76.
[45] الصف : آية 4.
[46] آل عمران : آية 159.
[47] البقرة: آية 44 .
[48] الصف: الآيتان 2،3
[49] رواه مسلم .
[50] رواه البخاريّ ومسلم .
[51] النساء : آيـة 146.
[52] رواه أبو داود .
[53] أخرجه الحاكم في مستدركه.
[54] رواه أحمد والطبراني.
[55] انظر : (( تذكرة السامع والمتكلِّم في أدب العالم والمتعلِّم )).
[56] انظر: (( بستان العرافين)) للإمام النوويّ.
[57] قالت عائشةُ رضي الله عنها : ما كان صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، كان يحدِّث حديثاً لو عدَّه العادُّ لأحصاه، وكان يعيد الكلمةَ ثلاثاً لِتُفهم عنه أهـ.
[58] على من أراد التوسُّع في هذا الموضوع مراجعة المؤلَّفات الآتية :
(( أخطاؤنا في الصحف والدواوين)) ، تأليف صلاح الدين الزعبلاوي.
(( الأخطاء السائرة في اللغة العربية))، تأليف خالد قرطوش وعبداللطيف الأرناؤوط.
((التنبيه على غلط الجاهل والنبيه))، لابن كمال باشا.
(( نحو وعي لغويّ)) تأليف الدكتور مازن مبارك .
[59] النساء : الآيتان 20 ـ 21
[60] أخرجه أبو يعلي وقال : إسناده جيِّد قويّ .
[61] رواه ابن عساكر عن معاوية.
 
[62] الحجّ : آيـة 73
[63] قضى سيدنا عليّ رضي الله عنه في هذه المسألة وهو يخطب على منبر الكوفة ، وهي تتألف من زوجة وبنتين وأم وأب وأصلها من(24) وتعول إلى (27) ، وحلّها كالتالي :
  24 27
زوجة 3 3
بنت 2 16 16
أم 4 4
أب 4 4

والثلاثة تُسُع الـ (27).
[64] رواه مسلم .
[65] الأعراف : آيـة 31.
[66] رواه ابن ماجة بإسناد حسن .
[67] رواه الطبرانيّ ورجاله رجال الصحيح .
[68] رواه البيهقيُّ.
[69] رواه أبو نُعيم والديلميُّ، وذكره السمعاني في كتاب (( أدب الإملاء والاستملاء )).
[70] زاد المعاد 1/135 ـ 136.
[71] ذكروا أنّ أحد الخطباء كان يُكثر في خطبته من الحركات حتى إنَّه كان ينزل من فوق المنبر إلى منتصفه ثم يعود، وكان الحاضرون ينصرفون بعقولهم عن التفكير بكلماته، وينشغلون بالنَّظر إلى حركاته وتصرُّفاته.
[72] التوبـة : آيـة 122.
[73] الحج: أيـة 73.
[74] القصص : الآيات 1ـ4.
[75] القصص : آيـة 5.
[76] القصص : آية 6.
[77] العقد الفريد
[78] النحل : آيـة 125.
[79] البقرة : آيـة 23.
[80] لقمان : آيـة 11.
[81] عزاء في الإصابة (1/331) إلى ابن خزيمة بإسناده .
[82] الإسراء : آيـة 9.
[83] الأعراف : آيـة 199.
[84] آل عمران : آيـة 159.
[85] آل عمران : آيـة 110.
[86] الحديث ضعيف جدّاً، وذكرناه لمضمونه فقط، لأنَّه قاعدة لا تتخلَّف في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم التربويّ، وله شواهد عديدة منها:
في صحيح البخاريّ عن عليّ موقوفاً: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يكذِّب الله ورسوله.
[87] النحل : آية 125 .
[88] آل عمران: آية 159.
[89] طـه: الآيتان : 43ـ44.
[90] النازعات: الآيتان 18ـ19.
[91] حضرت احتفالاً بمناسبة ذكرى المولد الشريف في أحد المساجد، فصادقت فيه خطيباً كان يلقي على الناس خطبة بمناسبة الذكرى. فقال للناس أثناء خطبته: هل تحبّون رسول الله ؟ قالوا: نعم، فأجابهم باللفظ الآتي : كذّابين . لو كنتم تحبّون رسول الله حقاً لما رضيتم لنسائكم أن يخرجن سافرات ولأنفسكم أن تأكلوا الحرام .... ثم قال لهم بعد ذلك : هل تصلّون وتصومون؟ قالوا جميعاً: نعم فأجابهم قائلاً : كذّابين. لأنكم لا تأمرون أولادكم ونساءكم وأُجراءكم بالصلاة . أ هـ
انظر يا أخي إلى لفظة ( كذّابين ) كيف أنّها تحطُّ من قدر الخطيب ، وتسقط هيبته من نفوس الناس حيث وجَّهها إليهم بكل غلظة وفظاظة، وكان الأولى به أن يختار أسلوباً صالحاً للتنبيه والتوجيه والتحذير لا أن ينزل بمقام التوجيه والدعوة إلى مقام السُّوقة .
= وسمعت عن خطيب آخر كان يخطب في إحدى قُرى دمشق، فألقى ذات جمعة خطبة عنَّف فيها الذين يتكلمون على العلماء ، ويتَّهمون أئمة المساجد وخطباءها ، فكان مما قال في خطبته : لعنة الله على من يتكلّم على العلماء ، إنّ كلّ من أنّهم العلماء وأئمة المساجد ( ابن حرام ).
انظر ـ رحمك الله ـ إلى هذا الأسلوب السوقي في التعنيف ، وكان الجدير بالخطيب هنا أن ينتخب أسلوباً أكر أدباً وحشمةً في خطاب الناس ووعظهم .
[92] متّفق عليه .
[93] مُتَفق عليه .
[94] طـه : آية 124 .
[95] رواه البخاري .
[96]
[97] البقرة: آية 219.
[98] النساء : آية 43.
[99] المائدة : آية 90.
[100] رواه الطوسيّ .
[101] رواه بحث ( الخطبة يبن التطويل والتقصير ).
[102] الكَشْح: هو ما بين الخاصرة إلى الضّلع الخلفي، وطوى كَشْحا: أعرض .
[103] التنميق والتحبير : التزيين .
[104] نجم: طلع .
[105] التوغُّر: طلب الصَّعْب .
[106] يشين: يعيب ، والشَّيْن : العيب .
[107] يهجِّنهما : يعيبهما، والهُجْنة في الكلام: العيب والقُبْح .
[108] تجفو : ترتفع .
[109] انظر : (( العقد الفريد )) لابن عبد ربّه (4/55ـ56)